الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 303الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامي في العصر الحديث :، -١- السيد عبد الرحمن، الكواكبى، ١٢٦٥-١٣٢٠ ه، ١٨٤٨-١٩٢٠ م

Share

من بيت في " حلب " يعتز بنسبه وحسبه وعلمه وجاهه وماله ؛ فأسرة الكواكبي كانت فيها نقابة الأشراف في حلب ، ولها مدرسة تسمى المدرسة الكواكبية ، وأبوه احد المدرسين في الجامع الأموي بدمشق والمدرسة الكوا كبية في " حلب " .

تعاون على تربيته بيته وما في تقاليده من عزة وإباء ، وشمم وانفة من الصغائر ؛ وخالة له تعهدته بعد وفاة والدته وهو صغير ، وكانت من نوادر النساء في الشرق ، عرفت بالأدب والكياسة وكبر العقل . وقبل ذلك ، فطرته التى فطر عليها من ميل إلى الحق ، وحب الخير والاستجابة للتربية الصالحة

كل هذا جعل منه رجلا يستعصي على ناقد الأخلاق نقده . مؤدب اللسان حتى لا تؤخذ عليه هفوة ؛ يزن الكلمة قبل ان ينطق بها وزنا دقيقا ، حتى لو ألقي عليه السلام لفكر في الإجابة ؟ متزن في حديثه إذا قاطعه احد سكت وانتظر حتى يتم حديثه ، ثم يصل ما انقطع من كلامه ، فيؤدب بذلك محدثه ؛ نزيه النفس لا يخدعها مطمع ولا يغريها منصب ؟ شجاع فيما يقول ويفعل ، مهما جرت عليه شجاعته من سجن وضياع مال وتشريد ؛ وهو مع انفته وعزته وصلفه على الكبراء ، متواضع للبائسين والفقراء ، يقف دائما بجانب الضعفاء ؛ يشع على من يجالسه

الإتزان والتفكير الهاديء ، وحب الحق ونصرة المبدأ والتضحية للفضيلة

تعلم كما كان يتعلم ناشئة زمانه الدينيون ، من لغة عربية ودين في مدرسة اسرته " بحلب " - " المدرسة الكوا كبية " - وكانت مدرسة تسير على الطريقة الأزهرية فيما يقرأ من كتب ، وما يتبع من منهج ؛ ولكنه أكمل نفسه بقراءته بعض العلوم الرياضية والطبيعية ، وأحضر له والده من علمه الفارسية والتركية ، وطالع بنفسه كثيرا من الكتب التاريخية ، وعني بدراسة قوانين الدولة العثمانية .

فلما أتم دراسته انغمس في الحياة العملية ، وتنوعت أعماله ، وتباينت اتجاهاته : فمن محرر لجريدة رسمية ، إلي رئيس كتاب المحكمة الشرعية ، إلي قاض شرعي في بلدة من البلاد السورية ، إلي رئيس البلدية . ثم هو بين الحين والحين يعتزل الوظائف الحكومية فينشيء لنفسه جريدة في " حلب " اسمها الشهباء ، أو يشتغل بالأعمال التجارية ، أو يقوم بمشروعات عمرانية ، ومن كل ذلك يستفيد خبرة وتجربة بالحياة . وفي كل الأعمال الحكومية والحرة يصطدم بنظام الدولة ، وباستبداد الحكام وفساد رجال الإدارة ، فينازلهم وينازلونه ، ويحاربهم ويحاربونه ، وينتصر عليهم حينا ، وينتصرون عليه حينا ، وسلاحه دائما النزاهة والعدل والاستقامة ، وسلاحهم دائما الدسائس والإتهام بخروجه على النظام ، ودعوته للشغب ، وما شاكل ذلك مما هو من عادة الظالمين . وكانت البلاد التي يعيش فيها موبوءة بحكم " عبد الحميد " لا يستطيع أن يعيش فيها حر صريح ، ولا ينجح فيها تاجر نزيه ، ولا موظف جريء مستقيم ؛ وهذا النوع من الحكم عدو كل كفاية ، وقاتل كل نبوغ !

ارتفع شأنه في بلده ، فكان يقصده أصحاب الحاجات لقضائها ، والمشاكل لحلها ؛ ورجال الحكومة انفسهم

يستشيرونه فيما غمض عليهم ويعتمدون على رايه ؟ وهو في كل ذلك جرىء ، فيما يرى وفيما يقول ؛ لا يقر ظالما على ظلمه ، ولا يسالم جائرا لمنصبه او جاهه . من أجل هذا غاضب عارف باشا " والي " حلب " واخذ يعدد سيئاته وينقم عليه تصرفاته ، ويحرض الناس على رفع صوتهم معه بالشكوي منه لرؤسائه في الآستانة ؛ فانتقم " عارف باشا " لنفسه ، فزور على الكواكبى  اوراقا ، واتهمه بأنه يسعي لتسليم " حلب " لدولة اجنبية ، وحبسه وطلب محاكمته ؛ فبذل الكواكبي ورجاله جهدا كبيرا ليحاكم في ولاية غير ولاية " حلب " وحوكم في بيروت فحكم ببراءته ، وظهرت خيانة الوالي ومكايده فعزل

وكان من أعداء " الكواكبي " أيضا " أبو الهدي الصيادي ، الذي سبق وصفه في ترجمة " عبد الله نديم " لأن " الكواكبي " ابي الأعتراف بصحة نسبه ، ولاعتداء " أبى الهدى " على بيتهم بأخذ نقابة الأشراف لنفسه منهم ، فكان " ابو الهدى " ايضا يدس له ، ويغري ولاة الامر به .

فكان من نتيجة محاكمته على التهمة التي اتهمه بها  عارف باشا " ومن معا كسة " ابي الهدى " واعوانه له حتى في تجارته ، ان خسر الوف الجنيهات من ماله ، فاحتمل ذلك بنفس قوية لا تجزع ولا تتحول .

وأنصع صفحة في تاريخ حياته قوة شعوره بفساد حال المسلمين وتخصيص جزء كبير من حياته في تعرف أحوالهم في جميع أقطار الأرض ، وتشخيص امراضهم وتلمس العلاج لهم ؟ فعكف على مطالعة تاريخهم في ماضيهم وحاضرهم ، وما كتبه الكتاب المحدثون في ذلك في الكتب والمجلات والجرائد ؛ ودرس أحوال المسلمين في المملكة العثمانية ، ثم رحل إلي كثير من بلاد المسلمين : فساح في سواحل ) افريقية الشرقية ، وسواحل اسيا الغربية ؛ ودخل بلاد العرب وتجول فيها ، واجتمع برؤساء قبائلها ؛ ونزل بالهند وعرف حالها . وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية ، وحالتها الزراعية ، ونوع تربتها

وما فيها من معادن ونحو ذلك ، دراسة دقيقة عميقة ونزل مصر واقام بها ، وكان في نيته رحلة اخري إلي بلاد المغرب يتم فيها دراسته ، ولكن عاجلته منيته

أخرج نتيجة دراسته في مقالات كتبت في المجلات والجرائد ، ثم جمعت في كتابين : اسم أحدهما " طبائع الاستبداد " ؛ والآخر " أم القرى " . الاول في نقد الحكومات الإسلامية ، والثاني في نقد الشعوب الإسلامية غالبا .

لقد كان الحديث في مثل هذه الموضوعات التي مسها " الكواكبى " في " طبائع الاستبداد " ، و " أم القري " من الموضوعات المحرمة ، لأنها تمس نظام الحكم من قريب ، وتفهم الشعوب حقوقهم وواجباتهم ، وتقفهم على مناحي الظلم والعدل ، وتهيئهم للمطالبة بالحقوق إذا سلبت ، والقيام بالواجبات إذا أهملت ؛ وهذا أبغض شيء لدي الحاكم المستبد . لذلك رأينا الشرق من بعد ابن خلدون أغلق هذا الباب ، ولم يفتحه أي باحث بعده ، وصار كتاب ابن خلدون مقدمة بلا نتيجة . والعلوم التي حوفظ عليها واستمرت دراستها ، هي علم النحو والصرف واللغة والفقه ، لأنها لا تمس الحاكم من قريب ولا بعيد ، ولا تفهم الناس أين هم من حاكمهم واين حاكمهم منهم . والأدب مداح الملوك والحكام ، يجعل ظلمهم عدلا ، وفسادهم صلاحا ؛ فإذا أعطاهم الحاكم قليلا مما سلبه منهم هللوا وكبروا ، وعجبوا من هذا الكرم الحاتمي ، والسخاء الذي لا نظير له ؛ وإذا تبسم بسمة أشرقت الشمس ، وإذا عبس عبسة أكفهر الجو . وهكذا كان الحاكم هو كل شئ في الأمة ، حتى المؤرخون لا يؤرخون إلا شخصه في حياته وأعماله وحروبه وزوجاته وأولاده . أما الشعب فلا شئ ، إلا أن يكون مزرعة للحكام . وأحب علم إلي الحكام وأدعاهم لنصرته هو ما لا يتصل بالحكم ونظامه ؛ ورجال الدين المقربون هم الذين يستطيعون أن يولدوا المعاني من مثل " السلطان ظل الله في أرضه " و " من أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد عصاني " ،

أما علم الاجتماع فلم يعرفه الشرق بعد ابن خلدون بتاتا

كان هذا في الشرق ؛ على حين أن الغربيين بدءوا بعد ابن خلدون يبحثون في المجتمعات بحثا واسعا ، يتعرفون علل الجماعات وامراضها ، وانواع الحكومات ومزايا كل شكل وعيوبه ، ويتحررون من القيود ، ولا يعبثون بالتضحيات في سبيل الحريات ، ويبني لاحقهم على ما وصل إليه سابقهم .

وبلغ الضيق في الشرق منتهاه في عهد السلطان عبد الحميد ، ولكن شدة الضغط تولد الانفجار ، والقسوة تعلم الحيلة ، وتوالي الاضطهاد يولد البغضاء ، فكثرت في هذا العهد الجمعيات السرية تعمل لتحرير البلاد العثمانية من الظلم ، وتعمل لوضع نظام ديمقراطي لا يكون فيه السلطان الحاكم بأمره ؛ وفر كثير من العثمانيين إلي أوروبا يدرسون نظم الحكم الأوروبي ، وما وصلت إليه أوروبا من البحوث الاجتماعية ، وأخذوا يكتبون في ذلك في جرائدهم ومجلاتهم التي يحررونها خارج الحدود العثمانية ، ومنها تتسرب إلي البلاد نفسها . وأخذت مصر بعد انفصالها من حكم العثمانيين تؤوي الأحرار ، وتؤيد القول في نقد نظام الحكم ؟ وظهرت في الجرائد والمجلات مقالات بالعربية في تشريح أحوال الجماعات وأصول الحكومات ؛ وترجم إلي العربية " أصول النواميس والشرائع " لمونتسكيو . وبدأت موجات البحث الاجتماعي في أوروبا تصل إلي الشرق عن طريق الترجمة وطريق المثقفين في أوروبا

في هذا الوسط طلع الكواكبي ، وكان ظهوره بكتابيه جرأة كبيرة . لقد استفاد مما نقل عن الغرب ، ولم يكن يعرف لغة اوروبية ، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية فاستفاد  مما نقل إليها ، ومما كان يترجم له في هذا الباب خاصة . وقد ظهر أثر هذا الاقتباس في كتابه " طبائع الاستبداد " ! أما كتابه " أم القري " فبحث مبتكر ، وهو الذي يدل على كبر عقله وقوة تفكيره ، وسعة اطلاعه ، وصدق غيرته على العالم الإسلامي .

أما كتاب " طبائع الاستبداد فقد نشره - أولا . مقالات في بعض الصحف عند ما كان في مصر سنة

١٣١٨ ه ، ثم جمعها في كتاب وقال في أوله : " إني نشرت في بعض الصحف ابحاثا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ؛ منها ما درسته ، ومنها ما اقتبسته غير قاصد  بها ظالما بعينه ، ولا حكومة مخصصة ، إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين ؛ عسى ان يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه فلا يعتبون على الأغيار ، ولا على الأقدار . . ثم اضفت إليها بعض زيادات ، وحولتها إلى هيئة هذا الكتاب " .

وقد اقتبس فيه كثيرا من اقوال ألفيري " ولا اعرف كيف وصلت إليه ، والفيري "Alfieri vittoria" كاتب إيطالي عاش من سنة ١٧٤٩-١٨٠٣ م ، من بيت نبيل ، وقد ساح في اوروبا نحو سبع سنوات ، ودرس كتب فولتير ورسو ومنتسكيو ، وتشبع بآرائهم الحرة ، وتعشق الحرية وكره الاستبداد اشد الكره ، ووجه ادى للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد ، ينطق بذلك ابطال رواياته ويبثه في كتاباته ؛ ولكن الكوا كبي هضمها وعدلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية ، وزاد عليها من تجاربه وارائه ) 1 (

) يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية