- ٣ - عكف خير الدين أثناء اعتزاله الوزارة على وضع كتاب سماه " أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك " ، وسميت ترجمته الفرنسية " الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية " . وكان فى ذهنه عند تأليفه أن يحذو حذو تاريخ ابن خلدون ، يؤلفه بروح العصر ، ومطالب العصر ، فاشتمل أيضا على مقدمة وتاريخ . فأما المقدمة - فقد أراد منها البحث فى حالة البلاد الاسلامية وأسباب انحطاطها بعد ازدهارها وكيفية اصلاحها .
وأما التاريخ فقد استعرض فيه حال الممالك الأوربية لا من ناحية تعاقب ملو لها وتسلسل حروبها ولكن من ناحية وصف كل دولة فى ادارتها وجيوشها ، ونظام الحكم فيها ، وماليها وكيفية ضبطها ، وقوعها البرية والبحرية - وقد وصف على هذا المنوال - الدولة العثمانية وفرنسا وانجلترا وروسيا والمسانيا وإبطاليا واسبابيا والبورتغال وهوندا والدانيمرك وبلجيكا وسويسره واليونان ، ثم وصف جغرافية أوربا الطبيعية الخ ، وكان أهم ما يقصد من ذلك ان يضع امام القارئ العربي صورة ل لهضة اوربا وأسباب نهضنها وطريقة الحكم فيها حتى يقتبس المسلمون منها ما يصلح لهم وحني يثير عندهم الرغبة فى الافتداء بهم والعمل على منوالهم ، وقد أودع فيه خلاصة ما رأي فى سياحاته وما قرأ وما فكر .
وأهم ما يعنينا الآن مقدمته التى تشرح حال المسلمين وحاجتهم إلى الاصلاح وطريقته ؟ وهو فيها ينعى على المسلمين كراهيتهم الأخذ بأساليب المدنية الغربية فى الاصلاح
واعتقادهم أن كل ما صدر عن أوربا حرام ، ويعللون ذلك يعلل مختلفة كأن يقولوا أنها مخالفة للشريعة الاسلامية ، أو يقولوا إنها إذا ناسبت الأمم الغربية فلا تناسب الأمم الشرقية ، لأن كل أمة لها موقفها الاجتماعى وعقليتها وتاريخها ، أو أن يقولوا إن المدنية الغربية بطيئة الإجراءات وخاصة فى طريقة القضاء ، أو أن يقولوا إن النظم الغربية تستلزم التوسع فى الادارة وتقسيم الأعمال وهذا يستلزم كثرة الوظائف والموظفين ، وليس هناك مال يكفى لكل هذا ، فلا بد إذا من فرض ضرائب جديدة والبلاد فقيرة وأهلها لا يحتملون زيادة الضرائب .
وقد وقف نفسه للرد على هذا المزاعم .
فأما الزعم الأول فالتمسك بالدين لا يمنع من النظر فيما عند الأمم الأخرى والأخذ بأحسنه فيما يتعلق بالمصالح الدنيوية ، فليس بالناس يعرف الحق ، ولكن بالحق يعرف الناس ، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث يجدها ، وسلمان الفارسى لما اقترح على النبى (ص) حفر خندق فى غزوة الأحزاب أخذ برأيه ولم يكن ذلك معروفا عند العرب ، والمسلمون الأولون أخذوا علوم اليونان ومنها المنطق واستفادوا منها ، وقال الغزالى : من لا معرفة له بالمنطق لم يوثق بعلمه ، وأبو بكر الصديق قال لخالد عند إرساله لقتال أهل الردة فى اليمامة : إذا لاقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذى يقاتلونك به ، السهم للسهم والرمح للرمح والسيف للسيف ، ولو أدرك هذا الزمان لقال المدفع للمدفع والبارجة المدرعة للبارجة المدرعة .
ولا يمكن الاستعداد لمنازلتهم بمثل سلاحهم إلا بالعلم وأسباب العمران . ثم نقول لهؤلاء الذين لا يستحسنون ما تأتى به المدنية الغربية ، لماذا تفكرونها فقط فى التنظيم ونتائجه والإدارة وضبطها والعدل وإقامته ، ولا تنكرونها فيما تتنافسون فيه من الملابس والأثاث والمخترعات وأسباب الترف ؟ فالذين صنعوا أدوات الزينة والنعيم هم الذين صنعوا
الأسلحة واخترعوا العلوم والمعارف . أنفتح الباب للأخذ منهم فيما لا ينفع ونغلقه أمام ما ينفع ؟ أنصد عن الأخذ عنهم ونتركهم يستغلون زراعتنا ومواردنا وينعمون بها ثم نكتفى منها بفتات موائدهم ؟ انهم ماوصلوا إلى استغلالنا إلا بمعارفهم ، ولم ترتق معارفهم إلا بالعدل والحرية ، فكيف يسوغ لعاقل أن يصد عن ذلك ويغمض عينه ولا يسمح به ، استنادا على خرافات وأوهام ؟ وقد قال بعض المؤلفين فى السياسة الحربية : " إن الأمة التى لا تجارى جاراتها فى معداتها الحربية ونظمها العسكرية ، توشك أن تقع غنيمة فى أيديهم ، وإنما خص النظم الحربية بالذكر لأنها موضوع كتابه ، وإلا فالحكم عام فى كل مرافق الحياة .
(ومن دواعى الأسف أن هذه النظرة إلى المدنية الغربية لا تزال تؤثر فى بعض الأوساط فى الامم الاسلامية وإن اختلفت درجاتها فى الاصغاء إلى هذه الدعوة ، كالتخويف من تعليم المرأة ومن الاستمداد من التشريع الحديث ، ولعل هذا من الأسباب التى جعلت النصارى والمسلمين إذا اجتمعوا فى قطر واحد كان النصارى أسبق إلى تشرب المدنية الغربية والاستفادة منها ، ثم يأتى بعض الناس فينسبون ذلك إلى طبيعة الاسلام ، والاسلام لا يمنع أن يقتبس الصالح من الأمر حيث كان وممن كان ) .
أما هؤلاء الذين يقولون إن المدنية الغربية لا تناسب الأمم الاسلامية لموقفها الاجتماعى فنقول لهم إن اوربا عندما بدأت نهضتها كانت أسوأ حالا منا ، والأمة الاسلامية -كما يشهد المنصفون - لها من عقليتها واستعدادها وسابق مدنيتها ما يمكنها من السير فى هذا المجال إذا إذ كيت حريتها الكامنة ، فالحرية والطموح غريزتان فى المسلمين تأصلتا فيهم بتعاليم دينهم ، غاية الأمر إنه من الواجب على القادة الذين يضعون لهم أسس حريتهم ونظم ادارتهم أن يراعوا ظروفهم وأن يقدموا لهم من ذلك ما يستطيعون هضمه ثم يوسع هذا شيئا فشيئا بنمو أسباب التمدن .
أما القول ببطء الإجراءات ، فان كان سببه اعطاء الحوادث حقها من التأمل حتى يتضح عند الحاكم وجه الحق ، بالإفساح المتخاصمين أن يدلوا بحججهم ، فلا يصح أن يشكو منه جاهل أو متجاهل ، وهذا خير ألف مرة مما يجرى الآن من الإسراع فى الحكم من غير تمحيص ومن غير إبداء اسباب . وإن كان سببه تقصير على الحكمية الا أن تختار الاكفاء الموظفين أو قصورهم ، فما على الحكومة إلا أن تختار الا كفاء وتدربهم ، وكذلك الشأن فى الأمور السياسية الكلية لا بأس من البطء فيها إذا كان البطء لتحرى الصواب ومعرفة وجه الحق . ومع هذا فقد يحدث البطء والتحفظ أول الأمر ، فإذا مرت الأمة عليه أسرعت السير فى شؤونها .
وأما الخوف من زيادة الضرائب فالأمر بالعكس ، لأن الحكم الشورى يجعل الضرائب لاتفرض إلا حيث المصلحة وبرضا أهل الحل والعقد ، على حين أن الحكم الاستبدادى يجعل فرض الضرائب شهوة من شهوات الحاكم المستبد . ثم إن تنظيم الدولة وشؤونها بضبط دخلها وخرجها يزيد فى مصادرها فتنعم الأمة بماليتها ، وإذا فرضت ضريبة فلأنها تفيد أكثر مما نصر ، لا كما هو حاصل الآن من وضع إيراد الدولة تحت تصرف الحكام يصرفون منه على شهواتهم من غير حساب ، فإذا أسرفوا وأغلقوا لم يجدوا إلا باب فرض ضرائب جديدة .
الحق أن الأمم الإسلامية لاتصلح إلا بالنظام الشورى الذي يقيد الحاكم ، وبأن نستمد من النظم الغربية والمدنية الحديثة ما يصلحنا . والحق - أيضا - أن الذين يقفون أمام هذه الدعوة إلى الإصلاح إما جهلة لا يعرفون كيف تقدم العالم و كيف أصلح عيوبه وأسس نظمه ، ثم يدعوهم الجهل إلى الاستامة لنظمهم المعيبة وطرقهم المعوجة ، ويرون أن الإصلاح بدعة من بدع آخر الزمان ، وإما قوم يعلمون وجوء الاصلاح ومزاياه ، ولكنهم يرون أنها تسلبهم منافعهم الشخصية التى تتوافر لهم بالاستبداد والفوضى ولا تتوافر
بالنظام ، فيحاربونها تحت ستار ما يزعمون من أضرار وما يختلفون من أسباب ، وهم فى باطن أنفسهم يعرفون أنهم كاذبون .
إن العدل والحرية هما ركنا الدولة وهما اللذان كانا فى المملكة الاسلامية فأزهرت ثم فقدا فذبلت ، ولم يكونا فى الدول الأوربية فانتابها الضعف والفساد ، ثم كانا فصلح حالها ، وليس جو أوربا أحسن الأجواء ، ولا أرضها أصلح الأراضى ، وإنما بلغ أهلها ما بلغوا بالتقدم فى العلوم والصناعات واستخراج كنوز الأرض بعلوم الزراعة ، وكسب المال بعلوم التجارة ، وهذا كله لم يكن إلا وليدا للعدل والحرية ، وهذه قوانين طبيعية لا تتخلف . عدل وحرية يتبعهما عمران ، وظلم واستبداد يتبعهما خراب .
ثم إن العدل والحرية يجب أن يوضع لهما من النظم ما يضمن وجودهما ودوامهما . وليس هناك ضمان إلا بالمجالس النيابية ، فقد يكون فى الملوك من يحسن تصرفه بدون مشورة ، ولكن يكون ذلك موقونا بوقته ، يزول بزواله ، فوجب أن يحاط بأهل الحل والعقد ، يشاركونه فى كليات السياسة ويكون الوزراء مسئولين أمامهم . وكل ما أصاب الأمم الإسلامية إنما أصابها من ترك الأمر فيها إلى مشيئة حاكمها وخضوع الوزراء لإشارته وقد قال ابن العربى فى الضرائب التى تؤخذ من الناس عند فراغ بيت المال إنها يجب أن تؤخذ جهرا لا سرا ، وتنفق بالعدل لا بالاستئثار وبرأى الجماعة لا بالاستبداد . وقد كنت أتحدث مع كبير من أعيان أوربا فأسهب فى مدح ملكه وتضلاعه من أصول السياسة وصواب منهجه . فقلت : فلم إذا تخاصمونه فى الحرية السياسية ؟ فقال : من يضمن لنا بقاء استقامته واستقامة ذريته من بعده ؟ .
وقد اقتبس بعد ذلك من أحد مؤرخى نابليون قوله : كيف أخطأ - مع عظمته - لاستبداده وما يجب على الأمة الفرنسية أن تتعلم من غلطاته . وقال : وإن ما ينبغى أن
يستخلص من كل تاريخه أنه لا يليق بأى فرنسى أن يبذل حريته لأى أحد كما لا ينبغى له الإفراط فى حريته حتى تنتهك حرمتها .
وقد أيد خير الدين نظرته هذه بالرجوع إلى التاريخ ، فاستشهد بالمملكة الإسلامية ، بم تقدمت وبم تراجعت ، وبأوربا بم تأخرت وبم نهضت وبم تمت .
وحمل المسلمين تبعة تأخرهم ولكنه لم يهمل نقد أوربا إزاء الدول الإسلامية فى تصرفاتها وخاصة فى مسألة " الامتيازات الأجنبية " استنادا إلى عهود قديمة مضى وقتها ، ولم تكتف بالعهود بل توسعت فى تفسيرها ما شاءت لها قوتها . وهذا كله مخالف للقانون الاساسى البديهى ، وهو أن من دخل مملكة فلابد أن يخضع لأحكامها . فإذا ادعى أن المملكة الإسلامية متأخرة فى نظمها فهناك من هم أكثر تأخرا منها وأوربا لا تطلب امتيازات فيها . وإذا ادعى كراهية بعض عوام المسلمين للنصارى وحيفهم عليهم أمكننا الادعاء بحق كراهية بعض النصارى المسلمين وحيفهم عليهم ، فلا مبرر إذا لهذه الامتيازات .
يضاف إلى ذلك ما تقوم به بعض ممالك أوربا من وضع العراقيل فى سبيل تنظيم المالك الاسلامية لشؤوسها وإدخال وسائل الاصلاح التي تراها وإيقاع الدول الاسلامية فى حيرة بين مطالبة بالإصلاح وإعاقة للاصلاح .
ثم من أهم العوائق فى تقدم المسلمين وجود طائفتين متعاندتين : رجال الدين يعلمون الشريعة ولا يعلمون الدنيا ويريدون أن يطبقوا أحكام الدين بحذافيرها بقطع النظر عما جد واستحدث ، ورجال سياسة يعرفون الدنيا ولا يعرفون الدين ويريدون أن يطبقوا النظم الأوربية بحذافيرها من غير رجوع إلى الدين ، فنقول للأولين اعرفوا الدنيا ونقول للآخرين اعرفوا الدين فاعتزال العلماء شؤون الدنيا ثم تحكمهم ضرر أى ضرر . وجهل رجال السياسة بأصول الدين ضرر مثله . والواجب امتزاج الطائفتين وتعاونهما .
فهناك أصول الدين يجب أن تراعى ، وهناك أمور لم ينص عليها تقتضيها مصالح الأمة يجب أن تقاس بمقياس المنفعة والمضرة ويعمل فيها العقل .
ثم أبان الأسس التى بنيت عليها المدنية الحديثة التى يمكن اقتباسها ونشرها فى المملكة الاسلامية ، كالحرية بنوعيها وهما الحرية الشخصية وهى " اطلاق التصرف للانسان فى نفسه وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه فى الحقوق والواجبات " ، والحرية السياسية وهى المشاركة فى نظام الحكم والداخلة فى اختيار الأصلح - ثم تأسيس القوانين بنوعيها وهى قوانين
الحقوق المرعية بين الدولة والرعية وقوانين حقوق الأهالى فيما بينهم - ثم مسئولية الوزراء أمام الأمة فى مجلسها الشورى الخ .
وختم ذلك بابداء رأيه فى أن إيجاد هذه النظم من لوازم وقتنا وكل من وقف فى سبيلها عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه .
هذه زبدة ما فى المقدمة التي تبلغ نحو ماية صفحة ومنها نعرف وجهته فى الاصلاح .
ونعود بعد ذلك إلى متابعة حياته وهى موضوع المقال الآتى إن شاء الله .
