عقل فرأي نفسه في الآستانة في اسرة غير اسرته في بيت تحسين بك نقيب الأشراف . ليست سيدة البيت له اما ولا تحسين بك ابا ولا أبناء البيت اخوة ، وانما بسمع همسا أنه عبد مملوك على معني غامض لم يفهمه أولا - اين ولد ؟ وأين أسرته ؟ وكيف أتى إلي هذا البيت ؟ سؤال محير كسؤال ابن الشبل البغدادي
فماذا الامتنان على وجود
لغير الوجدين به الخيار ؟
وكانت أنعما لو أن كونا
نختبر قبله او نستشار
وقول أبي العلاء :
ما باختياري ميلادي ولا هرمي
ولا حياتي فهل لي بعد تخبير ؟
ونظر فرأي تحسين بك يوما يعرضه على رجل يفحصه كما تفحص السلعة ، ويصعد فيه نظره ، ويصوب ، ويختبره من فرقه إلي قدمه ، ثم يدفع مالا في يد تحسين ، وينتقل هو إلي بده ، وهذا يركبه مركبا ينحو إلى تونس ، وإذا به في بيت جديد هو بيت أحمد باي ، باي تونس
ما هذا الغموض كله ؟
تكشف له البحث بعد ذلك عن مأساة ؛ فهو شركسي الأصل ، من أسرة أباظه ، خطف وهو طفل على اثر غارة أو فتنة أو هجرة ، وبيع رفيقا في سوق الآستانة ، فاشتراه تحسين بك ، وهذا باعه إلي أحد وكلاء باي تونس الذي
انقذه لشراء السراري والعبيد
مأساة تبعث الأسى والحزن العميق ، قد حرمته أن يتذوق عطف ابيه وامه ، وينعم بحربته وهي لا يعوضها شئ في الوجود ، حتى لو نعم في قصر تحسين بك او قصر باي نونس فما هذا النعيم ؟
وبيت تخفق الارواح فيه
أحب إلي من قصر منيف
وكل أكل فاخر وملبس باهر ونعيم باذخ لايساوي شيئا بجانب نظرة بنظرها تحسين واهله وباي تونس وبلاطه إلي هذا الفتي على انه عبد رقيق اشتري بدنانير محدودة
كان هذا كل ما وصل إلي علمه عن طريق اليقين ، ورجح عنده فيما بعد أن له أخا في مصر يشغل منصبا كبيرا في الدولة المصرية ، ويمتلك ثروة طائلة ، فابت على خير الدين كرامته وإباؤه وظنونه - وما قد يعقب ذلك من تفسيرات تؤلمه - أن يكاتبه ويخبره ، وفضل أن يحتفظ بذلك السر لنفسه وأقرب الناس إليه
ومن قديم عرف الشراكة في العالم الإسلامي ، وهم قبائل بدوية تسكن البقعة الشمالية الغربية من بحر قزوين وجزء من ساحل البحر الأسود ، وكان عددهم كبيرا ، فلما احتلت روسيا أخيرا بلادهم تفرق كثير منهم في تركيا وآسيا الصغري ، وقد انتشر الإسلام بينهم وكاد يعمهم من نحو ثلاثة قرون .
وفي الشراكسة فضائل البداوة من الشجاعة والكرم ويمتازون بالنظافة والجمال ، عرف عنهم ذلك فكان الصغار والفتيان والفتيات يخطفون أو يباعون ويصدرون إلي المملكة الاسلامية من عهد العصر العباسي الأول
ولا تنسي مصر أنها حكمت بدولة الماليك الشراكة من سنة ٧٢٤ - سنة ٩٢٣ ه فاقتني منهم سلاطين مصر
عددا وافرا واستخدموهم في أعلى مناصب الدولة وعهدوا إليهم بالشؤون الحربية ، فأمسكوا بزمام الحصون والقلاع وعرفوا بالإخاء ومعاونة بعضهم بعضا ، فلما اتيحت لهم الفرصة تغلبوا على الدولة وملكوا على البلاد أولهم السلطان برقوق ، وظل الحكم فيهم إلي ان انههزم طومان بأي امام السلطان سليم ، وكان مع طومان باي هذا اربعون الف شركسي ذابوا كلهم وذووهم ومن اتى بعدهم في الآمة المصرية ، فكانوا عنصرا من عناصر دمها . كما لا ننسي ان من اهم اسباب الثورة العرابية أول امرها اعتقاد الضباط المصريين انهم مغبونون إذا قيسوا بالضباط الشراكة لترقيتهم دونهم
كانت تونس حين حمل إليها خير الدين كسائر بلاد الشرق مقرا لحضارة قد هرمت ، ذهبت روحها ولم يبق إلا رسمها .
الحياة العلمية فيها أشبه بما كان في مصر قبيل عهد محمد علي ، كتاتيب بدائبة منتشرة في القري والمدن غايتها تحفيظ القرآن ، وقلما يبلغون هذه الغاية ، ويستطيع التلميد بفضل مناهج الدراسة فيها ان يقضي عشر سنين وأكثر من غير أن يحسن القراءة والكتابة ، وكل ما يبلغه النجيب منهم ان يحفظ القرآن أو بعضه
وعلي رأس هذه الكتاتيب جامع الزيتونة وهو صورة مصغرة من الأزهر في ذلك العهد ، تقرأ فيه علوم الدين من تفسير وحديث وفقه وعقائد ، وعلوم اللغة من نحو وصرف ومعان وبيان ، في كتب مقررة لها متون وشروح وحواش ويقضي الوقت في تفهم تعبيراتها وايراد الاعتراضات عليها والإجابة عنها ؛ فالعلم شكل علم لا علم ، والنتاج جدل لا حقائق ، والناجح في الامتحان الذي يستحق ان يسمي " عالما " أقدرهم على الجدل وحفظ المصطلحات الشكلية . أما الجميع فسواء في عدم التحصيل ؛ إذا مسوا الحياة
الخارجية فالمناقشة العنيفة في ان شرب الدخان حلال او حرام ، والغيبة اشد حرمة ام سماع الالات الموسيقية ، و " خيال الظل " يجوز رؤيته أو لا يجوز ؛ وجزء كبير من السكان بدو لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين ، ولا يصل اليهم شئ من علم إلا في بعض اماكن انشأ فيها الصوفية زوايا تعلم الناس شيئا من الدين ، وللجاليات الاجنبية من فرنسية وإيطالية وانجليزية مدارس تعلم ابناءها وقليلا من أبناء البلاد اللغات والجغرافيا والتاريخ والحساب والجبر والهندسة ، فتخرج من هم أقدر علي فهم الحياة ، فإذا انغمسوا فيها تحولت مالية البلاد إلي ايديهم .
عماد أهلها الفلاحة ، وآلاتها وأساليبها هي بعينها ما كانت عليه في القرون الأولى قبل الإسلام وقبل الرومان ، وساهم بعض الأوربيين في الزراعية ، قطعوا الأشجار وبخروها وافحموها ، فدرت عليهم من الأرباح ما لم ينلة سكان البلاد . ثم قبض هؤلاء الأجانب علي الأسواق الخارجية ، وخاصة في اكبر غلة للبلاد ، وهي زيت الزيتون ، فمن ناحية أنشئوا المعاصر تدار بالبخار ، ومن ناحية وضعوا أيديهم علي ما ينتجونه وما ينتجه الأهالي واحتكروا التجارة إلي الخارج إلا القليل النادر من أهل البلاد . وكان التونسيون يصنعون نوعا من النسيج اسمه ( الشاشية ) وكانت مصانعها كثيرة ، وكانت مصدر رزق لكثير منهم ، ولكنها كانت تصنع بالآلات القديمة ، فلما تقدمت الصناعة في أوربا ، وكانت الآلات تدار بالبخار وتفتح نتاجا كثيرا حتى من الشاش هذا رخص سعره ، وأصيبت الصناعة في تونس بضربة قاضية حتي لم يبق من مصانعها التي تبلغ الألف غير ثلاثين ؛ وناهيك بما يجره ذلك من الفقر والخراب ، كما زراعت " الجرمة " البلغة " وقضت عليها ، واختل الميزان التجاري فكثر الوارد وقل الصادر ، وتغلب الفرنساويون والإيطاليون على السوق وأمسكوا بزمامه .
وكان مما أضعف التجارة سوء أدوات النقل وفساد
الطرق ، فهم ينقلون غلاتهم على الابل والخيل والبغال ونوع من العربات البدائية ، وتنقل القبائل البدوية غلاتها في قوافل ، فإذا كان الشتاء وامطرت السماء تشعثت الطرق فتعطلت الحركة .
وأما إدارة البلاد ففوضي أي فوضي الحاكم حاكم بأمره ، واحب الناس اليه من يجمع له المال من حله وحرامه ، ولا ضبط في دخل ولا خرج ، والعدل والظلم متروكان للمصادفات ، فان تولى بعض الأمور عادل عدل ، وكان العدل موقوتا بحياته - وقلما يكون - ونظام القضاء والجيش والإدارة والضرائب وجباية المال وإنفاقه على النمط العتيق البالي ، وكثير من الأمور تنفذ بالأوامر الشفوبة ، لا مرجع لها ولا يمكن الحساب عليها
وكانت تونس إذ ذاك تحت حكم البابات ، والباي في تونس لقب كالخديو في مصر ، وكان الباي يتبع الدولة العثمانية تبعية ضعيفة ، فيساعدها في حروبها ويحمل اليها مقدارا من المال وكثيرا من الهدايا ، وإذا حدث مشكل دولي في تونس تدخلت الدولة العثمانية لفض النزاع ، وأرسلت مندوبا من قبلها ليشرف على الحل ونحو ذلك أما فيما عدا هذا فولاية تونس شبه مستقلة والباي حر التصرف
ولكن فرنسا كانت قد استولت على جارتها " الجزائر " ووضعت نصب عينها إضعاف علاقة تونس بالدولة العثمانية شيئا فشيئا وتوثيق علاقتها هي بها شيئا فشيئا وانتهاز الفرص للتغلب عليها نهائيا
وكان باي تونس الذي ملك خير الدين هو الباي أحمد باشا الذي كان واليا من ( ١٢٥٣-١٢٧١ ) وقد أنعم عليه السلطان محمود بالحلمة السنية ورتبة المشيرية
ونحن نعلم أنه في عهد السلطان محمود هذا ألجأته الظروف القاسية ، وضغط أوربا ومطالبها وضعف حال دولته الداخلية ، إلى أن يجتهد في تنظيم الدولة على أسس جديدة يقتبس فيها من نظم اوربا وقوانينها وإدارتها .
وكان مما فعل أن أرسل إلي الباي أحمد هذا يطلب إليه أن يدخل الأنظمة الحديثة في تونس وخاصة في الجيش ، فطلب الباي الامهال قليلا والتدريج في التغيير بسبب عادات البلاد وتقاليدها وعقليتها ، ثم اخذ فعلا في تنظيم الجيش
في هذه البيئة كلها التى وصفناها وصفا موجزا جدا وضع الشاب خير الدين قدمه في تونس .
( يتبع )

