الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 166الرجوع إلى "الثقافة"

زنوبيا

Share

للأستاذ فريد أبو حديد رأي في القصة صوره لي في بعض كتبه إلي ؛ فهو لا يسمي الأثر الأدبى قصة إلا إذا اجتمعت له شروط أربعة : الأول أن تشتمل على حوادث تقص وتحكى . الثاني أن تشتمل على وصف للأشياء والأحياء . الثالث أن تشتمل على أشخاص يصورهم المؤلف تصويرا دقيقا واضحا . الرابع ان تشتمل على حوار يشيع في القصة بين هؤلاء الأشخاص . فاذا

فقدت القصة شرطا من هذه الشروط لم تستحق عند الأستاذ فريد أبو حديد ان تسمى بهذا الاسم ، ويجب ان يلتمس لها اسم آخر ، وان تلحق بفن آخر من فنون الأدب . وما أريد أن أجادل الأستاذ في هذه الشروط ، وما أريد أن أناقشه في القواعد التي يضعها النقاد لهذا الفن أو ذاك من الفنون الأدبية ، وإنما اكتفي بأن أقول إني من أنصار الحرية في الأدب ، هذه الحرية التي لا تؤمن بالقواعد الموضوعة والحدود المرسومة والقيود

التي فرضها أرسطاطاليس وفرضها النقاد المحدثون الذين أرادوا أن يشبهوا أرسطاطاليس فيشرعوا للأدب في العصور الحديثة كما شرع أرسطاطاليس للأدب في العصر القديم . إنما الأثر الأدبي عندي هو هذا الذي ينتجه الكاتب أو الشاعر كما استطاع أن ينتجه ، لا أعرف له قواعد ولا حدودا إلا هذه القواعد والحدود التي يفرضها على الأديب مزاجه الخاص وفنه الخاص ، وهذه الظروف التي تحيط مزاجه وفنه ، فتصور أثره الأدبي في الصورة التي يخرجه فيها للناس . فهو قد يخرج هذا الأثر الأدبي قصة تستوفي الشروط التي يريدها الأستاذ ، وقد

يخرجه شيئا آخر لا يستوفي هذه الشروط كلها أو بعضها . وحسبنا منه أن ينتج ما نقرأه ، فنجد في قرءاته هذه اللذة الفنية العليا التي يتركها الأثر الادبي الممتع في النفوس . وأخشى أن يكون الأستاذ فريد أبو حديد شديد التأثر بالقرن التاسع عشر وأدبائه ونقاده ، قليل الاحتفال بما طرأ على الأدب والنقد من تطور منذ اواخر القرن الماضي ، وفي هذا القرن ، وبعد الحرب الماضية بنوع خاص . والشئ المهم هو أن الأستاذ يفرض على القصة هذه الشروط . ومعنى هذا انه يفرض على نفسه هذه الشروط حين يعالج هذا الفن الأدبى .

والأستاذ فريد أبو حديد رجل دقيق جدا ، صارم في دقته ، لا يحب الانحراف من الطريق التي يرسمها لنفسه إلي يمين أو إلي شمال ، وهو لا يظلم الناس حين يطلب إليهم أن يسيروا في الطريق التي يفرضها على نفسه ، وحين يكره منهم او يكره لهم ان ينحرفوا عن هذه الطريق إلي يمين أو إلي شمال ، فما ظلمك من سواك بنفسه . ولكن الناس يظلمون انفسهم ، فينحرفون عن القوانين الأدبية ، ميامنين مرة ومياسرين مرة اخرى ،

ومضطربين اليمين والشمال مرة ثالثة ؛ لأنهم لا يحسنون الفن أحيانا ، ولأنهم لا يحسنون الخضوع للقوانين الفنية بمقدار ما يحسنون الثورة عليها والتحرر منها احيانا أخري . أما الأستاذ فريد أبو حديد فقد وضع قصصا نشرت وقرأها الناس ، واخذ نفسه في هذه القصص بشروطه هذه الأربعة ، فخضع لها خضوعا رائعا حقا ، وهو في ذلك يذكرنا بقانون الوحدات الثلاث الذي فرض على القصة التمثيلية في وقت ما ، والذي لم يخضع له كورني في قصته ( السيد )، فأثار على نفسه الأدباء والنقاد ثورة لا يزال التاريخ الآدبي يردد اصداءها إلي الآن .

وقد قرأت أخيرا القصة التي نشرها الأستاذ فريد ابو حديد والتي عرض علينا فيها حياة زينوبيا ملكة تدمر، وما ألم بها من الأحداث . وأعترف بأني حاولت أن أتأثر بالقانون الصارم الذي فرضه الاستاذ على نفسه وأحكم على القصة من حيث إنها تستوفي أو لا تستوفي هذه الشروط ، ومن حيث إنها تستوفيها على وجه ممتاز أو على وجه متوسط ،

فلم استطع أن امضي في هذا النحو من القراءة المقيدة ، ولم استطع أن اكون رأيى على هذا النحو الذي أقل ما يوصف به انه ضيق شديد الضيق ، وانه أضيق جدا من القصة التي كتبها الأستاذ فريد أبو حديد ، وان التقيد به يوشك ان ينقص علينا ما تقدم القصة إلينا من صور الجمال الفني الممتاز . وما رأيك في أن نجلس إلي مكتبك و تضع أمامك هذه الشروط الأربعة ، وتأخذ بعد ذلك في قراءة القصة وتنظر أوضع الاستاذ فيها من القصص والوصف ومن الأشخاص والحوار مقادير معتدلة يلائم بعضها بعضا أم قصر في هذا اللون وأسرف في ذلك اللون ؟

ألست تري أنك إن صنعت هذا الصنيع  إنما تقرأ القصة بعقلك لا بقلبك ولا بذوقك . تقرأها كما يقرأ كتاب في النحو او في المنطق او في الحساب ، وما هكذا احب أن أقرأ الأدب ، إنما اقرأ الأدب بقلبي وذوقي وبما أتيح لي من طبع يحب الجمال ويطمع إلي مثله العليا . والكاتب

المجيد عندي هو الذي لا اكاد أصحبه لحظات حتى ينسيني نفسي ويشغلني عن التفكير ويصرفني عن التعليل والتحليل والتأويل ، ويسيطر علي سيطرة تامة تمكنه من أن يقول لي ما يشاء دون أن أجد من نفسى القوة على أن أعارضه أو أقاومه أو أنكر عليه شيئا مما يقول ، حتى إذا فرغت من قراءة أثره الأدبى واضطررت بحكم هذا الفراغ إلى أن أفارق الكاتب وأشغل عنه وعن اثره وقتا ما استعملت بعد ذلك ان اعود إلي الآثر الذي بقي في نفسي بعد القراءة ، فأفكر

فيه وأخضعه للنقد أو للتحليل والتعليل .

وأشهد لقد بدأت في قراءة هذه القصة وما كدت امضي في قراءتها حتى بلغ الاستاذ فريد أبو حديد مني هذه المنزلة ، فانساني نفس وصرفني من التفكير والنقد ، واضطرني إلي ان امضي معه واسمع له واقبل منه في غير ممانعة او مقاومة ، ماذا اقول ؟ بل إن الأستاذ فريد أبو حديد لم ينسنى نفسي فحسب . وإنما انساني شيئا ليس من السهل

أن ينسي عادة . أنساني الانفلونزا التي انتهزت فرصتها لأقرأ هذه القصة . ومن يدري ؟ لعل قصته كانت دواء لي من هذه العلة الطارئة التي لا تكاد تلم بالمريض حتى تثقل عليه وتضايقه أياما ، وقد ألمت بي هذه العلة وكنت انتظر أن تثقل على وان تضايقني كما تثقل على الناس وتضايقهم ؛ ولكني شغلت عنها بهذه القصة يوما وبعض يوم ، ولما فرغت منها لاحظت ان العلة لم تثقل على و ان الحرارة لم تسرف في الارتفاع ، وان الطبيب لم يشتد في التضييق . أليس من الجائز بل من

الراجع أن قصة الأستاذ فريد أبو حديد قد رفعتني عن هذا الطور من اطوار الحياة العادية إلي طور آخر ممتاز اشاع في نفسي قوة ونشاطا ، ومكنني من أن أقاوم العلة بدل ان أقاوم القصة ، وجعل مقاومتي لهذه العلة شيئا لاشعوريا ، وهو فيما يقال احسن انواع المقاومة ؟ مهما يكن من شئ فقد شغلتني قصة الأستاذ فرد أبو حديد عن نفسى وعن

علتى، وشغلتني بالطبع عن شروطه هذه الأربعة ، فلم أفكر في قصص ولا في وصف ولا في أشخاص ولا في حوار ، وإنما رأيت نفسا عذبة تتحدث إلي حديثا عذبا ، فأغرقت في الإستماع لهذا الحديث ، واغرقت في الاستمتاع بعذوبة هذه النفس ، ووجدت في هذا الاغراق هذه المدة الممتازة التي أجدها حين أقرأ الآثار الأدبية الرفيعة .

وأعود الآن وقد مضي وقت غير قصير علي قراءتي لهذه القصة ، أعود إلي هذه اللذة الممتازة لأحللها وألتمس

مصادرها ، فأعترف مرة اخري بأني لا استطيع أن أرد هذه اللذة إلى شرط من هذه الشروط الأربعة او إلي عنصر من هذه العناصر الأربعة ، إن صح هذا التعبير ، وإنما اردها إلي أشياء ثلاثة هي فيما اعتقد مصدر ما في هذه القصة من جمال :

الأول أن في القصة روحا من البطولة يشيع فيها منذ الصفحات الأولى ، ثم يزداد اتساعا وانتشارا حتى يملأ عليك الجو كله ، وإذا أنت تعيش في بيئة يمتاز أهلها من الناس الذين تعيش معهم ومن الناس الذين تألفهم حين تفكر في الناس ، وأنت تجد في عشرة هؤلاء الممتازين امتيازا لنفسك وراحة من حياتك اليومية ورضي بالقرب من المثل العليا ساعات من ليل او ساعات من نهار . فكل الذين يحبون في هذه القصة إلا أقلهم ممتازون في سيرتهم ممتازون في تفكيرهم ممتازون في تقديرهم للأشياء وحكمهم عليها . والحياة معهم تنصف نفسك الطامحة من هذه الحياة اليومية السخيفة التي نحياها مفكرين في صغائر الأشياء عاكفين عليها غارقين فيها إلي الأذقان أو إلي الأذان .

الشئ الثاني أن هؤلاء الأبطال الممتازين لا يمتازون بصنف ولا يرتفعون إلى اجواء بعيدة جدا تقصر هممنا وطبائعنا عن الارتفاع إليها ، ولكنهم يعيشون في اجواء ترتفع ارتفاعا هادئا ، ويمتازون امتيازا رفيقا يخيل إلينا لقربه وسهولته اننا نستطيع ان نشاركهم فيه ، فيشعر ذلك بأن لنا حظا من قدرة على الامتياز ، ويكبرنا ذلك في أنفسنا وعواطف هؤلاء الأبطال المعتدلين تعرض علينا عرضا هينا واضحا بريئا من الغلو ، فنري فيها كثيرا من عواطفنا وكثير من أهوائنا وكثيرا من نقائصنا وكثيرا من هذه الفضائل التي نظن أننا نستطيع أن نصل إليها إن اتيحت لنا الفرص ، ولكن الفرص لا تتاح لان الحياة اليومية تحول بيننا وبينها .

وكذلك نري في هذه القصة مرآة لذات نفوسنا ، وليس

قليلا أن تري نفسك في مرآة تصور الأبطال الممتازين .

والشئ الثالث هو هذه العذوبة التي تمتاز بها نفس الأستاذ فريد أبو حديد والتي حدثتك عنها آنفا ، والتي تفيض على ما حولها فتشيع في القصة وتحبب إليك الفاظها على ما قد يكون في بعضها من ضعف ، وتحبب إليك معانيها على ما قد يكون في بعضها من سذاجة ، وتحبب إليك صورها على ما قد يكون في بعض ألوانها من شحوب ؛ وفي هذه

العذوبة كما قلت آنفا شئ من الصرامة والحزم يزيدها إلي نفسك حبا ويزينها في قلبك ، وقد يثير على ثغرك وفي وجهك شيئا من الابتسام ، يصور حبك للكاتب وإشفاقك عليه من نفسه هذه التي تفرض عليه الوانا من الشدة في التفكير والتصوير لعله يستطيع أن يتخفف من بعضها .

هذه هي الخصال الأولى التي أرد إليها ما وجدت من لذة حين قرأت هذه القصة الرائعة .

ولست أخفي علي الأستاذ فريد أبو حديد اني لم أحفل مطلقا بأن تكون زينوبيا هي الزباء أو لا تكون ؟ ولم احفل مطلقا بأن تكون زينوبيا من نسل كليوباتره او لا تكون ؟ ولم أكد أحفل بما يكون أو لا يكون من الدقة التاريخية في تصوير الأشخاص ورواية الحوادث . فكل هذا من عمل العقل ، وما أكثر الكتب التي نعمل عقولنا في قراءتها !

وما الذي يعنيني أن يقيد الأستاذ فريد أبو حديد نفسه بهذا القيد أو ذاك من قيود البحث ، وان نتفق مع هذا الرأي أو ذاك من آراء المؤرخين ، وانا لا أقرأ قصته لأتعلم منها البحث أو لألتمس فيها التاريخ ، وإنما انا افزع إلي قصته من البحث والتاريخ ؟ وما الذي يعنيني ان يقيد الأستاذ فريد أبو حديد نفسه مما شاءت له صرامته الخلقية والفنية من القيود ما دمت أنا استطيع أن أقرأ قصته حرا ، وان أجد في حريتي هذه من اللذة أكثر مما وجد المؤلف من اللذة في القيود التي فرضها على نفسه ؟

هناك خصلة أخري حببت إلي القصة ، وأظن أن الذين يشاركونني في إ كبار هذه الخصلة ليسوا كثيرين ، ولكن منهم الأستاذ فريد أبو حديد على الأقل . وهي أن القصة مزاج رائع حقا من الحياة العربية الخالصة ومن الحياة اليونانية الرومانية الخالصة أيضا . ثم هي تصوير رائع لهذا المثل الأعلى الذي أطمح إليه دائما من التقاء الثقافة الشرقية

والثقافة الغربية ، وتكوين هؤلاء الناس الذين يستطيعون أن يقرأوا أفلاطون وهوميروس وسيسيرون وفرجيل وامريء القيس والجاحظ ، دون أن يجدوا في انفسهم تناقضا او تباعدا او اضطرابا أو نبوا . هذه الخصلة نادرة فيما يكتب من القصص ، بل فيما تنتجه من الأدب ؛ وقد وفق فيها الأستاذ فريد أبو حديد توفيقا نادرا حقا ، مع أنه لم يتعمق دراسة الأدب اليوناني واللاتيني كما تعمق دراسة الأدب العربي ، فكيف به لو فعل ؟

وبعد فهل بأذن لي الأستاذ في أن أعبث عبثا خفيفا ببعض اشخاص قصته ؟ فقد خيل إلي ان زنوبيا تسرف جدا في التنهد وتتنفس كثيرا وتتعمق أنفاسها أكثر مما ينبغي ، وقد هممت بأن احصي تنهددات الملكة فوجد بها أكثر مما تطبق القصة ؛ ويظهر أن الملكة كانت تعدي غيرها بتنهداتها وانفاسها العميقة . فقد كان أستاذها يتنهد كما كانت لاميس تتنهد ايضا ، وحتي اذينة البطل لم يبرأ من

تنفسات عميقة . ويخيل إلي ايضا ان الملكة لم تكن تملك مكتبة غنية ، وإما كانت كتبها لا تكاد تتجاوز افلاطون وهوميروس ، بل لم يسم لنا كتاب من كتب افلاطون فيها اذكر، فاما هوميروس فلم يكن عند الملكة منه إلا الياذة ، ومع ذلك قفي اوذسة ما كان يستطيع ان يلائم ذوق الملكة ويسليها عن كثير من الخطوب والمكتبة اليونانية أغني جدا من هذا . وكانت الملكة تستطيع أن تقرأ للشعراء الغنائيين والممثلين وللفلاسفة الإفلاطونيين والمشائين

والرواقيين ثم يخيل إلي أن الملكة لم تكن تحسن اللاتينية، هي لا تقرا كتابا لاتينيا مع ان استاذها رومانى . ولست أدري أكان من الممكن أن تؤخذ الكتب وتقرأ وتطوي ويلقي بها علي نحو ما نفعل بكتبنا الآن . فقد يخيل إلي أن شكل الكتب في ذلك الوقت لم يكن يسمح بشيء من هذا وانها كانت اضخم واثقل من ان نتصرف فيها كما نتصرف في المجلدات التي تتناولها ايدينا الآن في كثير من الخفة والرشاقة ، لأنها بحكم أشكالها وبحكم الورق والطبع خفيفة رشيقة .

وأخيرا يخيل إلي أن زنوبيا معاصرة لنا في ذوقها وميولها وأهوائها ، بل في قوتها وضعفها ايضا . وإذا لم يكن بد من أن امضي قليلا في هذا العبث فاني أخشى ان يكون هناك تشابه بين زنوبيا ملكة تدمر وكرستين ملكة السويد التي تتحدث عنها القصص وتعرضها أفلام السينما وقد أعجبتني شخصية الأستاذ وهذا الحب الذي ملك حياته ، وهذه العواطف التي كانت تعطف عليها

الملكة ، وذكرتني بقصة ما أظن أن الأستاذ فريد أبو حديد قد قرأها أو ظهر عليها ؛ فالأمر لا يعدو أن ان يكون تواردا للخواطر مصدره ان الأستاذ فريد يفكر كما يفكر العصر الذي يعيش فيه . وهذه القصة هي قصة " الملوك في المنفي " للكاتب الفرنسي ألفونس دوديه ، فيها ملكة يحبها مربي ابنها كما يجب لونجين زنوبيا ، وتعطف هي على العربي كما تعطف زنوبيا على لونجين عطفا يوشك أن يكون حبا .

وبعد فاني أشكر أجمل الشكر للأستاذ فريد أبو حديد هذه الساعات الحلوة التي أنفقتها معه ومع أبطاله . ولو أن لي من الأمر شيئا لاتحت هذه الساعات لشبابنا في المدارس . فأي شيء انفع لعقول الشباب وقلوبهم وأخلاقهم من قصة كهذه القصة الرائعة ؟

اشترك في نشرتنا البريدية