الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 257الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامي فى الفرق التاسع عشر :، محمد بن عبد الوهاب، 1115 - 1206 هـ ، 1703 - 1701 م

Share

لم يدرك القرن التاسع عشر ، إذ مات قبيله بقليل ، ولكن تعاليمه وأثرها ظهرت ظهورا بينما بعد وفاته فلا غرو إذا نحن عددناه من زعماء الإصلاح في هذا القرن .

هو زعيم الفرقة التي تسمي الوهابية ، وتعتنق مذهبه الحكومة الحاضرة في الحجاز .

نشأ في بلدة تسمي " المبينة " في تحد ، وتعلم دروسه الأولى بها علي رجال الدين من الحنابلة ، وسافر إلي المدينة ليتم تعلمه ؛ ثم طوف في كثير من بلاد العالم الإسلامي ، فأقام نحو أربع سنين في البصرة ، وخمس سنين في بغداد وسنة في كردستان ، وسنتين في همذان ؛ ثم رحل إلي أصفهان ودرس هناك فلسفة الإشراق والتصوف ، ثم رحل إلي " فم " ثم عاد إلى بلده واعتكف عن الناس نحو ثمانية أشهر ، ثم خرج عليهم يدعونه الجديدة أهم مسألة شغلت ذهنه في درسه ورحلاته مسألة التوحيد التي هي عماد الإسلام ، والتي تبلورت في "لا إله إلا الله " ، والتي تميز الإسلام بها عما عداه ، والتي دعا إليها " محمد" (ص) أصدق دعوة وأحرها ؟ فلا أصنام ولا أوثان ، ولا عبادة آباء وأجداد ، ولا أخبار ولا نحو ذلك ومن أجل هذا  سمى هو وأتباعه أنفسهم " بالموحدين " أما اسم الوهابية فهو اسم أطلقه عليه خصومهم ، واستعمله الأوربيون ثم جري علي الألسن .

وقد رأي أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلي كثير من بلاد العالم الإسلامي أن هذا التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى قد ضاع ، ودخله كثير من الفساد

فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأن الله وحده هو خالق هذا العالم ، والمسيطر عليه ، وواضع قوانينه التي يسير عليه ، والمشرع له ، وليس في الخلق من يشاركه في خلفه ، ولا في حكمه ، ولا من يعينه على تصريف أموره ؛ لأنه تعالى ليس في حاجة إلي عون أحد مهما كان من المقربين إليه ؛ هو الذى بيده الحكم وحده ، وهو الذي بيده النفع والضر وحده ، لا شريك له ؛ فمعنى لا إله إلا الله : ليس في الوجود ذو سلطة حقيقية تسير العالم وفقا لما وضع من قوانين إلا هو ، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم إلا هو ، وهذا هو محور القران " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، فان تولوا فقولوا نشهدوا بأنا مسلمون".

إذن فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة إلي الإشراك مع الله كثيرا من خلقه ؟ فهذه الأولياء يحج إليها ، وتقدم لها النذور، ويعتقد فيها أنها قادرة على النفع والضر ؛ وهذه الأضرحة لاعداد لها تقام في جميع أقطار ، يشد الناس إليها رحالهم ، ويتمسحون بها ، ويتذللون لها ، ويطلبون منها جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم ؛ ففي كل بلدة ولي وأولياء ، وفي كل المدة ضريح وأضرحة تشرك مع الله تعالى في تصريف الأمور ودفع الأذي وجلب الخير ، كأن الله سلطان من سلاطين الدنيا الغاشمين يتقرب إليه بذوي الجاه عنده وأهل الزلفى لديه ، ويرجون في إفساد القوانين وإبطال العدل . وليس هذا كما كان يقول مشركو العرب "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفي" وقولهم "هؤلاء شفعاؤنا عند الله "

بل وا أسفاه ! لم يكتف المسلمون بذلك بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد ؛ فهؤلاء أهل بلدة "منفوحة" باليمامة يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة ، من قصدها من العوانس تزوجت لعامها ؛ وهذا الغار في الدرعية يحج

إليه الناس للتبرك ، وفي كل بلدة من البلاد الإسلامية مثل هذا ؛ ففي مصر شجرة الحنفي ، ونعل الكلشني ، وبوابة المتولي (1) ؛ وفي كل قطر حجر وشجر ، فكيف بخلص التوحيد مع كل هذه العقائد ؟

إنها تصد الناس عن الله الواحد ، وتشرك معه غيره ، وتسئ إلي النفوس ، ويجعلها ذليلة وضيعة مخرفة ، وتجردها من عثرة التوحيد ، وتفقدها التسامي .

وأساس آخر يتصل بهذا التوحيد كان يفكر فيه "محمد بن عبد الوهاب" ، وهو أن الله وحده هو مشرع العقائد ، وهو وحده الذي يحلل ويحرم ، فليس كلام أحد حجة في الدين إلا كلام الله وسيد المرسلين ، فالله يقول : " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله " ؛ فكلام المتكلمين في العقائد ، وكلام الفقهاء في التحليل والتحريم ليس حجة علينا ، إنما إمامنا الكتاب والسنة ، وكل مستوف أدوات الاجتهاد له الحق أن يجتهد ، بل عليه أن يفعل ذلك ويستخرج من الأحكام - حسب فهمه لنصوص الكتاب وما صح من السنة - ما يؤديه إليه اجتهاده . وإقفال باب الأجهاد كان نكبة على المسلمين ، إذ أضاع شخصيتهم وقوتهم على الفهم والحكم ، وجعلهم جامدين مقلدين يبحثون وراء جملة في كتاب أو فتوي من مقلد مثلهم ، حتى انحط شأنهم وتفرقوا أحزاباً يلعن بعضهم بعضاً ، ولا منجاة من هذا الشر إلا إبطال هذا كله ، والرجوع إلي الدين في أصوله ، والاستفاء من منبعه الأول .

وهكذا شغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك ، والتوحيد في التشريع فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة.

هذا هو أساس دعوة محمد بن عبد الوهاب ، وعلي هذا الأساس ينبت الجزئيات .

اقتفى في دعوته وتعاليمه عالماً كبيراً ظهر في القرن السابع الهجري في عهد السلطان الناصر هو "ابن تيمية " ، وهو مع أنه حنبل فقد كان يقول بالأجتهاد ولو خالف الحنابلة ، وكان حر التفكير في حدود الكتاب وصحيح السنة ، خلق اللسان ، قوي الحجة ، شجاع القلب لا يخشى أحدا إلا الله ، ولا يعبأ بسجن مظلم ، ولا تعذيب مرهق ، فهاجم الفقهاء والتصوفة ، ودعا إلى عدم زيارة القبور والأضرحة وعدمها ، وألف في ذلك الرسائل الكثيرة ولم يعبأ إلا بما ورد في الكتاب والسنة ، وخالف إمامه أحمد ابن حنبل إذا أداء اجتهاده إلي ذلك .

فيظهر أن محمد بن عبد الوهاب عرف ابن تيمية عن طريق دراسته الحنبلية ، فأعجب به ، وعكف على كتبه ورسائله يكتبها ويدرسها . وفي المتحف البريطاني بعض رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط ابن عبد الوهاب ، فكان ابن تيمية إمامه ومرشده وباعث تفكيره ، والموحي إليه بالاجتهاد والدعوة إلي الإصلاح .

دعا مثله إلي رد البدع ، والتوجه بالعبادة والدعاء إلي الله وحده لا إلي المشايخ والأولياء ، والإضرحة ، ولا بوساطة توسل ولا شفاعة ، وزيارة القبور إن كانت فللعظة والأعتبار لا للتوسل والاستشفاع ، فهم لا يملكون شيئا بجانب الله وقوانينه الثابتة التي لا تتخلف والتي نظم الله بها كونه ؛ فالذبح للقبور والنذور لها والاستغاثة فيها والسجود عندها شرك لا يرضاه الله ، وهو هدم للتوحيد - الذي جاء به الإسلام - من أساسه ؛ ومثل ذلك تخصيص القبور وبناية الأضرحة وتشييد الأبنية عليها وكسوتها بالحرير المذهب وما إلي ذلك ، فكل هذه لا يعرفها الإسلام .

فكانت دعوة ابن عبد الوهاب حربا علي كل ما ابتدع بعد الإسلام الأول من عادات وتقاليد ، فلا اجتماع لقراءة

مولد ، ولا احتفاء بزيارة قبور ، ولا خروج للفساء وراء الجنازة ، ولا إقامة أذكار يغنى فها ويرقص ، ولا محمل بتبرك ويتمسح ويحتفل به هذا الاحتفال الضخم وهو ليس إلا أعوادا خشبية لا تضر ولا تنفع .

كل هذا مخالف للإسلام الصحيح يجب أن يزال ويجب أن نعود إلى الإسلام في صفاته الأولي ، وطهارته ونقائه ، ووحدانيته واتصال العبد بربه من غير واسطة ولا شريك ؛ فلا إله إلا الله معناها كل ذلك . والكتب المملوءة بالتوسلات كتب ضارة بالعقائد ، كدلائل الخيرات ، وما في البردة من مثل قوله :

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به

سواك عند حدوث الحادث العمم

وقوله :

إن لم تكن في معاد آخذاً بيدي

فضلا وإلا فقل يا زلة القدم

وقوله :

فإن من جودك الدنيا وضرتها

ومن علومك علم اللوح والقلم

ونحو ذلك ، أقوال فاسدة كاذبة ، فلا التجاء إلا إلى الله ،  ولا اعتماد في الدنيا والآخرة إلا عليه .

لقد كان محمد بن عبد الوهاب ومن نحا نحوه يرون أن ضعف المسلمين اليوم وسقوط نفسيتهم ليس له من سبب إلا العقيدة ، فقد كانت العقيدة الإسلامية في أول عهدها صافية نقية من أى شرك ، وكانت لا إله إلا الله معناها السمو بالنفس عن الأحجار والأوثان وعبادة العظماء وعدم خوف أحد إلا الله ، فلا خوف من الموت في سبيل الحق . ولا خوف من استنكار المنكر والأمر بالمعروف مهما تبع ذلك من العذاب ، ولا قيمة للحياة إلا إذا بذلت في رفع لواء الحق ودفع الظلم ، وهذا هو الفرق الوحيد بين العرب في الجاهلية والعرب في الإسلام ، وبهذه العقيدة وحدها غزوا وفتحوا وحكموا . ثم ماذا ؟

ثم لم يتغير شيء إلا العقيدة ، فتدنوا من سمو التوحيد إلي حضيض الشرك ، فتعددت آلهتهم من حجر وشجر وأعواد أخشاب وقبور أولياء ، وركنوا إلى ذلك في حياتهم العامة ؛ فالزرع ينجح لرضا ولي ويخيب لغضبه ، والبقرة تحيا إذا نذرت للسيد البدوي أو مثله ، وتموت إذا لم تنذر ، وهكذا في الأمراض والعلل والغني والفقر ، كلها لا ترجع إلى قوانين الله الطبيعية وإنما ترجع إلي غضب الأرواح ورضاها ومثل هذه النفوس الضعيفة التى تذل للحجر والشجر والأرواح لا نستطيع أن تقف أمام الولاة والحكام الظالمين تأمر بمعروف أو تنهاهم عن منكر ، فذلوا للحكام والأغنياء كما ذلوا للأخشاب الأحجار . وما زال كل قرن يمر تزداد معه الآلهة عددا وتزداد النفوس ذلة ، حتى وصلت الحال بالأمة الإسلامية إلي فقد سيادتها ، وانهيار عزتها ، ولا يصلح آخر الإسلام إلا بما صلح به أوله ، فلا بد من العودة إلى الحياة الإسلامية الأولى حيث التوحيد الصحيح والعزة الحقة ، ولابد من هدم هذه البدع والخرافات باللين إن نجح ، وبالقوة إن لم ينجح ، والله المستعان .

ثم ينظر محمد بن عبد الوهاب إلي المدنية الحديثة وموقف المسلمين منها ، ولم يتجه في إصلاحه إلي الحياة المادية كما فعل معاصره محمد على باشا ، وإنما اتجه إلي العقيدة وحدها والروح وحدها ؟ فعنده أن العقيدة والروح هما الأساس وهما القلب ، إن صلحا صلح كل شئ وإن فسدا فسد كل شئ ، وطبيعي أن يكون هذا هو الفرق بين رئيس الدين في نجد ورئيس الحكم في مصر

أما بعد ، فإن التوحيد الصحيح المطلق المجرد عن شائبة كل تجسيم ، المنزه عن كل تشخيص ، الذي يصل العبد بربه من غير وساطة ولا وسيلة ، مطلب عسير لا يستطيعه إلا الخاصة أو خاصة الخاصة ، أما من عداهم فيشعرون بالتوحيد لحظات وسرعان ما يتدهورون ويشوب عقيدتهم نوع من

التشخيص ، وأسلوب من التجسيم على نحو ما ، ثم يتخذون من الصالحين وسائل وزلفى - كان ذلك في الجاهلية وكان ذلك في الإسلام يعيد البعثة إلي الآن.

فالمؤرخون يرون أن أهل الطائف لما أسلموا كان لهم بنسبة على اللات فأمر النبي بهدمها فطلبوا منه أن يترك هدمها شهراً لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم حتى يدخلوهم الذين ، فأبي ذلك عليهم وأرسل معهم المغيرة بن شعبة وأبا  سفيان بن حرب وأمرهما بهدمها .

وفي الحديث أن العرب كانت لهم في الجاهلية شجرة تسمى "ذات أنواط" كانوا يعلقون بها سلاحهم ويعكفون  حولها ويعظمونها ، فسأل بعض المسلمين رسول الله أن يجعل لهم كذلك "ذات أنواط" فنهاهم عن ذلك

ولما جاء عمر شعر أن بعض الناس أخذ يحن إلي العادات الجاهلية القديمة ، فرآهم يأتون الشجرة التي بايع رسول الله (ص) تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر فأمر بها فقطمت .

ولما رأي عمر كعب الأحبار يخلع نعله ويلمس برجليه الصخرة عند فتح بيت المقدس ، قال له : " ضاهيت والله اليهودية يا كعب " .

وهكذا ما لبث بعض الناس حتى تراجع عن التوحيد المطلق الذي جاء به الإسلام ، لأن التحرر من المادة بكافة أشكالها ، والإفلات من قيود الحس ، والتسامي إلي الله فوق المادة وفوق الحس وفوق التشخيص يتطلب منزلة  رفيعة من السمو العقلي تعجز عنه الجماهير

وقال النبي (ص) "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك " .

ثم سرعان ما اتخذ المسلمون قبور الصالحين وغير الصالحين مساجد ، ولم يكن الصحابة الأولون يشدون الرحال إلي المشاهد ، ثم كان ذلك ، وهكذا كلما مضي زمن كثرت فيه

أصناف التنظيم للقبور والأضرحة وكثير من الاشجار والجماد.

وطهر الدعاة والصلحون على توالى العصور يحاولون أن يردوا الناس عن هذا ويرجعوهم إلى التوحيد وحده ، وما دعا داع إلى ذلك عذب وأهين ورمي بالكفر والإلحاد كما فعل بابن تيمية ، فقد ألف الرسائل في هذا الموضوع وانتقد حال المسلمين في استغاثتهم بالقبور ورحيلهم إليها وطوافهم بالصخرة في بيت المقدس ، ورحيلهم إلي مشهد الخليل ومشاهد عسقلان ، وتعظيمهم حتى بعض آثار النصرانية ، فعذب وسجن ؛ وأتى بعده بقرون محمد بن  عبد الوهاب هذا فدعا مثل هذه الدعوة فرمي بالكفر وأخيرا جاء الشيخ محمد عبده فدعا إلي العدول عن التوسل والشفاعة والزيارة للقبور ، وملأ دروسه في التفسير وتفسيره لجزء "عم" يمثل هذه الدعوة ، فلقي من أهل زمنه ما لم يغب عن أذهاننا بعد

هذا هو جوهر الدعوة التي دعا بها محمد بن عبد الوهاب فإذا كان شأنها ومصيرها ؟ هذا هو موضوع المقالة الآتية  إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية