الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 266 الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامي في القرن التاسع عشر :، ٣ - جمال الدين الأفغانى

Share

أقام السيد في حيدر أباد في الهند منفيا لا يسمح له بمفارقتها ولا يستطيع ان يشترك في عمل إلا حديثا مع زائر أو قراءة في كتاب ، أو ردا علي سؤال .

وفي هذه المدة ألف كتابه المشهور في الرد على الدهريين وعنوانه ( رسالة في أبطال مذهب الدهريين،  وبيان مفاسدهم ، وإثبات أن الدين أساس الدنية والكفر فساد العمران". وقد كتبها بالفارسية ثم ترجمت إلي الأردية ، ثم ترجمها الشيخ محمد عبده بمعاونة عارف بالفارسية وهو تابع السيد جمال الدين ، عارف أبو تراب

رد في هذه الرسالة على " داروين " ومذهبه في النشوء والارتقاء ، وعلى أمثاله ممن ذهبوا مذهبه

وقد يعجب القاريء من تعرضه لمثل هذا البحث وهو يتطلب - كما فعل " داروين "- تخصصا في العلوم الطبيعية من جيولوجيا ، وفسيولوجيا ، وبيولوجيا ، وأمبريولوجيا ( علم تكون الأجنة ) وغير ذلك.

ولكن عذر السيد أن مذهب داروين قد أثار موجة من الألحاد قوية - وإن لم يكن داروين نفسه ملحدا وطفا في عصره مذهب المادية القائل بأن العالم له أساس واحد هو المادة ، ولا شئ وراءها ، وكل شئ في الحياه مظهر من مظاهرها حتى الفكر والعاطفة . والمادة لا تحد ولا تفي ، وقوانينها أبدية لا تتغير ، وهي قديمة أزلية أبدية وليس في هذا العالم شيء يعترية الفناء وإنما تتغير الأشكال . وبناء على ذلك فلا نفس ، ولا روح ، ولا دين ، ولا إله.

وهذا المذهب قديم تراء في البوذية ، وعند قدماء المصريين ، وعند بعض فلاسفة اليونان ، وظهر في العصور الحديثة في الثورة الفرنسية ، ودعا إليه كثير من الفلاسفة

في إنجلترا ، وفرنسا ، وألمانيا ؟ وعرفه العرب قديما وسموا أصحابه الدهريين وحكى مذهبهم الجاحظ والشهر ستاني وغيره من مؤرخي المذاهب.

وبانتقال الآراء الغربية إلي الشرق انتقل فيما انتقل ذهب النشوء والأرتقاء ومذهب الماديين ) فترجم في مصر (شيلي شميل) مذهب يختر سنة ١٨٨٤ ، واثار حركة كبيرة حوله . وفي الهند ظهرت طائفة تعتنق هذا المذهب وتسمي طائفة (النيتشريه)" نسبة إلى نيتشر nature ( وهي كلمة  انجليزية معناها الطبيعة ) وترددت هذه الكلمة وقرعت أسماع الكثيرين كما قرعت سمع جمال الدين أيام إقامته في حيدر أباد ، وسأله الأستاذ محمد واصل مدرس الفنون الرياضية بمدرسة الأعزة بحيدر آباد في خطاب يقول فيه ؛ يقرع سمعنا في هذه الأيام صوت " نيشر " نيشر " ويصل إلينا من جميع الأقطار الهندية ، ولا تخلو بلدة من جماعة يلقبون بهذا اللقب " نيتشري " فما حقيقة النيشرية وما مذهبهم ، وفي أي وقت ظهروا ، فكان من ذلك تأليف هذه الرسالة .

ولكن ليس أقوم ما فيها الرد علي دروين ، وإنما أقوم ما فيها إثبات قيمة الدين وضرورته للإنسان ، وأثره في رقيه ، وأثر الإلحاد في انحطاطه، وهذا هو ما يبلغ فيه جمال الدين الذروة .

وخلاصة رأيه في هذا الموضوع أن الدين - على العموم - أكسب عقول البشر ثلاث عقائد ، وأودع نفوسهم ثلاث خصال ، كل منها ركن لوجود الأمم ، وعماد لبناء الهيئة الاجتماعية.

العقيدة الأولى التصديق بأن الإنسان ملك أرضي وأنه أشرف المخلوقات والعقيدة الثانية يقين كل ذي دين أن أمته أشرف الأمم ، وكل مخالف له فعلى ضلال وباطل . والثالثة جزمه بأن الإنسان ورد هذه الدنيا لتحصيل كمال يهيئه للعروج إلى عالم أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي ، والانتقال من دار ضيقة المساحات ، كثيرة المكروهات ، جديرة بأن تسمي " بيت الأحزان " إلى دار فسيحة

الساحات ، خالية من المؤلمات ، لا تنقضي سعادتها ولا تنتهي مدتها

أما الخصال الثلاث فهي الحياء والأمانة ، والصدق ويشرح أن هذه الأسس التي أتت بها الأديان هي علة العمران ، وعليها تتوقف سعادة الإنسان ، وأن الماديين أو الدهريين أو النيتشريين تؤدي تعاليمهم إلى إنكار هذه الأسس فتنزل الإنسان منزلة الحيوان ، وتفقده الوازع على الخير ، وتعده لحياة جامدة ضيقة جافة لا قلب لها ، ولا سمو فيها ، وفي هذا انتكاس لخلقه ، وهدم لكيانه ، وحرمان مما أعده الله له

وفي الإسلام مزايا على سائر الأديان " أولها صقل العقول بصقال التوحيد ، ونطهرها من لوث الأوهام فمن أهم أصوله الاعتقاد بأن الله منفرد بتصريف الأكوان متوحد في خلق الأفعال ، وأن من الواجب طرح كل ظن في إنسان أو جماد علويا كان أو سفليا - بأن له في الكون أثرا من نفع أو ضر ، أو إعطاء أو منع ، أو إعزاز أو إذلال أو نحو ذلك من خرافات كل واحدة منها كافية في إعماء العقول وطمس أنوارها.

وثانيها : أن الإسلام فتح أبواب الشرف للأنفس كلها ، وأثبت لكل نفس صريح الحق في أي فصيلة ومحق امتياز الأجناس ، وتفاضل الأصناف ، وقوم الناس بالكمال العقلي والنفسي ، فالناس إنما يتفاضلون بالعقل والفصيلة لا بأي شيء آخر . وقد لا نجد من الأديان الأخري ما يجمع أطراف هذه القاعدة.

وثالثها : أن الإسلام يكاد يكون منفردا بين الأديان بتفريع المعتقدين بلا دليل ، وتوبيخ المتبعين للظنون فهو كلما خاطب خاطب العقل ، وكما احتكم احتكم إلي العقل . تنطق نصوصه بأن السعادة من نتائج العقل والبصيرة . وان الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل ، وانطفاء نور البصيرة .

ورابعها : ان الإسلام أوجب تعليم سائر الأمة وتنوير

عقولها بالمعارف والعلوم ، وفرض نصب العلم ليؤدي عمل التعليم وإقامة المؤدب الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر فقال : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " وقال : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"

وعلي هذه الأركان الأربعة بني الإسلام ، وكل ركن منها له الأثر البالغ في تقويم المدنية وتشيد بناء النظام وتدعيم السعادة الإنسانية ، وقد دارت حالة المسلمين رقيا وانحطاطا حسب تمسكهم بهذه العناصر وتخليهم عنها

هذا ما عمله جمال الدين في حيدر اباد فلما حدثت في مصر " الثورة العرابية ، نقلته حكومة الهند من حيدر أباد إلي كلكتا ، والزمنه الإقامة فيها محفورا مراقبا حتى انتهت الثورة بدخول انجلترا مصر ، فأبيح له الذهاب حيث شاء ) في غير الشرق ( قيد مستر " بلنت Blunt أنه ذهب إلى أمريكا ليتجنس بالجنسية الأمريكية ، وأقام بها أشهرا ولم ينفذها اعتز منه ولم تذكر ذلك غير بنت من مترجميه ولا الشيخ محمد عبده (١)

ثم رأيناه في لندن سنة ١٨٨٣ ولم يطل الإقامة بها ثم سافر منها إلي باريس ، وكان قد كتب إلى تلميذه وصديقه الشيخ محمد عبده ليوافيه بها من منفاه في بيروت ففعل

ما برنامجه ؟ ماذا ينوي من العمل بعد ما جرب ، وبعد مما نال من الأحداث ونالت منه ؟

ها هو الشيخ محمد عبده يتشاوران فيما يصنعانه من الإصلاح

فأما الشيخ محمد عبده فكاد يدب إليه اليأس من الجيل الحاضر ، بعد أن خير الناس في حوادث عرابي وغدرهم ، وقلة وفائهم ، وتكالبهم على مصالحهم الشخصية ، فأشار على السيد جمال الدين أن يذهبا إلى مكان بعيد غير خاضع لسلطان دولة تعرقل سيرهما ، ثم ينشئان فيه مدرسة للزعماء يختاران لها التلاميذ من نجباء الناشئين من الأقطار الإسلامية ، ومن يتوسمان فيهم الخير ، ثم يربيانهم على منهج قويم يختارانه ، ويعدانهم للزعامة والإصلاح ، قال : " فلا قضي عشر سنين حتى يكون عندنا كذا  وكذا من التلاميذ  الذين يتبعوننا في ترك أوطانهم ، والسير في الأرض لنشر الإصلاح المطلوب فينتشر أحسن انتشارا".

لم يعجب السيد " هذا الرأي ، وراي فيه خورا في العزيمة ، وجنوحا إلي السلامة ، ومبالغة في التشاؤم من الحاضر ، وقال للشيخ محمد عبده : " إنما أنت مثبط " (١) ووضع " السيد " خطته ، وهي إنشاء ، جريدة عربية في باريس تنشر منها في العالم الإسلامي ، تفهمه حقوقه وواجباته وتشعل وطنيته ، فكان ذلك ، وكان من هذا جريدة " العروة الوثقي " يكون " للسيد " فيها الأفكار والمعاني ، وللشيخ محمد عبده التحرير والصياغة ، ومبرزا محمد باقر يعرب لها عن الصحف الأجنبية كل ما يهم العالم الشرقي ، وكان وراء هذه المجلة جمعية سرية منبثة في جميع الأقطار الإسلامية ، اختبر أعضاؤها من بين المسلمين المثقفين المتحمسين لدينهم ووضع لها يمين يقسمه من يدخل فيها ويتعهد فيه " بأن يبذل ما في وسعه لإحياء الأخوة الإسلامية ، وإنزالها منزلة البنوة والأبوة الصحيحتين ، وألا يقدم إلا ما قدمه الدين ، وإلا يؤخر إلا ما أخره الدين ، ولا يسعى قدما واحدة بتوهم فيها ضررا يعود علي الدين ، جزئيا كان أو كليا ، وأن يطلب الوسائل لتقوية الإسلام عقلا وقدرة ، وأن يوسع معرفته بالعالم الإسلامي

من كل نواحيه بقدر ما يستطيع " إلخ - وأنشئت للجمعية فروع في البلدان المختلفة ، وكل فرع يجتمع للمذا كرة ، وفي آخر كل اجتماع يتبرع الأعضاء بشيء من المال في صندوق صغير له ثقب ضيق يضع فيه كل ما تيسر خفية حتى لا يعلم من أدى أقل ومن أدي ! أكثر - ولعل هذا الباب هو ما كان ينفق منه على الجريدة والقائمين بها ، فقد كانت ترسل أكثر أعدادها مجانا

أصدرا من الجريدة ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر ، ظهر العدد الأول في ١٥ جمادي الأولى سنة ١٣:١٣٠١ مارس سنة ١٨٨٤ ، وظهر العدد الأخير في ٢٦ ذي الحجة سنة ١٣٠١ =١٧أكتوبر سنة ١٨٨٤

ماذا كان الغرض من هذه الجريدة ؟ لخصت الجريدة أهم أغراضها في أول عدد من أعدادها فيما يأتي :

(١) بيان الواجبات على الشرقيين التي كان التفريط فيها موجبا للسقوط والضعف ، وتوضيح الطرق التى يجب سلوكها لتدارك ما فات .

ويستتبع ذلك بيان أصول الأشباب ومناشئ العلل التي أفسدت حالهم ، وعمت عليهم طريقهم . وإزاحة الغطاء عن الأوهام التي حلت بهم.

(٢) إشراب النفوس عقيدة الأمل في النجاح ، وإزالة ما حل بها من اليأس

(٣) دعوتهم إلى التمسك بالأصول التى كان عليها آباؤهم وأسلافهم ، وهي ما تمسكت به الدول الأجنبية العزيزة الجانب

(٤) الدفاع عما يرمي به الشرقيون عموما والمسلمون خصوصا من التهم ، وإبطال زعم الزاعمين ان المسلمين لا يتقدمون في المدينة ما داموا متمسكين بأصول دينهم .

(٥) إخبار الشرقيين بما يهمهم من حوادث السياسة العامة والخاصة .

(٦) تقوية الصلات بين الأمم الإسلامية ، وتمكين

الألفة بين أفرادها ، وتأمين المنافع المشتركة بينها ، ومناصرة السياسة الخارجية التي لا تميل إلي الحيف والإحجاف بحقوق الشرقيين .

أراد السيد أن يدعو إلى إصلاح المسلمين دينيا واجتماعيا وسياسيا . وإذ كان الإسلام تمزح فيه العقائد بالنظم الاجتماعية بالنظم السياسية كانت دعوته شاملة لهذه المناحي الثلاثة

كان المثل الأعلى له حالة المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين ، من حيث العقيدة والصفات الخلقية والنظام السياسي .

فيري أنهم كانوا موحدين حقا معتزين بدينهم . لا تفرقهم المذاهب والنحل ، مترابطين برباط الأخوة ، فيهم خلق الإباء والشهم ، يبذلون أعز شئ في سبيل عقيدتهم وعزتهم ، ينشرون بينهم العلم ما استطاعوا ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في غير هوادة.

ثم دخلهم الفساد على توالي الزمن من خمسة أبواب : من عقيدة الحيز ، والخطأ في فهم القضاء والقدر ، حتى صرفت النفوس عن الجد في الأعمال ، ومما أدخله الزنادقة على تعاليم الإسلام في القرنين الثالث والرابع ، فجعلوا المسلمين شيعا وأحزابا ، وأضعفوا قوة الدين بما أدخلوا من تعاليم فاسدة ، ومما أحد ، السوفسطائية من أفكار ، وعدهم الحقائق خيالات تبدو للنظر ، ومما عمله كذبة المحدثين من وضع احاديث ينسبونها إلي رسول الله وفيها السم القاتل لروح العمل والإباء ، وفيها ما يستوجب ضعفا في الهمم وفتورا في العزائم . ومن ضعف التربية والتقصير في إرشاد الجهور إلي أصول دينهم ، ونشر العلم بينهم . وزاد في بعض المقالات أسبابا أخري أهمها تفكك الروابط بين أجزاء الأمة ، فلا ترابط بين العلماء بعضهم وبعض ، ولا بين العلماء والأمراء ، ومنها أن الدين الإسلامي جعل أمته أمة محاهدة قوية محاربة ، يأمرها الله بقوله : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " فلما استهانت بهذا الأمر ، ولم تعد لكل موقف عدته ذات

بعد عزة وضعفت بعد قوة .

وكان يختار بعض هذه الأسباب ويوسعها تفصيلا ، او يفردها في مقال . كما فعل في مقال القضاء والقدر ، وكان من عادته أن يلهب النفوس بأسواط التقريع ، ثم يدخل الأمل عليها بأن هذه عوارض يمكن أن تزول ما سلم الأصلي ، مذكرا دائما بحالة المسلمين في العهد الأول ، وعزتهم الأولى .

وكان مثله الأعلي كذلك حكومة إسلامية واحدة تأتم بالإسلام وتعاليمه ، ولما رأي أن ليس في الإمكان خضوعها لأمير واحدا كتفي بالدعوة إلى أن ترتبط أجزاؤها بروابط محكمة ، ويكون لها مقصد واحد ، وتحكم الأقطار كلها بحكومات إمامها القرآن ، وأساسها العدل والشوري ، واختيار خير الناس لتولي الأمور ، يقول في ذلك بعد أن دعا إلى اتفاق الأمم الإسلامية : لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا ، فإن هذا ربما يكون عسيرا ، ولكن ارجو ان يكون سلطان جميعهم القران ، ووجهة وحدتهم الدين ، وكل ذي ملك على ملكه يسعي بجهده لحفظ الآخرين ما استطاع فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائها

وكثيرا ما كان يضرب المثل بالأمارات الجرمانية في توحدها بعد تشتتها ، ويدعو إلي حلف بين الدول الإسلامية يتزعمه أكبرها وأقواها (١)

وحشي أن هذا النظام الذي يدعو إليه يثير الشقاق بين المسلمين وغيرهم من أهل الديانات الأخري في الأقطار الإسلامية ، فقال : " لا يظن احد من الناس أن جريدتنا هذه بتخصيصها المسلمين بالذكر أحيانا ومدافعتنا عن حقوقهم نقصد الشقاق بينهم وبين من يجاورهم في أوطانهم ، ويتفق معهم في مصالح بلادهم ، ويشاركهم في المنافع من أجيال طويلة ، فليس هذا من شأننا ، ولا مما ندعو إليه ، ولا مما يبيحه ديننا ، ولا تسمح به شريعتنا الخ .

وقاده هذا التفكير في نوع الحكومة التي يأملها ، والأخلاق التي يرجوها من العزة والشمم والقوة ، أن يناهض في الجريدة الاحتلال الأجنبي في الأقطار الاسلامية وخاصة في مصر بكل قوته ، ويؤلب عليه في غير هوادة وقد شغل هذا أكبر جزء من الجريدة من كتابة مقالات ورواية اخبار وتعليق عليها ، واستعمل لهذا الغرض أشد أنواع التعبير ، واعنف اساليب التهييج ، واستغل حوادث المهدي في السودان لإثارة الشعور وإهاجة النفوس

واستعمل إلي جانب الجريدة رسلا متخفين يذهبون إلي الأقطار المختلفة مزودين بالتعاليم التي لا يستطيع نشرها في الجريدة ، فرسول إلي موسكو ، ورسول إلي الحجار ، حتي أرسل الشيخ محمد عبده مرة - وهو محكوم عليه بالنفي - إلي مصر وتونس

كان من نتيجة ذلك أن أحس من بيده السلطة علي الحكومات الهندية والمصرية الخطر من الجريدة ، فأمر بمنعها

من الدخول ، وأصدرت وزارة نوبار قرارا بالتشدد في منعها

فلما أحست الجريدة شدة المراقبة ، باستحالة وصول الأعداد إلي أصحابها إلا في القليل النادر وفي كثير من التحايل احتجبت

احتجبت والاسي يحز في نفس القائمين عليها . فلا من دعوهم لبوا الدعوة فثاروا يطلبون ان يكون امرهم بيدهم ، ولا الجريدة استطاعت ان تستمر في دعوتها حتى تؤدي رسالتها

وبهذا انتهت مرحلة أخري من حياة ) السيد " مدتها ثلاث سنين قضاها في باريس كلها عناء وكلها جهاد انتهت بما أحزنه وخيب أمله ، وإن كانت المعاني لا تنعدم كما أن المادة لا تنعدم

وحدث حادثان هامان أثناء إقامته في باريس تذكرهما في المقال الآتي إن شاء الله

) يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية