الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 760الرجوع إلى "الرسالة"

زقاق المدق

Share

هو اللوحة الحية الرائعة التي رفعت عنها ريشة الفنان البارع  الأستاذ نجيب محفوظ. وقد يعجب القارئ من ناقد يفتتح مقال  نقده بهذا المديح الجارف؛ ولكن مهما يكن الناقد مسرفاً في  تزمته، فإنه إزاء نجيب لا يملك غير المديح المتدفق يجرى على قلمه  لا يقف في سبيله أي عارض من عوارض التوقر التي تركب النقاد.  بل إنه يجد خلف هذا الاندفاع ما يشجعه على المضي في السبيل  التي يسلك حتى يريح ضميره الأدبي مما يحسه نحو هذا النابغة  الفنان. . . وقد أصبح الهدم في أيامنا هذه بضاعة سهلة، يسومها  كل محاول للكتابة. . . يظنون أن الشتيمة جرأة. . . يا هؤلاء!  إنكم إذ تشتمون تظهرون بمظهر الجرأة حين لا جرأة لديكم،  لأن من تشتمون لا يملك أن يلحق بكم أذى. ولكنكم إن  مدحتم استهدفتم لقول القوم: إنهم يتملقون. وما أجرأ من  يعرض نفسه لهذه المقالة. . . وهاأنذا أمدح. . . لاعن رغبة في  إظهار جرأتي، فلن يظن بي أحد تملقاً. . . لكن رغبة في أن  يكون الحق - حتى ولو كان مديحاً - هو الحكم الوحيد  الذي نخضع له ضمائرنا. . . إنني أعلن في يقين راسخ أن نجيباً  أصبح في القمة الشاهقة التي يعتليها كبار كتاب القصة المصرية.

واضح من العنوان أن القصة قد أخذت مساربها في أحياء  وطنية خالصة. . . ولكن الغريب في أمر هذه القصة أن الأستاذ  نجيب لم يطارد شابا بذاته من شبان المدق ليجعله بطل قصته،  ولم يجر خلف فتاة معينة من فتيات الزقاق ليقيم منها الشخصية  الأولى في القصة. لم تكن شخصية البطل آدمية، بل كانت  الزقاق أجمعه بما يحويه من مشايخ وكهول وفتيان، وما يحويه  أيضاً من عجوز متصابية، وكهلا تريد الزواج، وفتاة تستعرض فتيان الزقاق. . كان بطل القصة هو الزقاق. . كان لكل شخص قصته  وصورته. . ولكل معهد من معاهد الزقاق رفاقه يكونون رسمه  ويروون روايته. . ثم كان لكل قصة نهايتها. .

إن زقاق المدق هي القصة الأولى من نوعها في اللغة العربية.  إذ جرى كتاب القصة على أخذ شخص أو شخصين ينسجون  حوله أو حولهما قصتهم نسيجاً لحمته أشخاص آخرون. أما أن  يكون كل شئ في القصة بطلا، فهذا نوع جديد في القصة  العربية. ونجيب بارع كل البراعة حين يظل ممسكا بقياد القصة  بين يديه لا يدع مجالا لها تلفت منه، حتى يصل بكل شخصية  خلقها إلى النهاية التي أرادها.

وعجيب أن يستقيم له هذا الأمر مع هذا الحشد الهائل من  شخصيات روايته. . . وقد انتفع الأستاذ نجيب بكل الظروف  التي أحاطت بعهد القصة. فكان للحرب دور كبير في الرواية.  فهي التي مهدت السبيل لابن المقهى أن يكون غنياً يستطيع أن  يذهب إلى السينما، وأن يمشى بين رفاقه مزهواً يعيرهم ببقائهم على  حالتهم لا يبذلون في سبيل   (التريش)  مجهوداً. وما زال بعجرفته  حتى حدا بالحلاق أن يشد الرحال إلى الإسماعيلية فيعمل   (بالأرنس)   يجمع أموالا تليق بفتاة أحلامه وفتاة المدق التي خطبها قبل  السفر. . والحرب هي التي هيأت للفتاة أن تكون   (أرتست)   ونرى نجيباً وقد أنشأ مدرسة قائمة بذاتها لتعليم أرتستات الحرب  كيف يأخذن المال من   (جونى)  ونرى معلم المدرسة وقد رسمه  نجيب رسماً عجيباً. . . مزيجاً من الشدة واللين،. ولئن كانت ومن اللطف  والفظاظة المدرسة حقيقة سمع بها نجيب، فتسجيلها  في قصته لفته جميلة. وإن كانت بنت خياله فهو رائع إذ ينشئها.

وكما أفاد نجيب من الحرب، أفاد من نهايتها أيضاً. . فأخرج  العامل المتعجرف من عمله. وأطلقه سكيراً، هائماً على وجهه،  ثم قاتلا لأخته من الرضاعة التي أصبحت في نظره جريحة العفة.

وأعادت نهاية الحرب الحلاق النازح للغني إلى الزقاق حيث  يجد فتاته وقد أصبحت ذات ثراء واسع سكبه عليها لينها، فهو  يساعد أخاها في قتلها.

وقد كان للظروف الطبيعية التي يمر بها كل قوم دور في  الرواية. فنرى شاعر الربابة يضم قيثارته ويخرج من قهوته  الأخيرة بعد أن ابتاعت   (راديو)  وأصبحت في غنى عن قصصه  التي حفظها جميع رواد القهوة.

ويمتاز نجيب برسم شخصياته كما يخلقهم الله. فترى في  الشرير خيراً وسراً. ولكنه يغلِّب فيه ناحية الشر على الخير،  وترى في الخير شراً وخيراً، ولكن خيره غالب على شره.

ولنأخذ مثلا للشخصيات الخيرة في الرواية الشيخ رضوان  الحسيني فترى الخير فيه غالباً. فهو الذي يلجأ إليه سكان الزقاق في  الملمات. وهو المثل الذي تشير إليه الأمهات إذا شئن أن  ينصحن أبناءهن. . ولكنه مع هذا شرير مع أهل بيته، يفرغ  فيهم ما يكظمه من غضب في مخاطبته لأهل الزقاق. أما الشخصيات  الشريرة فهي كثيرة؛ ولكن لنأخذ مثلنا المقهى، فهو رجل  ذو أمزجة مختلفة كلها شاذ يدعو إلى الاستنكار الشنيع. ولكنه  مع هذا لا يطيق أن يبذل وعداً بالصلاح حين يطلب إليه الشيخ  أن يبذله. فهو رجل لا يعد دون تنفيذ.

لن أحوال الكلام عن جميع الشخصيات التي رسمها الأستاذ  نجيب، فهي - كما قلت - كثيرة، وكلها بطل؛ ولكن ثمة  شخصية رسمها نجيب حاد في لمحة منها عن طريق كنا ننتظر أن  تسلكه، هي شخصية صاحب الوكالة. وهو بك كبير في  السن، كان يأمل أن نتزوج من فتاة الزقاق. وكم كان الأستاذ  نجيب موفقاً في عرضه لهذا الحب العجيب بين الغسق والضحى.  ولكن قبل أن يتم الزواج سقط الرجل مريضاً، ولج به المرض،  ثم شاء له الله الشفاء وكنا ننتظر أن يقوم من مرضه مؤمناً بالله،  شاكراً له، ولكن الأستاذ نجيب أقامه ساخطاً على الدنيا،  برما بها، كافراً بنعمة من شفاه. . . ومن الناس من يصاب  بهذا. . . وكل ما ألاحظه أننا كنا ننتظر غير ذلك. . . ولا ضير  عليه إذا أخلف ظننا.

وبعد. فلا يسعني إلا أن أقدم للحياة المصرية العصرية كل  تهنئتي أن وفقت إلى قصاص كنجيب، يرسمها فيترك منها  للأجيال القادمة صورة واضحة المعالم جلية المعارف.

اشترك في نشرتنا البريدية