الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 305الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامي في العصر الحديث :، -٣- السيد عبد الرحمن، الكواكبى

Share

عرض " الكواكبي " بعد ذلك لآثر الاستبداد في فساد الأخلاق ، فالاستبداد يتصرف في اكثر الميول الطبيعية والأخلاق الفاضلة فيضعفها أو يفسدها ؛ فهو يفقد الإنسان عاطفة الحب ، فهو لا يحب قومه لأنهم عون الاستبداد عليه ؛ ولا يحب وطنه لأنه يشقى فيه ؛ وهو ضعيف الحب لأسرته لأنه ليس سعيدا فيها ؟ وهو لا يركن إلي صديقه لأنه قد يأتي عليه يوم يكون فيه عونا على الاستبداد ومصدر شر له

الإنسان في ظل الاستبداد لا ينعم بلذة العزة والشمم والرجولة ، فلا يذوق إلا اللذة البهيمية لأنه لا يعرف غيرها .

والاستبداد يلعب بالأخلاق ، فيجعل من الفضائل رذائل ، ومن الرذائل فضائل : فيسمي النصح فضولا ، والشهامة تجبرا ، والحمية طيشا ، والإنسانية حمقا ، والرحمة مرضا ، كما يسمى النفاق سياسة ، والتحايل كياسة ، والدناءة لطفا ، والنذالة دماثة  وظرفا

والاستبداد أفسد عقول المؤرخين ، فسموا الجبابرة الفاتحين عظماء أجلاء ، مع انه لم يصدر عنهم إلا الإسراف في القتل والتخريب ؛ ثم شادوا بذكر السلف تملقا للخلف .

والاستبداد يفقد الثبات في الخلق ، فقد يكون الرجل شجاعا كريما فيصبح بعوامل الاستبداد جبانا بخيلا ولا أخلاق ما لم تكن ثابتة مطردة

وأقل ما يؤثر الاستبداد في اخلاق الناس انه يرغم الآخيار منهم على ألفة الرياء والنفاق ، ويعين الأشرار علي فجورهم آمنين حتى من الانتقاد والفضيحة ؛ لأن اكثر اعمالهم تظل مستورة لا يجرؤ الناس على قول الحق امامهم خوف العقبي .

وأقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ وما إلي ذلك ؛ وهو في مهد الاستبداد غير مقدور لغير ذوي المنعة ، وقليل ما هم ، ويصبح الوعظ والإرشاد ملقا ورياء .

في الحكومات التي نجت من الاستبداد أطلقت حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات ، ورأت ان الفوضى في ذلك خير من تحديد الحرية ؛ لانه متي وضعت القيود نفذ منها الحكام ، وتوسعوا فيها حتى خلقوا منها سلسلة من حديد يخنقون بها الحرية

والاستبداد يفقد الناس ثقة بعضهم ببعض ، ويحل الخوف محل الثقة ، فيقل التعاون بين الأفراد ؛ والتعاون حياة الأمم .

والأنبياء سلكوا في تكوين الأخلاق مسلكا خاصا ، فبدءوا بفك العقول من تعظيم غير الله ، وذلك بتقوية الإيمان المفطور عليه الإنسان ؛ ثم جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة ، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته وحريته في أفكاره ، وبذلك هدموا حصون الاستبداد .

ثم أبانوا أنه مكلف بقانون الإنسانية واتباع المبادئ التي ترقيه وترقى جنسه - وكذلك فعل السياسيون الاقدمون من الحكماء

أما الغربيون المحدثون ، فوضعوا الأخلاق غير مرتكزة على الدين ، ولكن على ما أودع في فطرة الإنسان من ضمير وحب للنظام وساعدهم على ذلك انتشار العلم عندهم والرغبة في التقدم ، واستعانوا على ذلك بالوطنية

ثم وازن بين اثر التربيتين فقال : إن الغربي مادي الحياة ، قوي النفس ، مضبوط المعاملة ، حريص على الاستئثار ، حريص على الانتقام ؛ والشرقي غير مادي ، يغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحب والإصغاء للوجدان ، والرحمة ولو في غير موضعها - وقد نجح الغربيون المحدثون في محاربة الاستبداد ، واستباحوا التدابير القاسية لمحو الظلم والاعتساف ، فنالوا ما ارادوا من تحرير الأفكار وتهذيب الأخلاق وجعل الإنسان إنسانا . وما احوج الشرقيين إلي حكماء  لايبالون بغوغاء العلماء الأغبياء والرؤساء القساة ،

يجددون النظر في الدين فيعيدون إليه النواقص المعطلة . ويهذبونه من الزوائد الباطلة ، فيملكون الإنسان إرادته وحريته وإنسانيته

ثم الاستبداد والتربية - التربية تنمية الاستعداد جسما ونفسا وعقلا ، وهي قادرة ان تبلغ بالإنسان اعلى حد من الرقي لو صلحت .

والحكومات العادلة تعنى بتربية الأمة من وقت تكون الجنين ، بل قبله ، بسن قوانين للزواج الصالح ، ثم بالعناية بالقابلات والأطباء ، ثم بفتح بيوت اللقطاء ، ثم بإنشاء المكاتب والمدارس وتنظيم خططها متدرجة إلى اعلي مرتبة ، ثم تسهيل الاجتماعات ، والإشراف على المراسح ،

ثم تشجيع النوادي وإنشاء المكتبات ، وإعلاء شأن النوابغ بإقامة النصب ونحوها ، ثم بتنمية المشاعر القوية بشتي أنواعها ، وتيسير الأعمال وغير ذلك .

أما الحياة في الحكومات المستبدة فمجرد نماء يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات والأحراش ، يسطو  عليها الغرق والحرق ، وتحطمها العواصف ، والأيدي القواصف .

في الحكومة العادلة يعيش الإنسان حرا نشيطا ، يسره النجاح ولا تقبضه الخيبة   وفي الحكومة المستبدة

يعيش خاملا خامدا ، ضائع القصد حائرا

الأسير المعذب يسلي نفسه بالسعادة الأخروية ، ويبعد عن فكره ان الدنيا عنوان الآخرة ، وقد جني على المسلمين علماؤهم ، فأفهموهم أن الدنيا سجن المؤمن ، وان المؤمن مصاب ، وإذا احب الله عبدا ابتلاه ، وهكذا مما ابتدعوه ؟ ويتغافلون عن حديث : "  اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ،

وحديث معناه : " إذا قامت الساعة وفي يد احد غرسة فليغرسها " ! وكل هذه المثبطات تحول الاذهان عن معرفة أسباب الشقاء إلى إلقائها على عاتق القضاء والقدر . وقد أحكموا هذه المكيدة باختراع الأحاديث التي تجعل الخضوع للحاكم دينا ، كالسلطان ظل الله في أرضه ، والملوك ملهمون الخ .

وعلى الجملة فالتربية الصحيحة لا تمكن في ظل الاستبداد

ثم الاستبداد - على الإجمال - يمنع الترقي . والترقي الحيوي الذي يسعي إليه الإنسان هو-أولا - الترقي في الجسم صحة وتلذذا ، ثم الترقي في الاجتماع بالعائلة والعشيرة ، ثم الترقي في القوة بالعلم والمال ، ثم الترقي في الملكات بالخصال والمفاخر . وهناك نوع آخر هو الترقي الروحي ،

وهو الاعتقاد بأن وراء هذه الحياة حياة اخري تترقي إليها على سلم الرحمة والإحسان - والاستبداد بالأمة عدو ذلك كله ؛ بل هو يحول الميل الطبيعي فيها إلى طلب التسفل ،

حتى لو دفعت إلي الرفعة لأبت وتآلمت كما يتالم الأجهر من النور وعندئذ يكون الاستبداد كالعلق ، يمتص دم الأمة فلا ينفك عنها حتى تموت ويموت هو بموتها .

والاستبداد يجعل الأمة منحطة في الإحساس ، منحطة في الإدراك ، منحطة في الأخلاق . وهو يضغط عليها فتكون كدود تحت صخرة ؛ والمشفقون عليها يجب ان

يسعوا في رفع الصخرة ولو حقا بالأظافر ذرة بعد ذرة وهنا ضرب مثلا يصح ان يخطب به الخطباء ، في الناس ليستيقظوا ؛ فوضع خطبة نموذجية لتنبيه المشاعر

وقال إن الرقي الذي ينشده في ظل العدل هو أن يكون الشخص أمينا على جسمه وحياته بحراسة الحكومة التي لاتغفل عن المحافظة عليه ، امينا على ملذاته الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة بإيجاد اسبابها ، امينا على حريته فلا يعتدى عليها ، أمينا على نفوذه كأنه سلطان عزيز فلا يمانع في تنفيذ مقاصده النافعة ، امينا على ماله وشرفه ، وما منحته  الطبيعة من مزايا ؛ فما لم تتحقق هذه فالحكومة مستبدة ليست بيئة لترقي شعبها

وأخيرا ما وسائل التخلص من الاستبداد ؟ هو يري ان الاستبداد لا يقاوم بالقوة إنما يقاوم باللين وبالتدريج ببث الشعور بالظلم ، وهذا يكون بالتعليم والتحمس ، ذلك لأن الاستبداد محفوف بأنواع القوات : كقوة الجند ، وقوة المال ، وقوة رجال الدين ، وقوة الأغنياء ، فإذا قوبل بالقوة كانت فتنة تحصد الناس ! وإنما الواجب المقاومة بالحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة . والاستبداد مع اعتماده على هذه القوات كلها يضعف أمام الوسائل المحكمة في قلبه ، كما قيل : كم من جبار عنيد جندله مظلوم صغير

ويجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يحل محله ، ومعرفة الغاية معرفة دقيقة واضحة . ومتى وضحت الغاية المرسومة يجب السعي في إقناع الناس بها واستجلاب رضاهم عنها وحملهم على النداء بها ، ويجب ان ينشر ذلك في كل الطبقات حتى يصبح عقيدة ، فيتلهفون جميعا على نيل الحرية وتحقيق المثل الذي ينشدونه ؛ عندئذ لا يسع المستبد إلا الإجابة طوعا أو كرها .

وقد حدد في ثنايا كتابه ، ماذا يقصد بالحكومة المستبدة ، فقال : إنها تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق ، كما تشمل حكومة الجمع ولو منتخبا إذا استبد  بل قد يكون هذا الحكم أضر من استبداد الفرد . ويدخل في أنواع الاستبداد أنواع الاستعمار ، فالمستعمر تاجر لا يري إلا مصلحته

ولا عبرة بأسماء أنواع الحكومات ، إنما العبرة بحقيقتها ، وكل أمة فيها لون من الوان الاستبداد ، ولكنها تختلف فيه كمية وكيفية ، فبعضها يمسه الاستبداد مسا خفيفا ،

وبعضها تغرق فيه من قدمها إلى مفرق رأسها . والغرب سبق إلي تقدير معنى الحرية والعدالة ، ولكنه لا يأخذ بيد الشرق ، بل يستغله لمصلحته . وواجب الغرب أن يرعي للشرق سابق فضله ، فيأخذ بيده ليخرجه إلى أرض الحياة ، ويعامله معاملة الأخ لاخيه لا السيد لعبده ، ليتعاونا  بعد على السير بالإنسانية .

وبهذا ينتهي الكتاب . وهو فيه قوي مخلص ، مملوء غيرة وأسفا وتلهفا على رفع نير الاستبداد عن الشرق وهو إن استمد الفكرة من الغرب ، فهو يبسطها ويعدلها ويعني بتطبيقها . وقد يؤخذ عليه حصر نفسه في دائرة النظريات .

وكان الكتاب يكون أوقع في النفس لو ملأه بالشواهد وما رأي وسمع من احداث ، وهو معروف بسعة الاطلاع ؛ فلو قرن النظريات بالشواهد لكان كتابه أكثر فائدة وأعم نفعا ، ولكن يظهر أن قد منعه من ذلك أنه أراد أن يستتر فأخفي اسمه ولم يضمه على الكتاب . وقال في مقدمة الكتاب إنه لم يقصد ظالما بعينه ولا حكومة مخصوصة ، وهو لو اتي بالشواهد لدل على الحكومة التي يقصدها . وما كان في ذلك من ضرر ، بل كان فيه كل النفع . ولكن الامور تقدر بأوقاتها وظروفها ، وهو فيما اكتنفه من ظروف كان في عرضه النظريات فقط شجاعا جريئا .

) يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية