الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 387 الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامي العصر الحديث :, الشيخ محمد عبده، ١٢٦٦ - ١٣٢٣ ه، ١٨٤٩ - ١٩٠٥ م

Share

يعتمد نبوغ البائع على عنصرين أساسين : استعداده طري ، أو بعبارة اخري طبائعه الموروثة ، وبيئته التي عاش فيها ، كالشجرة الطبية ، إنما تنبت نباتنًا حسنًا إذا شقت بذرتها ووجدت من التربة والهواء والماء ما يصلح لها ، فإن كانت البذرة سيئة فلا أمل في شجرة ممتازة ، وكذلك إن حسنت البذرة وساء الغذاء .

وقوانين الوراثة في الإنسان في منتهي التعقد : ماذا يرث من أبيه ؟ وماذا يرث من أمه ؟ وماذا يرث من آبائه الأقربين ؟ وماذا برث من آبائه الأبعدين ؟ كل هذا لا يزال غامضًا مع عناية علماء الوراثة بالبحث والتقصى

على كل حال ورث " محمد عبده " صفات نشأ عليها وساعدت بيئته على نموها ، أهمها ثلاث : الذكاء والثقة بالنفس والاعتداد بها ويتبع ذلك حب التفوق ، والعطف ، من أين تبعث هذه الصفات ! من تركمانية أبيه كما يقال او من عربية والدته ، إذ يقال إنها من بني عدي ، ولكن ما هذا ولا ذاك بكاف ، ففي كل من التركمان والعرب الذكي والغني والعزيز والذليل   ولا نستطيع أن نتثبت من موضع الوراثة حتى نكون على علم بآبائه وأمهاته فردا فردا وأنى لنا هذا ؟ فليس لنا إذا إلا أن نقول إنه هكذا خلق .

ثم كم من الفلاحين العقراء في الحقول وصغار الصناع في المصانع من ورث من الصفات ما ورث الشيخ محمد عبده بل خيرا مماورث ، ولكن لم تسعفهم البيئة وقست عليهم ، وعاشوا وماتوا لم يشعر بهم احد ، ولو وجدوا من الظروف ما وجد الشيخ محمد عبده وامثاله لظهر نبوغهم وعلا اسمهم

وآمن الناس بتفوقهم ، والناس كالكنوز المدفونة ، أحيانا يقضي عليها الدفن الأبدي ، واحيانا يعثر عليها فتكون مصدر ثراء ، وفي عصر الشيخ محمد عبده إلي عصرنا لم تسعفنا تعلم التربية وحالة البلاد الاجتماعية لنستكشف الأحجار الكريمة ، بل هي في أغلب الأحيان تعمل علي دفها في الرمال .

لا تعجبن من هالك كيف تري

                    بل فاعجبن من سالم كيف نجا

هذا محمد عبده ينشأ في قرية من قري الريف كما ينشأ ابن كل فلاح في ذلك العصر ، فإذا كان لأبيه بعض اليسر وبعض الوجاهة وبعض الدين علم ابنه الكتاب ، ثم بعث به إلى الأزهر أو إلي معهد ديني ، وكذلك فعل أبوه فأرسله إلي الجامع الأحمدي بطنطا لقريه من بلده وليجود القرآن بعد أن حفظه ثم ليتعلم العلم ، فأما تجوحد القرآن فأمر ميسور ، يسمع ما تسر فيأخذه الشيخ بضبط مخارج الحروف ومقايبس المد والغنة والإدغام وما إلي ذلك ، وأما العلوم التى يدرسها فطرقها في منتهي العقم - على المبتدىء ان قرأ على شيخ كتابا في الفقه وكتابًا في النحو ، وامر الفقه محتمل ، فهو يبدأ يعلمه في دقة كيف يتوضأ وكيف يصلي ، وهي أمور مارسها في حياته العملية ، فمن السهل التدقيق فيها ما دام الأساس معروفا ، أما النحو فهو الطاعة الكبرى ، فهو لا يعلم كما نعلمه نحن اليوم ، فنبدأ بأن الكلمة اسم وفعل وحرف ، ونأخذ في مميزات كل منها ، إنما كان يعلم كما في كتاب " الكفراوي على الأجرومية " وأول درس فيه .

( "بسم الله الرحمن الرحيم : الباء حرف جر واسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديرة أؤلف ، وأؤلف فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا ، هذا إن جعلت الباء اصلية وإن جعلتها زائدة فلا تحتاج إلى متعلق تتعلق به ، وتقول

في الإعراب حينئذ : الباء حرف جر زائد واسم مبتدأ مرفوع بالابتداء وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الحر الزائد ، والخبر محذوف تقديره اسم الله مبدوء به ") الخ .

باسم الله ما شاء الله ! هذا أول درس لمن لم يعرف في النحو شيئا ، فلو أن متكلما تكلم بالسريانية لكان أهون وكيف يستسيغ هذا وهو لم يسمع قبل إعرابًا ولارفعًا ولانصبًا ولاجرا ولم يفهم لها معني ، ومثل هذا مثل كنا نتضاحك عليه وكان أعجوبة الأعاجيب وهو أن مدرسًا في مسجد سيدنا الحسين كان يعظ النساء اسمه الشيخ وصف ، كان يجلس ويتحلق حوله عوام النساء للتبرك فيقرأ عليهن حديثًا من الأحاديث النبوية ويأخذ في شرحه ، ولكنه ينسي أنه يدرس لنساء أميات جاهلات ، أولا يستطيع ذوقه أن يدرك مقتضي الحال وما يصح أن يقال ومالا يقال فيتساءل في أثناء شرحه : " لم حذف المسند إليه " فيكون الكلام كتلاوة اللاتينية في الكنائس لمن لم يعرف كلة لاتينية ، أو خطبة الجمعة بالعربية على أتراك لم يعرفوا شيئا من العربية كذلك كان تعليم النحو في الأزهر والجامع الأحمدي للمبتدئين ، فلو اعلمت البيداجوجيا لطمة مميتة لم تجد شرا من هذه اللطمة ، ورحم الله الشيخ الكفراوي ، فلو علم ماذا يجني على المتعلمين كتابه ما خط منه حرفًا .

كانت سن " محمد عبده " إذ ذاك خمس عشرة سنة ، واستمر على هذا عاما ونصف عام يحاول أن يفهم فلا يفهم ، وكيف يفهم الوضع المقلوب على أنه وضع صحيح ؟ الجمهرة العظمي من المتعلمين على هذا النحو يملون ويسأمون وينقطعون عن الدراسة ، وبعضهم كانوا يختانون أنفسهم فيزعمون فيما لايفهمون أنهم يفهمون ، وتجلت في صاحبنا سجاياه الثلاث في هذا الموقف ، فهو ذكي إذ فرق بين ما يفهم وما لا بفهم ، وهو معت بنفسه إذ ثار علي الإستمرار على هذه الحال وأبي أن يرض بهذا الهوان ،

واخترن هذا الدرس في نفسه فتجلي فيما بعد في حمله عبء ، إصلاح الأزهر والعطف على أهله .

حول أن يتجه إلى الزراعة فيكون فلاحا كسائر أهله ، وصمم على ألا يتعلم ، وصمم أبوه على أن يتعلم ، واصطدمت الإرادتان ، فلما أكرهه أبوه هرب إلى بلدة فيها بعض أقاربه ، وشاء القدر أن يلتقى بشيخ صوفى ، هو الشيخ درويش خضر خال أبيه ، فينقلب محمد عبده كأنه شخص آخر ، حتى كأن عصا سحرية مسته ، وهنا يتجلى فصل المصادفات فى حياة العظماء ، فلولا هرب محمد عبده إلى هذه البلدة وملاقاته لهذا الشيخ لكان محمد عبده المشهور هو محمد عبده المغمور الذى لا يعرفه أحد إلا بلده ، ولكان شأنه شأن أى فلاح فى أى بلدة لا يسجل اسمه إلا فى دفتر المواليد ودفتر الوفيات .

وشخصية الشيخ درويش من الشخصيات اللطيفة التى تظهر فى بعض الأوساط المصرية على قلة ، وقد شاهدت منها فى حياتى شخصين ، هى شخصية متصوفة تمتاز بنور البصيرة أكثر مما تمتاز بسعة العلم ، تعرف الدنيا وشؤونها وتزهد فى قيمها عن علم لا عن غباء ، وخير عبادتها ذكر الله بالقلب لا باللسان ولا بالأوراد ، تعمل فى الدنيا كما يعمل أهلها ولكن فى رفق وتسامح وميل إلى الخير ، يرون الدنيا جسرا إلى الآخرة ، فلابد أن يعبر الجسر فى أمان ، يألمون لغفلة الناس وطغيان المادة عليهم وتورطهم فى الفاسد ، ويشفقون عليهم ويعملون ما أمكنهم لإنقاذهم فى هوادة ، يشع النور فى قلوبهم على وجوههم ، فيكون منظرهم وتصرفهم وحركاتهم وسكناتهم منظرا جذابا يستدعى الحب والإعجاب .

اتصل به محمد عبده فكان شخصا آخر . ولم يكن ذلك عن عصا سحرية ولا معجزة سماوية ، وإنما هى ظاهرة طبيعية . كان عند محمد عبده عقدة نفسية كونها شرح الكفراوى على الأجرومية ، فاعتقد أنه لا يفهم ولن يفهم ، فما

فائدة الاستمرار ؟ وهذا يذكرنا بعقدة مثلها حدثت لعلى مبارك عند تعلمه للهندسة ، فقد صدم بقولهم المثلث (أ ب جـ) فظن أن هذا اسم ثابت ، لهذا المثلث لا يصح أن يتغير ، كمن سمى بأحمد لا يصح أن يسمى بمحمد ، وتعقدت هذه المسألة فى نفسه فمنعته من أن يفهم أى شئ حتى رزق بمدرس ذكى واضح أدرك العقدة فحلها ففتح الباب أمام على مبارك وصار أولا بعد أن كان آخرا . كذلك حل الشيخ درويش عقدة محمد عبده بأن أعطاه كتابا سهلا فى المواعظ والأخلاق ، وجعله يقرأ وأخذ الشيخ يشرح ، فإذا بالطالب يفهم ، وإذا العقدة تحل ، ويعتقد محمد عبده أن فى الإمكان أن يفهم .

ودرس آخر علمه له الشيخ ، وهو درس "القيم" فقد كان محمد عبده كعامة الناس يرون مظاهر الحياة من مال وجاه وزينة وتفاخر وتكاثر فى أعلى القائمة ، وأن المسلم بنطقه بالشهادتين سيد الناس ولا بأس مما ارتكب ، فمصيره الجنة ، فجاء الشيخ ومحا له هذه القائمة وأثبت غيرها ، وجعل القائمة الجديدة مطلعها العمل الصالح بدل المال والجاه ، وأن اسم الإسلام لا يصح أن يكون مخبأ ترتكب فيه الجرائم ، فالاسلام عقيدة وعمل لا ألفاظ سيالة تنتهى بمجرد النطق . وأن المسلمين محاسبون على أعمالهم ، وأن أكثر من يسمون مسلمين لا يصح أن يدخلوا فى عداد المسلمين ، وأن التعاليم الفاسدة ليست من الإسلام فى شئ ، وأن أساس الإسلام وأساس العقيدة الصحيحة هو القرآن والقرآن وحده ، وأن خير عبادة هو تفهم معانيه .

وكان الشيخ درويش متأثرا بتعاليم السنوسية التى تتفق مع الوهابية فى الدعوة إلى الرجوع إلى الإسلام الأول في بساطته الأولى وتنقيته من البدع ، وذلك على أثر رحلته إلى طرابلس الغرب واجتماعه بأتباع السنوسى هناك . فى سبعة أيام تغير محمد عبده الذى يريد الزراعة والتفوق على الشبان فى ألعاب الفروسية إلى محمد عبده الذى يريد الصفاء الروحى والتعلم ليستطيع فهم القرآن وإعداد نفسه ليهتدى ثم يهدى .

فإلى الجامع الأحمدى إرضاء لوالدى وإرضاء لنفسى فقد اتفقت الإرادتان .

وبدأ يدرس النحو فإذا هو يفهم لأن العقدة النفسية قد زالت ، ولأنه بدأ يقرأ الكتاب الثانى فى النحو وهو شرح الشيخ خالد على الأجرومية ، وسوء الوضع جعل الكتاب الثانى أسهل من الأول ، ولعله قد رزق بشيخ خير من الأول استطاع أن يوضح له ما غمض ويبين ما أبهم . وإذا بالشيخ محمد عبده يلتف حوله بعض زملائه ليشرح لهم الدرس قبل بدء الأستاذ ، فتعود إليه ثقته بنفسه ويسير على الدرب .

كانت هذه الأيام السبعة أيام حضانة تكون فيها كل ما اتجه إليه بعد من إصلاح . فاهتمامه بعد بتفسير القرآن ، وجعله أساسا لدعوته الإصلاحية ، وتنقيته للعقيدة الإسلامية مما أصابها من دخيل ، وتلون حياته بلون صوفى راق ، وزهادته فى المال ، وغيرته الشديدة على إصلاح المسلمين ، كلها غرست فى هذه الأيام السبعة ، ثم نمت وازدهرت وتعدلت وفقا للظروف والأحوال . يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية