أما كتابه الثاني " أم القري فأدل على الابتكار واوضح في إظهار الشخصية ، يقف فيه من المسلمين موقف الطبيب من المريض ، يفحص داءه ويتعرف أسبابه ،
ويصف علاجه في اسلوب قصصي جذاب ، تحدث فيه عن جمعية من المسلمين عقدت في مكة حضرها ممثل أو أكثر لكل قطر إسلامي ؛ فعضو شامي ، وعضو إسكندري ، ومصري ومقدسي ويمني وبصري ونجدي ومدني ومكى وتونسي وفاسي وانجليزي ورومي و كردي وتبريزي وتتري وقازاني وتركى وافغاني وهندي وسندي وصيني . واسندت رياسة الجمعية للعضو المكى ، والسكرتارية للسيد الفراتي ، ويعنى به " الكوا كبي نفسه . واجتمعوا كلهم في مكة قبيل الحج ، في مكان متطرف في مكة ، يتداولون في حال المسلمين . وكان أول اجتماع لهم في ١٥ ذي القعدة سنة ١٣١٦ ه
فهل كانت هذه الجمعية حقيقية أو من نسج خياله ؟ يقول هو إن لها اصلا من الحقيقة ، وان الخيال تممها . فهل هذا صحيح ، او هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من الروائيين ؟ أرجح الرأي الثاني .
على كل حال انعقدت الجمعية - فيما يقول - ووضع الرئيس منهج البحث ، وهو الكتمان ، لأنه أدعي إلي إفضاء كل بما في نفسه في صراحة ، وتناسي الاختلاف في
المذاهب ، فلا سني وشيعي ، ولا شافعي وحنفي ، فالكل مسلم ثم التحرر من اليأس في الإصلاح ، فهذه أمم كثيرة كالرومان واليونان واليابان ، اسرجعت مجدها بعد تمام ضعفها ، خصوصا وان الظواهر كلها تدل على ان الزمان قد استدار ، وبدأت تظهر اعراض الصحة على المسلمين ؟ ومن اعظم الظواهر انعقاد مثل هذه الجمعية . ووضع برنامج المؤتمر ، وهو يتخلص في بحث موضع الداء في المسلمين وأعراضه وجراثيمه ودوائه وكيفية استعماله الخ
قال الرئيس : إن أوضح عرض من أعراض مرض المسلمين فتورهم ، وهو فتور عام شامل لجميع المسلمين في جميع أقطار الأرض ، لا يسلم منه إلا أفراد شواذ ، حتى لا يكاد يوجد إقليمان متجاوران ، أو ناحيتان في إقليم ، أو قريتان في ناحية ، أو بيتان في قرية ، أهل احدهما مسلمون والأخر غير مسلمين ، إلا والمسلمون أقل من جيرانهم نشاطا وانتظاما ، وأقل إتقانا من نظرائهم في كل فن وصنعة ، مع ان المسلمين في جميع الحواضر متميزون عن غيرهم من جيرانهم في المزايا الأخلاقية ، مثل الأمانة والشجاعة والسخاء ، حتى توهم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان ! فما هو السبب ؟
وقد لفت نظره العضو الهندي في أنه مع تسليمه بما قال الرئيس ، يود ان يستثني بعض حالات فيها المسلمون خير من جيرانهم ، كبعض الوثنيين في الهند ، والصابئة في العراق ؛ فوافقه الرئيس وشكره على دقة ملاحظته .
ثم أخذوا - بعد التسليم بوجود العرض . . يبحثون في الأسباب ، وذهبوا في ذلك كل مذهب ؛ فالشامي رأي أن سبب الفتور يرجع إلي ما أصاب المسلمين من عقيدة جبرية ، فهذه العقيدة في القضاء والقدر على هذا النحو آلت إلي الزهد في الدنيا ، والقناعة باليسير والكفاف من الرزق ، وإماتة المطالب النفسية كحب المجد
والرياسة والإقدام على عظائم الأمور ، فأصبح المسلم كميت قبل أن يموت . والعقيدة بهذا الشكل مثبطة معطلة لا يرضاها عقل ، ولم يأت بها شرع .
والمقدسى رأي ان السبب تحول نوع السياسة الإسلامية من ديمقراطية إلى استبدادية ، فأفسدت العقول وأماتت الأخلاق .
ورأي التونسي ان بعض الامم الأوروبية محكومة بحكومة استبدادية ولم يمنع ذلك من تقدمها ، وإنما السبب في نظره الامراء المترفون الذين لم يرعوا للامة حقوقها .
وقال الرومي : إن تحميل الأمراء التبعة كلها غير سديد ، فماهم إلا نفر قليل من الأمة . والسبب الحقيقي في نظره فقدان المسلمين الحرية بجميع أنواعها : من حرية تعليم ، وحرية خطابة ، وحرية البحث العلمي فبفقد الحرية تفقد الآمال وتبطل الأعمال ، وتموت النفوس ، وتختل القوانين ، وتسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور
ورأي التبريزي أن السبب ترك المسلمين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فاسترسل الأمراء في اهوائهم وشهواتهم ، وعدمت المراقبة عليهم
وقال الفاسي : إن السبب هو إهمال الناس الاهتمام بالدين ، حتى لم يبق له أثر إلا على رءوس الالسن ، وأمراؤهم مثلهم لا يتراءون بالدين إلا بقصد تمكين سلطانهم على البسطاء من الأمة ، هذا إلى ظلمهم وجورهم وقد كان المسلمون أعزاء يوم توثقت بينهم الرابطة الدينية ، فلما انحلت ضاعت الأخلاق ففتروا وخمدوا
أجاب المدني بأن فقد الرابطة الدينية والوحدة الخلقية لايكفيان سببا لهذا الفتور العام . وعنده ان السبب تدليس رجال الدين وغلاة المتصوفين الذين لونوا الدين بلون سيئ فأضاعوه واضاعوا اهله ؛ وذلك ان العلماء العاملين اهل لكل تجلة واحترام ، فلما حسدهم من لا يستحق هذه
المنزلة سلكوا مسلك الزاهدين . ومن العادة أن يلجأ ضعيف المقدرة إلى التصوف كما يلجأ فاقد المجد إلى الكبر ، وقليل المال إلي التظاهر بزينة اللباس والاثاث ، فأفسد هؤلاء ، الدين بما ادخلوا فيه مما ليس منه ، كالعلم اللدني ،
وترتيب المقامات ، ووراثة السر ، والرهبنة ، والتظاهر بالعفة ، والتبرك بالآثار والكرامة على الله ، والتصرف في القدر ، فسحروا عقول الجهلاء واختلبوا قلوب الضعفاء كالنساء ، والنساء بذرن هذه البذور الضارة في ابنائهن وبناتهن ، فماتت النفوس وخرفت العقول . وهؤلاء ، المدلسون وجدوا في بغداد ومصر والشام وتلمسان ، وغمروا السوق في الآستانة ، وسري من هذه العواصم إلي جميع الأفاق فأصبح المرض عاما .
وانضم " الرومي إلي هذا الرأي وزاده إيضاحا ، فقال نعم إن داءنا الدفين دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين والجهال المتعممين ؛ وبلغ امرهم في البلاد العثمانية ان سارت الألقاب العلمية منحة رسمية تعطي للجهال حتى للأميين والأطفال كمشيخة الطرق عندنا فقد يكون طفلا ويمنح بالوراثة لقب " اعلم العلماء المحققين " ثم " افضل الفضلاء المدققين ثم وثم حتى يوصف بأنه " اعلم العلماء المتبحرين ، وأفضل الفضلاء المتورعين ، وينبوع الفضل واليقين ، و أكثرهم لا يحسنون حتى قراءة القابهم وطبيعي ان هؤلاء يقابلون السلطان بالمثل ، فهو صاحب العظمة والإجلال ، المنزه عن النظير والمثال ، مهبط الإلهامات ،
مصدر الكرمات ، سلطان السلاطين ، مالك رقاب العالمين - وأصبح التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وسائر الخدم الدينية سلعا تباع وتشري ، وتوهب وتورث . وتسلط هؤلاء ، المتعممون على المجالس والإرادات ، واتخذ الأمراء من ذلك وسيلة يعتذرون بها عند الدول الأجنبية بأن الرأي العام - وعلي رأسه المعممون - لا يقبلون الإصلاح المدني .
أجاب الكردي بأن هذا الداء خاص ببعض الولايات ولكن عرض الفتور عام في الولايات الإسلامية التي فيها هذا الشأن وغيره ، فلا بد أن يكون السبب شيئا اعم من ذلك وعندي ان السبب هو ان المسلمين اصيبوا باقتصارهم على العلوم الدينية وإهمالهم العلوم الدنيوية ، كالرياضة والطبيعة والكيمياء ، على حين ان هذه العلوم تمت في الغرب وترقت وظهر لها ثمرات عظيمة في كافة الشؤون المادية والأدبية ،
حتى صارت عندهم كالشمس لاحياة لهم إلا بنورها ؟ واصبح المسلمون في أشد الحاجة إليها في جميع أمورهم : من تربية الطفل إلي سياسة الدولة ، ومن عمل الإبرة إلي عمل المدافع والبوارج ، ومن استخدام اليد إلي استخدام الإسلاك والبخار - فابتعاد المسلمين إلي الآن عن هذه العلوم النافعة الحيوية ، جعلتهم أحط من غيرهم من الأمم ، وكلما تمادت الأيام بعدت النسبة بينهم وبين جيرانهم
أجاب الإسكندري : إن هذا يصلح سببا ، ولكن ليس كل السبب ؛ لأن فقد العلوم لا يصلح سببا لفقد الإحساس الشريف والأخلاق الغالية . وإنما السبب نومنا ويأسنا .
قال التتري : إن هذا شكاية حال لا شرح أسباب . إنما السبب عندي فقدان القادة والزعماء ، فلا امير حازم يسوق الامة طوعا او كرها إلى الرشاد ، ولا زعيم مخلص تنقاد له الأمراء والناس ، ولا رأي عام يجمع الناس على غرض نبيل
والأفغاني يري أن سبب الفتور الفقر ، وهو قائد كل شر ، ورائد كل فساد ، فمنه الجهل ، ومنه الانحطاط الخلقي ، ومنه تشتت الاراء حتى في الدين ؛ فليس ينقصنا عن الامم الحية إلا القوة المالية . ولكن المال لا يأتي إلا بالعلوم والفنون العالية ، وهذه لاتنتشر في الأمة إلا بالمال . وبهذا تحدث مشكلة الدور ، ويجب أن نبحث عن حلها .
أجاب المسلم الإنجليزي إن الفقر في المملكة الإسلامية ليس طبيعيا ، فهي بلاد غنية ، لو نفذت تعاليم الإسلام من تحصيل الزكاة والكفارات وما إلي ذلك ، وصرفت في وجوهها لخفت وطأة الفقر . وإنما سبب الفتور في نظره فقد الاجتماعات والمفاوضات وتبادل الآراء ، فنسي المسلمون حكمة تشريع الجمعة والجماعة والحج ، وصارت الخطب التي تلقي تافهة لاقيمة لها ، وكان الغرض منها التحدث في الأحوال الطارئة . وبلغ من سوء رأيهم أنهم عدوا التحدث في الأمور العامة فضولا ، والكلام فيها في المساجد لغوا ، فلما انعدم الكلام في المصالح العامة أصبح كل شخص لا يهتم إلا بنفسه ولا اهتمام له بالصالح العام ولا بغير ذلك من الشؤون ، حتى لو بلغهم خبر تخريب الكعبة - لاقدر الله - ما زادوا عن أن يقطبوا جبينهم لحظة وينتهي الأمر . والأمم الحية في الوقت الحاضر تهيئ الفرص للاجتماعات ومبادلة الآراء ما أمكن ، بكثرة النوادي والمجتمعات وتنظيم الرحلات والسياحات ، وكثرة الخطب والمحاضرات حتى في المتنزهات ،
وعقد المؤتمرات للمناسبات ، وتذكيرهم بتاريخهم وأهم أحداثهم ، وبثهم في الأغاني والأناشيد ما يبعث حب البلاد والحرية ويحمس للخير العام .
ورأي الصيني أن السبب هو تكبر الامراء وميلهم العلماء المتعلمين المنافقين ، الذين يتصاغرون لديهم ويتذللون لهم ؛ ويحرفون احكام الدين ليوفقوها على اهوائهم ،
فماذا يرجي من علماء دين يشترون بدينهم دنياهم ، ويقبلون يد الأمير لتقبل العامة أيديهم ، ويحقرون أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف من الضعفاء ، فأفضل الحهاد عند الله الحط من قدر العلماء المنافقين عند العامة ، وتحويل وجهتهم لاحترام العلماء العاملين . وعندنا في الصين رجال حكماء نبلاء ، لهم نوع من السيادة حتى على العلماء ، وهؤلاء هم
الذين يسمون في الإسلام أهل الحل والعقد ، وهم خواص الطبقة العليا في الأمة الذين أمر الله نبيه بمشاورتهم .
وتاريخ المسلمين يدل على ارتباط القوة والضعف بمنزلة أهل الحل والعقد في الأمة . والخلاصة أن سبب الفتور استحكام الاستبداد في الأمراء ، وانعدام أهل الحل والعقد من الأمة .
وقال " النجدي " : إن سبب فتور المسلمين الدين الحاضر نفسه بدليل التلازم ؛ فالدين الحاضر ليس دين السلف . إن الدين الحاضر ترك إعداد القوة بالعلم والمال والجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، وإيتاء الزكاة إلي غير ذلك مما بينه إخواننا . قد يقول قائل : إن كل دين دخل عليه التغير ولم يؤثر في أهله الفتور ، بل قال كثير من رجال الغرب إنهم ما أخذوا في الترقي إلا بعد فصلهم الدين عن شؤون الحياة الدنيا . والجواب أن كل أمة لا بد لها من نظام ثابت تسير عليه ويلائم نفسها وبيئتها وعلاقتها التجارية والسياسية ؛ والقانون الطبيعي الذي يتفق والطبيعة البشرية هو إذعانه لقوة غالبة هو الله الذي يوحى به الإلهام الفطري . ولهذه الفطرة علاقة عظمي بتنظيم شؤون حياته ، وهي أقوي وأفضل وازع - وكل الأديان راجعة إلي أصل صحيح واحد ، فإذا تغير أو فسد فسد الناس لاختلال هذا الوازع ، قال تعالى : " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " . " والأمة كلما قربت من الأصل الصحيح والمبادئ الصحيحة قربت من الكمال " .
وهنا أعلن الرئيس أن البحث في أعراض الداء وأسبابه قد نضج او كاد ، فيكتفي فيه بهذا القدر ، ويجب نقل البحث إلي موضوع اخر . قال : و كلمة اخينا النجدي تلهمنا الموضوع الآتي الذي نبحثه ، وهو ما هو الإسلام الصحيح ؟ .
) يتبع (
