الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 769الرجوع إلى "الرسالة"

زواج تولستوي، ،

Share

وجلس تولستوي يحدث رب الدار وأبنته في إحدى  الحجرات، ويستعيد ذكريات الماضي، وأنضم البنات إلى أمهن  وجدهن ليجلسن يستمعن وكانت أمهن تصيح بهن الفينة بعد الفينة  ليأوين إلى مضاجعهن ولكن حديث الكونت كان يسحرهن  حتى تبين الجد في لهجة أمهن فقمن متثاقلات لينمن.  

وتبعهن تولستوي إلى باب الحجرة، ثم استوقف سونيا  قائلا إنه يريد أن يفضي إليها بحديث وخفق قلب الفتاة، ومشت  معه إلى منضدة للعب الورق في إحدى الحجرات، ولندع تاتيانا  تقص علينا ما كان بينهما من حديث قالت   (الشيطانة الصغيرة)   في مذكراتها (لقد طلب اليّ أن أغني ولما كان ذلك آخر ما أرغب  فيه وقتئذ، فقد هربت إلى الثوى واختفيت تحت البيان. . . وبعد  دقائق دخل الحجرة تولستوي وسنويا، وكان يبدو عليهما  الأضطراب في صورة غير عادية، وجلسا إلى منضدة اللعب. . .  وقالت سنويا: هكذا ترحل غداً؟ ولماذا تعجل على هذا النحو؟  

إننا سوف نفتقدك، وأجاب تولستوي: إن ماري وحدها وهي  تتأهب للسفر إلى الخارج. وسألته سونيا: أتسافر معها؟ وقال  الكونت: كلا. لقد كنت أرغب في ذلك ولكني الآن  لا أستطيع. وتراجعت سونيا فلم تسأله لم لا يستطيع فأنها تدرك  ماذا يكون الجواب، ورأيت في وجهها ما يشعر أن شيئاً خطيراً  يوشك أن يحدث، ووددت أن أخرج من مخبئي ولكني خجلت  من ذلك فبقيت ساكتة. وقالت سونيا: هيا بنا إلى الفناء فإنهم  لا بد يبحثون عنا؛ وقال الكونت: لا. . أرجو منك أن تظلى  لحظة. . . وكان يكتب شيئاً ما على المنضدة بقطعة من الطباشير،  ثم قال في صوت متهدج من أثر اضطرابه: أتستطيعين أن تقرئي  

ما أكتب لك إذا استعملت الحرف الأول من كل كلمة فحسب؟  وأثبتت في وجهه نظرة وقالت: أظن أني أستطيع. وكتب تولستوي  الحروف، وكأنما أوحى إلى أختي فقرأت: إن شبابك وتطلعك  للسعادة يذكرني تذكيراً قوياً بشيخوختي وباستحالة السعادة على  وكان يعنيها تولستوي بعض العون في قليل من هذه الكلمات. وكتب حروف غيرها، فقرأت إن في أسرتك خطأ حول أختك  وحولي، ينبغي أن تعينيني أنت وتاتيانا. . .  

هذا ما ذكرته تاتيانا، ونضيف إليه أنها ما كادت تجيب  حتى صاحت بها أمها: سونيا! أذهبي إلى سريرك. هل تفعلين؟  وأسرعت سونيا إلى مخدعها.  

وبعد بضعة أيام زارت زوجة بيرز وبناتها ياسنايا ثانية  لتودع ماري قبل سفرها، وكان تولستوي ساكناً يطيل التفكير  اثناء هذه الزيارة، ولما تأهبن للرحيل قال لهن: سوف أذهب  معكن إلى موسكو إذ كيف استطيع أن أبقى هنا دونكن. . . إن  مقامي هنا يكون من الكآبة والوحشة بحيث لا أطيقه. . . .  

ثم سافرن فكان معهن حتى بلغن موسكو. . . .  

وذهب آل بيرز من موسكو إلى بيتهن الريفي في قريتهم  بوكروفسكوي، ووعدهم تولستوي أن يوافيهم اليها بعد قليل. . . وعادت اليه في وحدته هواجس نفسه، كما كانت حاله مع فاليزيا  وأخذ يسأل نفسه عما يشعر به، أهو الحب حقاً أم أنها الرغبة  في الحب؟.  

وذهب إلى بوكروفسكوي كما وعد، وكانت لا تزال تعتقد  ليزا أنه يحبها وأنه سوف يخطبها إلى نفسه؛ وكانت تتنازع  الأحلام والمخاوف قلب سونيا.  

ووجد تولستوي في بوكروفسكوي معلماً شاباً يدعى بويوف  في الخامسة والثلاثين من عمره يخفى في نفسه نحو سونيا ما يبديه  تودده اليها وما يشبهه الغزل من حديثه ونظراته؛ وكانت تحس  سونيا ميله اليها فأغرته بعض الأغراء، ولكن بالها وقلبها كانا  إلى الكونت وأن غاب.  

وفعلت الغيرة فعلها في قلب تولستوي، فكان كثيراً ما يأتي  إلى القرية وكانت على نحو أثني عشر ميلاً من موسطو وكان يؤثر  أن يذهب إلى هناك ماشياً بأكثر الأحيان.  

وبات موقفه من الأسرة غريباً فهو لا يتقدم بالخطبة إلى ليزا  وأنه في الوقت نفسه وإنه في الوقت نفسه ليكثر من غشيان بيتهم أينما كانوا كما لو كان  واحداً منهم؛ ولذلك لم يكن عجبا أن يظن الطبيب أن جمال امرأته  هو الذي يجذب إلى بيته هذا الكونت الغامض.  

وكان لا يفتأ يسأل تولستوي نفسه أما آن له أن يستبطن  دخيلة سونيا وأن يدرك حقيقة عقلها ووجدانها، فأن أختياره  زوجة لا تصلح له يعدو عنده كارثة لا يكون معها رجاء. . .  

وسألها هل تكتب مذكرات، فقالت: لا ولكنني عبرت  عن حقيقة شعوي في قصة كتبتها؟ وألح عليها الكونت أن  يقرأها فأبت اول الأمر، ثم تضاهرت أمام إصراره أنها تعطيها  إياه على كره.  

ترى هل كتبت سونيا هذه القصة ليقرأها تولستوي؟ وهل  ما يكاد يؤدي إلى الحزن بموضوعها.  

كان في القصة رجلان: أولهما البرنس دوبلتسكي، وهو في  

منتصف العمر نشط ذكي قليل الآراء، ليس على قدر كبير  من الوجاهة؛ وثانيهما فتى في الثالثة والعشرين، هادئ ساكن  يتمسك بكثير من المثل العليا وأسمه سمير نوف.  

وكانت بطلة القصة تدعى هيلين وهي فتاة جميلة ذات عينين  دعجاوين ساحرتين؛ ولهيلين أختان واحدة أكبر منها تدعى  زنايدا وهي فتاة بارد الطبع، والأخرى أصغر منها وتدعى نتاشا  وهي بنت في الخامسة عشرة لعوب مرحة.  

وكان يغشى دوبلتسكي بيت الأسرة دون أن تخالجه أفكار  الحب؛ وكان سمير نوف يحب هيلين، وكانت تحس بميل نحوه،  وقد أقترح عليها الزواج ولكنها لم تستطع أن تقطع برأي  وأعترض أهلها على هذا الاقتراح من شاب في مثل سنه وعدوه  بعض عبث الشباب، ثم اضطرته ظروف العيش إلى السفر  فغاب غيبة طويلة.  

وكانت زناديا تميل إلى دوبلتسكي، وكان يكثر غشيان البيت  ولكنها ظلت بحيرة من أمره كما كانت هيلين في حيرة من  أمر شعورها لا تدري ماذا تريد، ولا تستطيع أن تقول حتى  لنفسها أنها أوشكت إن تحب دوبلتسكي؛ وكان يؤلمها أنها ربما  كانت تخدعه وتخدع أختها؛ وطالما حاولت أن تغالب عواطفها  ولكن تلك العواطف كانت تغلبها؛ وظهر من دوبلتسكي أنه  يحبها أكثر مما يحب أختها وذلك ما جعله يبدو في نظرها أكثر  مما كان جذباً لها، لم تفهم حقيقة شعوره وكان يتعبها ويضايقها  غموضه وانطواؤه على نفسه.

وعاد سمير نوف، ولم تطق هيلين أن ترى ما يظهر من تألم  إذ شعر أنها تحب دوبلتسكي، فأعتزمت أن تدخل الدير؛ ثم أنها  احتالت حتى قرضت بين دوبلتسكي وأختها زناديا، وزفت هي  بعد ذلك إلى سمير نوف.

سهر تولستوي حتى قرأ القصة ولقد وقف عند أشياء فيها  ومن أهمها ما وصف به دوبلتسكي من بعد أن الوجاهة ومن  غموض في الفكر. . . أهذه صورته في نفس سونيا؟ لقد طالما  كانت هيأته مبعث ألم لنفسه وهو صغير فهل يتجدد اليوم ألمه  وهو في الرابعة والثلاثين؟. ذلك ما تحدثه به نفسها بعد قراءة

نقادهم. لهذا يقال أن النقاد هم موجهو الأدب في الأمة وهداته. ولا يحرر من ربقتهم ألا أديب معاصر، ولكن لديه من المؤثرات الخاصة عدة عوامل جنحة به إلى أفق من الحرية. على أنه قد يعيش غريباً بين قومه، وقد لا يتأثرون بأدبه ألا بعد فترة من الزمن. هذا هو الذي فهمناه في العصر الحديث من معاني النقد الأدبي. فهل ولد النقد قبل اليوم مولداً على هذا الغرار؟ الحديث عن ذلك طويل يضطرنا إلى النظر في اتجاهات النقد في كل من العصور الأدبية المنصرمة، وهذا ما لم نقصده هنا الآن. وإنما قصدنا أن نعرض في إيجاز إلى الحديث عن النقد الأدبي في العصر المملوكي. غير أنه لا ريب في أن النقد الأدبي ولد بمولد الأدب، إذا راعينا أن قارئي الأدب أو سامعيه سواء أكانوا من الخاصة ام العامة مولعون أبداً بالنقد والتعليق على كل ما يقرءون أو يسمعون ولو بكلمة عابرة، أو نقدة طائرة، أو تعليقة حائرة. وهكذا نستطيع القول أن النقد قد ولد مع الأدب الجاهلي. غير أنه كان نقداً فطرياً في نطاق ضيق وبين خليط من اعتبارات شتى، ومرجعه الذوق الخاص، وغير مقعد بقواعد ولا مرتبط بذوق عام. . . ثم نضج النقد الأدبي بعد النضوج بمجيء الإسلام وأقبل الناس على سماع الأدب والنظر فيه، وكانت بالأمويين عناية فائقة بسماع الشعر قديمه وحديثه، والتعليق عليه، وقياس شعر بشعر، وموازنة بيت وببيت، حتى جاء العصر العباسي، وأقبل القوم على الدرس والتصنيف والترجمة. ولقحت العقول بالمترجمات، وفاضت المجالس بما ينشده الشعراء والرواة من محاسن الآداب العربية، ونشط النقد، وتكون ما يشبه الذوق العام. وعني بالدفاع عن الأساليب القرآنية وبيان ما فيها من أسرار التراكيب. فظهرت بوادر العلوم البلاغية ثم أشتد أزرها وقوى أمرها وتجمعت حقائقها حتى تألفت علوماً لها موضوعاتها وأبوابها وقواعدها. وصنفت كتب في النقد والموازنات اعتمدت فيما اعتمدت عليه، على الذوق الخاص، وهكذا أنتهى عصر العباسين بعد أن خلف في ميداني النقد الأدبي والبياني ذخيرة نفيسة. ولكن النقد - على كل حال - لم يبلغ ذلك المبلغ الذي رسمنا صورته في أول المقال، والذي يتقاضاه منا العصر الحديث: وبعد فما نصيب العصر المملوكي من هذا التراث، فما الذي أضافه اليه؟ أهم ما يجبهنا من ذلك، ذوق بديعي عام استحوذ على الأدباء والنقاد جميعاً. لم يعتمد على ما خلفه الأقدمون من قواعد في النقد البياني فحسب، وأن كانت هذه القواعد من أهم دعائمه ومصادر الهامه. وأن كان قد جمع كل أبواب البلاغة جديدها وقديمها تحت راية البديع. ولقد كان للقاضي الفاضل عميد الأدباء في العصر الايوبي، أثر بارز في الكتابة والشعر في العصر المملوكي. لأنه أبتدع للأسلوب طريقته البديعية الخاصة التي اساسها الإكثار من المحسنات وبخاصة السجع فقد ألتزمه، والجناس والطباق، مع الغلو في سوق التروية والاستخدام والإمعان في التشبيه والاستمارة، والتلميح إلى الحوادث، والتوجيه بالمصطلح العلمي، وتضمين المأثور والاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف، إلى غير ذلك من محسنات وسمات. وهذه طريقة في الأسلوب مبنية على ما سنه من قبله الكاتب الشهير أبن العميد   (٣٠٠هـ - ٣٦٠هـ)  وغيره من أدباء العراق. غير أن الفاضل غلا في التزام ما استحسنوه وأن قاد الأدباء من بعده - وبخاصة في العصر المملوكي - إلى طريقته وتعصبوا لها، حتى تركزت في أذواقهم وفي اذواق النقاد معاً، وأصبحت نهجاً متبعاً وقاعدة مرعية بين قواعد النقد التي يزنون بها الآثار الأدبية الجديد منها والقديم على حد سواء. وظهر شاعر مصر الكبير جمال الدين بن نباته   (٦٨٦ - ٧٤٨هـ)  فنهج نهج القاضي الفاضل، وتعصب لطريقته؛ فكان بذلك زعيماً ثانياً للطريقة الفاضلية في الشعر والكتابة. واتجهت عناية أبن نباته إلى أيجادة التورية والتضمين، فأبدع فيهما أيما إبداع، وأتى منهما بالعجب العجاب، واتجهت كذلك إلى الجناس؛ ولكن عني بإخراجه مخرج التورية، فأجاد وأطرب، وأفاد وأعجب؛ فكان بذلك وغيره ذا طريقة جديدة هي الطريقة النباتية، وأصبح لها أتباع ومتعصبون هم جهرة عظيمة من أدباء العصر المملوكي ونقاده، وتركزت بدورها في أذواقهم حتى صاغوا أساليبهم في قالبها، أو اتخذوا منها قواعد جديدة للنقد وزنوا بها ووازنوا بين أدب وأدب، وبين شعر وشعر. وفي مقدمة المتعصبين لها والناقدين على أساس منها ومن الطريقة الفاضلية: شهاب الدين أو الثناء محمود بن سليمان الحلبي   (٧٢٥ هـ)  صاحب كتاب   (حسن التوسل إلى صناعة الترسل) . وتقي الدين أبن حجة الحموي   (٨٣٧هـ)  صاحب كتاب   (خزانة الأدب وغاية الارب) . وهذا الكتاب أوسع نطاقاً من سابقه. وقد ألفه أبن حجة ليشرح فيه بديعيته، وهي المنظومة التي مدح بها سيد المرسلين عليه السلام، وضمن كل بيت من ابياتها شيئاً من البديع. فقد وزن فيه بينها وبين بديعيتي عز الدين الموصلي وصفي الدين الحلي موازنة أساسها البديع، ذاكر أسم النوع البديعي واختلاف العلماء فيه، وشواهد الأدباء عليه. وقد استطاع أبن حجة أن يخرج كثيراً عن النطاق العلمي الذي ضربه علماء البلاغة أخريات العصر العباسي، كالسكاكي مثلا. واستطاع أن يجعل من كتابه هذا معرضاً أدبياً ضافياً تألق فيه كثير من شعر العصر المملوكي ونثره، ومع نقده نقداً هو مزاج من النقد الأدبي الصحيح الذي اساسه الذوق، ومن النقد البياني الموروث الذي أساسه العلم؛ مبيناً، بين الفينة والفينة، مذاهب الشواذ والخارجين على الطريقة النباتية من شعراء هذا العصر. ومن بينهم صلاح الدين الصفدي الذي جن جنوناً بالجناس وأنواعه، كما جن به الصاحب بن عباد من قبل، وأكثر مما جن. وقد حمل أبن حجة على الصفدي وسفه ولوعه بالجناس مبيناً أن هذا المذهب يخالف مذهب أبن نباته وتابعيه، من العناية بالتورية واعتبارها اسمي ضروب البديع، بل أجود أبواب البلاغة. وقد أنساق الصفدي بدافع حب الجناس إلى وضع كتاب فيه بخاصة وسماه     (جنان الجناس)   ملأه أمثلة من الجناس. وقد نقده أبن حجة في كتابه   (خزانة الأدب)  نقداً مراً وأورد من نظمه عدة أمثلة، وذكر أن جمال الدين بن نباته لما قرأ عنوان الكتاب قرأه هكذا:   (جنان الخناس)  وجرى بين الرجلين بسبب ذلك ما يطول شرحه. وذكر ايضاً من بين ناقدي الصفدي الشيخ بدر الدين البشتكي الذي قال قال عن الصفدي بمناسبة نضمه هذا:   (وأن من ذلك مبلغه من النظم لجدير أن يقعد مع صغار المتأدبين) . هذا إلى أن أبن حجة قد ألف كتاباً أخر في نقد الصفدي وتسفيهي كتابيه     (جنان الجناس)   و   (فض الختام)  وهو   (كشف اللثام) . هذا كله يشعرنا بأن أبن حجة وغيره من نقاد العصر لم يتقيدوا بالقواعد البلاغية ولا بما وصل اليه النقد البياني من تقعيد بل حكموا بكثير مما نقدوه أذواقهم وقواعد نهجهم البديعي. وهذا لا يمنعنا من الإشارة إلى أن هناك رجالاً صرفوا جهودهم إلى النقد البياني وقواعده الموروثة عن العصر السابق، فكانوا علماء أكثر منه علماء. وفي رأينا أنهم لم يأتوا من وراء هذه الجهود بجديد وما مؤلفاتهم ألا شروح أو مختصرات لمؤلفات السالفين من علماء البلاغة. وقد حظى كتاب   (مفتاح العلوم)  للسكاكي   (٦٢٦هـ)  بنصيب كبير من هذه المؤلفات، ومنها ما وضعه الجلال القزويني، والجلال السيوطي، وزكريا الأنصاري، والبهاء السبكي. غير أننا لا نبالغ إذا قلنا أن هؤلاء لم يمثلوا العصر ولا ذوقه الأدبي ولا قواعده في النقد. أما الفريق الأخر فهم أدنا إلى هذا التمثيل وأقرب. على أن النقد الأدبي - في الحق - كان أوسع نطاقاً مما وصفنا. وأكثر شغلاً للقوم مما رسمنا؛ إذ كانت له عوامل عدة أذكت ناره وأشعلت أواره وأكثر سماره ففضلاً عن حب البديع والتسابق إلى ابتكار التوريات والتضمينات، كانت هناك منافسات أدبية شديدة بين أدباء مصر وأدباء الشام، ومنافسات أخرى بين شاعر وشاعر، وكان من الناس من يتعصب لهذا أو يتحسم لذاك. وكانت هناك مباريات بين المتعاصرين من الشعراء ومساجلات ومعارضات. وكان كير من وجوه الناس وأعيان الرؤساء يضرى هذه المعارضات حتى ولو لم تكن بين المتعاصرين وكان بعض الملوك والرؤساء ذوي بصر بالشعر ومكانه. وكان بالشعراء ولوع بالتظمين فولجوا اليه كل باب حتى تهاووا إلى السرقة عمداً أو دون عمد. كل هذه الأمور ترينا أن النقد الأدبي قد وجد الأسباب فدق الأبواب وولج الأعتاب وعاش بين القوم في أخفض جناح وأخصب مراح. ويضيق المقام إذا ذهبنا نعد الأمثال ونضربها. فلنكتف بالإشارة عن العبارة، وبالتلميح عن التصريح فنقول. روي المقربزي في خططه أن الملك الأشرف خليلا عاد في عام ٦٩٠هـ من الشام بعد أن فتح عكا، فلقيته القاهرة برجالها في حفل عظيم، وتقدم ابن العنبري الشاعر فأنشد قصيدة قال في مطلعها: زر والديك وقف على قبرهما ... فكأنني بك قد نقلت اليهما فتطير الأشرف من هذا البيت ونهض قائماً حانقاً وهو يقول: ما وجد هذا شيئاً يقوله سوى هذا البيت!؟ وروى تاج الدين السبكي في طبقاته عن تاج الدين المراكشي، قال: دخلت عليه مرة وهو ينشد قول أبن تقي. حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق وقول الحكم بن عقال: إن كان لا بد من رقاد ... فأضلعي هاك عن وساد ونم على خفقها هدوءاً ... كالطفل في هزة المهاد وهو ومن عنده يقولون أن قول الحكم أجدر بالصواب فإنه لا يتناسب المحب أن يبعد حبيبه. وينشدون قول صلاح الدين الصفدي - أمتع الله ببقائه - في ذلك رداً على أبن تقي: ابعدته من بعد ما زحزحته ... ما أنت عند ذوي الغرام بعاشق إن شئت قل أبعدت عنه أضالعي ... ليكون فعل المستهام الوامق أو قل فبات على اضطراب جوانحي=كالطفل مضطجعا بمهد خافق قلت - أي السبكي - (إن أبن تقي وإن ساء لفظاً حيث قال   (أبعدته)  فقد أحسن معنى، لأنه وصف أضلعه بالخفقان والأضطراب الزائد الذي لا يستطيع الحبيب النوم معه عليها فقدم مصلحته على مصلحته وترك ما يريد لما يريد، وأبعده عما يقلقه، ولو قال   (أبعدت عنه أضلعاً تشتاقه)  لأحسن لفظاً كما أحسن معنى. وأما الحكم فإنه وصف خفقانه بالهدوء، وهو خفقان يسير يشبه اضطراب سرير الطفل. وهكذا نقص، فوقع النزاع في ذلك. وأرسلوا إلى القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل العمري - رحمه الله - صورة سؤال عن الرجلين   (أبن تقي)  و   (الحكم)  أيهما المصيب. فكتب: قول أبن تقي عليه مأخذ لكنه قول المحب الصادق. يكفيه في صدق المحبة قوله ... كي لا ينام على وساد خافق ما الحب إلا ما يهد له الحشا ... ويهد أيسره فؤاد العاشق الخ هذا مثل من أمثلة المجالس الأدبية ومجالس النقد، وفي الطبقات وغيره أشباه له كثيرة. أما السرقات الأدبية فقد زاد خطرها وتطاير سررها في هذا العصر. ومن شعرائه من سطا على غيره بدعوى التضمين قال مجير الدين بن تميم: أطالع كل يدوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري أضمن كل بيت فيه معنى ... فشعري نصفه من شعر غيري واشتهرت سرقات أبن نباته من علاء الدين الوداعي، كما أشتهرت سرقات صلاح الدين من الجمال بن نباتة ولما وقف أبن نباتة على مسروقات ألف في ذلك كتاباً سماه (خبز الشعير) لأنه مأكول مذموم ونقد فيه الصفدي وأورد كثيراً مما سرقته - وقد نتبع أبن حجة في كتبه عشرات من سرقات الصفدي وأبن نباتة وغيرهما. ومن ذلك قول أبن نباتة: ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراكي فقال الصفدي: أغار على سرح الكرى عندي ما رمى ال - كراكي غزال للبدور يحاكي فقلت أرجعي يا عين عن ورد حسنه=ألم تنظريه كيف صاد كراكي على أن أبن حجة هذا قد تعقبه أديب آخر هو شمس الدين النواجي فنقده في كتاب سماه   (المحجة في سرقات أبن حجة)  وللبدر الدماميني كتاب آخر نقد فيه شرح الصفدي للأمية العجم وأسمه   (نزول الغيث) . وبعد فما تقدم نشعر بمقدار عناية أدباء هذا العصر بنقد الأدب، وبيان زائفه من طارفه وهذا دليل على الحيوية الأدبية واليقظة الفكرية، ولا يقدح في هذا أختلاف أذواقهم عن أذواقنا فلكل أهل عصر في آدابه ونقده أتجاه وقواعد وأذواق. محمود رزق سليم مدرس الأدب بكلية اللغة العربية شخصيات عباسية جحظة المغني الشاعر ٢٢٤ -  ٣٢٤هـ للشيخ محمد رجب البيومي (تتمة ما نشر في العدد الماضي) لم يكلف جحظة بالطعام وحدة بل كان كلفه بالشراب موضع الغرابة حتى تلاشت بجانبه الشهوة إلى المأكل في أواخر شبابه فهو يقول: قد قلل الإدمان أكلي فما ... أطعم زاداً قيس أبهام فالحمد لله وشكراً له ... قد صرت من بائد اقوام قوماً ترى أولادهم بينهم ... للجوع في حلة أيتام وقد حدا به الإدمان الفاحش إلى التردد إلى الديارات المنتشرة في بغداد وضواحيها المتقابلة، فأخذ الراية من أبي نواس، ووكل إلى نفسه الدعاية البارعة إلى ما في الأديرة من متع وملاذ، وأصبح شعره في هذا الموضوع وسيلة كبيرة من وسائل التعريف بما هناك. وأنت ترى الشابشتي وياقوت والعمري وجميع من كتبوا في هذه الناحية يروحون عن قرائهم بقصائد جحظة، والواقع أن الديارات كانت فتنة كبيرة من فتن الشيطان، فهي تقام بين الحدائق والبساتين وبها من العذارى الراهبات ما يستخف الوقور؛ والغريب أن خلفاء المسلمين كانوا يؤمونها مع الشعراء والماجنين، وأي إنسان يرى نفسه في حديقة مورقة، وعن يمينه ثم لا يقدم على انتهاك الحرم في هذا الجو الإباحي الخلاب، واليك ما وصف به جحظة دير الزندورد لتقف على ما بهذه الأماكن من مغريات جاذبات: سقيا ورعيا لدير الزندورد وما ... يحوي ويجمع من راح وريحان دير تدور به الأقداح مترعة ... من كاف ساق مريض الطرف وسنان فالعود يتبعه ناي يوافقه ... والشدو يحكمه غصن من البان والقوم فوضى ترى هذا يقبل ذا ... وذاك إنسان سوء فوق إنسان هذا ودجلة للرائين معترض ... والطير إنسان يدعو هديلا بين أغصان ولقد اختص أبو الحسن دير العذارى بوده ومحبته؛ فقد رأى فيه من المتعة واللذاذة ما ليس فى غيره. فكان فيه معانة ومغداه؟ واليه مراحه ومأواه، وطالما جمعه بكثير من الشعراء والأدباء، فيتذاكرون ويتناشدون. وقد يغلبه السكر فيخرج على حال كريهة في المنظر والهيئة: فثيابه مبتلة، ورائحة الخمر تتقدمه، ثم هو يدافع عن نفسه في هذا الوضع البغيض، فيقول: قالوا قميصك مغمور بآثار ... من المدامة والريحان والقار فقلت من كان مأواه ومسكنه ... دير العذارى لدى حانوت الخمار لم ينكر الناس فيه أن حلته ... خضراء كالروض أو حمراء كالنار وعشاق الأدب يطربون لما تغني به جحظة في دير العذارى، فقد رسم لهم منظراً من مناظره الضاحكة فسمعوا صلصلة الناقوس ورأوا القسيس يترنح من السكر، ثم ينهض إلى القيام فيرتعش من الإدمان، ويغنى فتتقاطر دموعه على خده، وأخيراً يخلص إلى الحنين لهذا العهد فيقولك ألا هل إلى دير العذارى ونظرة ... إلى الخير من قبل الممات سبيل وقد نطق الناقوس بعد سكوته ... وشمعل قسيس ولاح فتيل يريد انتصابا للقيام بزعمه ... ويرعشه الإدمان فهو يميل يغنى وأسباب الصواب كمده ... وليس له فيما يقول عديل (ألا هل إلى شم الحزامي ونظره ... إلى قرقري قبل الممات سبيل) وثنى يغني وهو يلمس كأسه ... وأدمعه في وجنتيه تسيل سيعرض عن ذكرى وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل سقى الله عهداً لم تكن فيه علقة ... لهم، ولم ينكر على عذول وأنا أعجب كيف عرج أبو الحسن على قسيس الدير فلم يتنقصه مع أنه كان يقع الجلسات الطويلة متحدثاً فيما يعرفه من علائق القسس بالراهبات، وكثيراً ما كان يغنى بقول القائل: أن بالحيرة قساً قد مجن ... فتن النساء فيه وأفتنن هجر الإنجيل من حب الصبا ... ورأى الدنيا متاعاً فركن وأنا أعتقد أن رجال الدين على جانب كبير من التقوى والصلاح وقد ينذر فيهم من تزن قدمه في وهدة الخطأ، فيأخذ البرءاة على كثرتهم بآثار المذنبين، ومن ذلك ما زعمه الجاحظ من أن فتياناً من تغلب أرادوا قطع الطريق على ركب يمر بهم ثم جاءتهم العين بأن السلطان قد عرفهم وجد في طلبهم، قال أحدهم فأحتجبنا في الدير فلما أملنا قال بعضنا لبعض: ما عنينا أن نشد القس بوثاق ثم يخلو كل واحد إلى راهبة عذراء، فأذا طلع الفجر تفرقنا في البلاد وكنا جماعة بعدد الراهبات فوجدناهن كلهن ثيبات قد فرغ منهن القس، فهذه قصة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة، ولكن الشعراء قد ندووا بها أفضح تنديد فكان مما قيل: وأفسق من راهب يدعى ... بأن النساء عليه حرام إذا ما مشى غض من طرفه ... وبالدير في الليل منه عرام ودير العذاري فضوح لهن ... وعند اللصوص حديث تمام ولقد حظيت الراهبات بالروائع البديعة من شعر جحظة، وما ظنك بشاعر قضى عمره الطويل في تطلبهن بأديارهن فهو لا يفتأ يرحل إلى كل مكان عراقي يحللن به، ولولا فقره المدقع لا تنقل إلى الشام ومصر في تصيدهن كما فعل أستاذه أبو نواس وهو في غزله يعبر عن الواقع ولا يتعداه فيقول: وظباء يتلون سفراً من الإنجيل باكرن سحرة قربانا لابسات متن المسوح ثيابا ... جعل الله تحتها أغصانا خفرات حتى إذا دارت الكأ ... س كشفن النحور والصلبانا كما أنه كان يستعين بأصدقائه الموسرين على نفقات السفر وأجور الارتحال، ومن هؤلاء إبراهيم بن المدبر أحد ولاة الدولة وكتابها وسراتها، ولعل السر في صداقتهما الوطيدة هو اجتماعهما على حب عريب المغنية فقد جن إبراهيم بها جنوناً عارماً، وكان أبو الحسن من صنائعها المقربين فقد منحته الهبات الوافرة لانتسابه إلى سيدها وولي نعمتها الأول جعفر البرمكي، لذلك نجده يتحمس لغنائها، ويبالغ في مدحها على غير عادته، قال جحظة: قال أبو العباس بن حمدون: ليس غناء عريب مما يعتد به لكثرته، لأن سقطه كثير وصناعته ساذجة، فقلت له: ومن من مغني الدولة العباسية سلمت صناعته كلها حتى تكون عريب مثله وأخذت أعد أكثر من مائة صوت لها وهو يعترف بجودتها، فقال لي أخيراً ما خلفت عريب امرأة مثلها في الغناء، فقلت له، ولا كثيراً مثلها في الرجال. فأنظر إلى دفاع جحظة عن عريب وأقرلاته بما تعرفه عنه من تحامله على كل مغن وتنقصه لما يسمع من الألحان، جيداً كان أو رديئاً، قال أبو الفرج:   (ومذهبه - أي جحظة - في كتاب الطنبوريين أن يثلب جميع من ذكره من أهل صناعته بما يقدر عليه من الثلب، وبما يعلم وما لا يعلم من الراي)  وليس الكتاب بأيدينا لنستدل على ما ذكره صاحب الأغاني، ولكنه ثقة فيما يقول: وكنت أتمنى أن يبقى الدهر على شيء من كتب أبي الحسن حتى نعرف طريقته في البحث والتبويب، فقد ألف كتابين في الطعام، وآخرين في الغناء، وكتاباً في التنجيم، وديواناً جمع أشعاره الكثيرة ولكن حظه النكد قد اضاع ثروته الأدبية ونحن ننظر إلى ما بقى من كلماته النثرية فنشهد له بالجودة كأن يقول في حمل مشوي: الشهيد بن الشهيد، ذهبي الدثار، فضي الشعار، وكأن يواسي رجلا سرق ثوبه فيقول: هون عليك فليس قميص يوسف، ولا برد النبي، ولا رداء الشباب، أضف إلى ذلك نكاته الفكهة كقوله عن دعوة حضرها: كل ما فيها بارد إلا الماء وأمثال ذلك كثير. أما منزلته في الغناء فقد قال صاحب زهر الآداب: (إنه ممتد النفس حسن المسموع، طيب الصوت، إلا أنه كان ثقيل اليد في الضرب! ويذكر جحظة عن نفسه أنه وفد على المقتدر مع جماعة من المغنين فأعطاه مائتي دينار، وأعطى كنيزة ثلاثمائة، وأعطى غيرهما مائة، ومن هنا ندرك أنه كان فوق الوسط في صنعته، ولا سيما وقد أعترف أبن الرومي به - على عدائه له - فقال يهجوه: نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان وارحمتا لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان ولو كان رديء الصنعة ما كان لصوته لذة، ولست أدرى السبب في تحامل أبن الرومي عليه، ولعله لما اشتركا فيه من التزاحم على الموائد، والشره في الأكل؛ فقد قيل في المثل العامي: الضيف يكره الضيف، وصاحب المنزل يلعنهما بلا انقطاع!! ويهمنا أن نتحدث عن شعره فنعلن انه لم يجر على عادة غيره من شعراء عصره فيرسل المدائح الطويلة، مفتتحة بالغزل الصناعي بل كان يجيش صدره بالمعنى، فيصوغه في عدة أبيات، وأحياناً يسهب في نظمه ولكن فيما يتعلق بحياته الخاصة، فهو من هذه الناحية شاعر يحترم فنه فلا يعبر عن غير ما يختلج في حناياه، لذلك تجد إنتاجه منصرفاً إلى مجالس اللهو وتصوير ما يمثل في الحانات من مناظر العبث والشراب، على أنك تلمس إبداعه حين يبتدئ فيصف المكان اولا ويتكلم عن المدامة والساقي ثانياً ثم ينتقل إلى المغنى فيسمعك رنين الأوتار، ويريك ترنح الشاربين، إذ يقول: طرقنا   (بزوغي)  حين أينع زهرها ... وفيها لعمر الله للعين منظر فكم من بهار يبهر العين ضوؤه ... ومن جدول بالبارد العذب يزخر ومن مستحث للمدام كأنه ... وإن كان ذمياً أمير مؤمر شقائق تندى بالندى فكأنما ... خدود عليهن المدامع تقطر فكم ساقط سكراً يلوك لسانه ... وكم قائل هجراً وما كان يهجر وكم منشد بيتاً وفيه بقية ... من العقل إلا أنه متحير وكم من حسان جس أوتار عوده ... فألهب ناراً في الحشا تتسعر يغني وأسباب الصواب تمده ... بصوت جليل ذكره حين يذكر (فكان مجني دون ما كنت أتقي ... ثلاث شخوص كأعيان ومعصر) ولعل فيما أسلفنا من شعر أبي الحسن ما يوقفك على اشراق لفظه ورقة معناه، والحق أنه تأثر بأبي نواس في أغراضه، وإن تخلف عنه جزالته، وعذره أنه كان يوزع جهده بين الشعر والغناء والتأليف، هذا إلى ثقافته الواسعة في اللغة والنحو والفلك فقد أثقلت عقله فلم يتمكن من التحليق كما تمكن الحسن بن هانئ، على أنه كان تشبيه بارع لا يتأتي للكثيرين كأن يقول: ورق الجو حتى قيل هذا ... عتاب بين جحظة والزمان أو يقول: دليل في جوانبه حران ... فليس لطول مدته أنقضاء عدمت مشارق الإصباح فيه ... كأن الصبح جود أو وفاء وأحياناً يعمد إلى الفكاهة الماجنة، فيصوغها في خفة ودعابة إذ يقول: رأيت الغانيات صددن عني ... وأعرضت المقبلة الرداح وقلن مضت بشرتك الليالي ... فقلت نعم وقد رث السلاح وقد جرى مع البحتري في وصف ثقيل بارد فقال الوليد أبياته الشهيرة في هجاء أبن الجهم وقال جحظة على طريقته ونهجه: يا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التدويع بين الحمول يا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول يا نهضة المحبوب من غضبة ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول يا شوكة في قدم رخصة ... ليس إلى إخراجها من سبيل وهذا طراز من الشعر إن دل على شئ فإنما يدل على تمكن صاحبه من صناعته، وإن كان لا يرضى من يتطلب التنويع في المنحي والتعدد في الاتجاه، لا أن يسير الشاعر على نمط واحد، وكأنه بناء آلي يضع حجراً على حجر. وقد عاش الشاعر قرناً كاملا قضى فيه أربه من اللذة والمتعة وإن كان الوهن قد دب اليه في أواخر عمره فوقع فيما ى يرتضيه من المرض والهزال، وحينذاك تقوست قناته وثقلت حركته، وأصبح من الموت قاب قوسين فصاح يرثى نفسه: هي التسعون قد عطفت قناتي ... ونفرت الغواني من وصالي كأني بالنوادب قائلات ... وجسمي فوق أعناق الرجال إلا سقياً لجسمك كيف يبلى ... وذكرك في النوادب غير بالي ثم خمدت أنفاسه، فسكت وتر، وجف كأس، وخلا سامر، ومات إنسان. محمد رجب البيومي. سلافان محنة القردية في الأدب المعاصر للأستاذ شكري محمد عياد (بقية ما نشر في العدد الماضي) ويعود سلافان إلى وحدته المريرة اللذيذة، ويستدير أعوامه الأربعين، وقد شغل بتحديد وجهته في الحياة، فهو يقول عن حياته في تيك الأعوام:   (أربعون سنة ولم أفعل شيئاً: ولو مت هذا المساء ما استحققت أن يذكر أسمي على لسان، ولا أن تبقى صورتي في ذاكرة. ليتني لا أموت هذا المساء! دعاء أرفعه إلى الفضاء، أو قل إنني أسأل القدر، ما دمنا لا نعرف غيره، فما أظن أن الدعوة الحارة لا تجد صدى ولو لفظت في الصحراء) . وهو ينظر في أمره كله ويقبله على جميع وجوهه، حتى إذا أستقبل عامه الأول بعد الأربعين كان قد أستقر عزمه على أن يتأ له أو يكون قديساً، فهو يبدأ     (يومياته)   ليسجل خطواته في هذا السبيل. ولكنه لا يؤمن بالدين، فهو لا يريد أن يكون قديساً كقديسي الكنيسة، بل يريد أن يحيا حياة القديسين، يريد أن ينعم بلذة الفضيلة، يريد أن يرفع الفضائل النفسية - في ذاته هو - إلى أوج من العظمة. وهو يرى أنه بهذا يفي بحاجة من حاجات العصر: حاجته إلى قديسين، فقد كان لكل عصر قديسوه، ولكنه لا يرى لهذا العصر قديسين. ويأخذ في جهاد نفسه جهاداً منظماً، يدونه في     (يومياته)   وكلما خرج من معركة من هذه المعارك النفسية وجد نفسه مريضاً أو مستغفلاً، أو محتقراً. . . ووجد أنه لم يبلغ من فضائله المنشودة شيئاً. وذلك لأن قديسي العصور القديمة كانوا يمارسون فضائلهم معتمدين على إيمان وثيق بالله واليوم الآخر، كانوا يعتقدون أن الحق في جانبهم، وإن الله معهم، فكان في أعماقهم ثقة وأطمئنان وجلال. أما هو فلا يؤمن بقوة خارج نفسه، ولا يبحث في جهاده إلا عن نفسه، ففضائله تبدو سخيفة مضحكة، إذ يعوزها الوسط الذي لا تنشط إلا فيه، وكأنما هو رجل يحرك شفتيه بالغناء فلا يتجاوز غناؤه حنجرته. ويتمنى سلافان أن يؤمن، ويرتاد الكنائس، ويعترف، ولكنه يحس في هذه التجارب كلها شيئاً من الصدق. إنما هي حركات وأقوال لا تصدر من قلوب قائليها، ولا تصل إلى قلوب سامعيها. هي اشبه بالبقايا المتحجرة من عصور إنسانية بائدة. ويكتب إلى قس بروتستنتي يسأله النصح لروح ضالة، فيكتب اليه كتاباً موجزاً ذا رقم وتاريخ، ويحدد له ساعة يلقاه فيها بعد أسابيع. . . . ويقابله في مكتب كمكاتب رجال الأعمال، وإذا هو امام قس يرشد الارواح الضالة   (بالجملة) ، على طريقة الإنتاج بالجملة، ويرد الإيمان إلى النفوس الحائرة بأحدث أساليب التحليل النفسي. لا يستطيع سلافان، إذا، أن يكون قديساً. وتنتهي هذه التجربة الأليمة بمرض طويل في مستشفى مجاني، دخله على أثر حمى أصابته لأنه قدم معطفه وحذاءه - في الشارع وفي ليلة من ليالي الشتاء - إلى أفاق لئيم، لم يجد ما يعطيه إياه، فآثر أن يقدم اليه كساءه على أن يحتمل نظرة الشك التي صوبها اليه. ويخرج سلافان من المستشفى وقد كسبته هذه التجربة نوعاً من الهدوء، ولكنه ما زال يبحث. . . يبحث بالمعنى المطلق لهذا الفعل، كما يقول. ويهديه البحث إلى   (نادي شارع ليونيه) ، وهو ليس بناد على الحقيقة، إنما هو حانوت إسكاف فقير يجتمع فيه بعض الشيوعيين الثوريين الذين يدعون إلى مجتمع جديد. يجتمعون فيه خفية حيث يتباحثون في مشاكلهم ويدبرون أموهم، وليس سلافان واحداً منهم وإنما هو في اصطلاحهم   (عاطف)  وكما يقول أحدهم:   (من أولئك المثقفين الذين ينزلون إلى الشعب. طراز ١٩٠٠) . فهم لا يطلعونه اذاً على كثير من أسرارهم، ولكنه يفهم أنهم يطمحون إلى حياة أسعد، ويراهم يعيشون عيشة خشنة، ويعلم أنهم يلاقون ألوان الاضطهاد، ونفسه نزاعة إلى السمو، ذواقة للألم، فبينما هو يفكر أن يلقى بنفسه في تلك النار، يعلم من أمرهم ما لم يكن يعلم، فهم ثوريون فنيون، لا يبالون كثيراً بالفرد، لأن همهم تغيير المجتمع، وإنما يأتي صلاح الفرد بعد صلاح المجتمع، عندئذ تنفر منهم فرديته فيقول لهم:   (إنني لا أسمح لنفسي بأنتقادكم، وأغلب ظني أنكم ما دمتم مقدمين على هذا الأمر فيم ما يدعوكم إلى ذلك. ولكنكم تستطيعون أن تغيروا ما يسمى النظام، وتستطيعون أن تخلفوا الطبقة الحاكمة، تستطيعون أن تغيروا كل شئ ولكنكم إذا لم تغيروني أنا ٠أنا سلافان مثلا - فإنكم لم تغيروا شيئاً!) . فإذا سأله سائل منهم:   (ولماذا تلح هكذا في تغيير نفسك؟)  أجاب في صوت خفيض ولكنه واضح يسمعه الجميع:   (لأني. . . لأني جبان) . ويعكف وحده على هذه الفكرة يديرها في نفسه حتى ينتهي فيها إلى نوع من الفسلفة. إنه يريد أن يغير روحه، ولكن ليس في ذلك شئ من المغالاة ولا تكليف الأمور غير طبائعها، بل أنه تجربة معقولة. فروحه لست إلا أربعين سنة من الحوادث والأفكار والإشارات والأقوال. إنها الحي الذي يعيش فيه، والمنزل الذي يسكنه، وملابسه وأثاث بيته، وزوجه وأمه العجوز. إن ما يسميه روحه هو ذلك العالم المألوف الذي يضغط عليه ويخنقه، والذي هو أن يرفعه عن عاتقه ويطوح به. ولكن سلافان لا يفارق أصحابه الثوريين حتى يدهمهم البوليس ويقضي ليلته في السجن. ويعود إلى داره في صبيحة ذلك اليوم ليجد أمه تهلك أسى. . . كأنما أنفسح له المجال لينفذ مشروعه الجديد، فهو يودع زوجته بخطاب قصير، ويمضي ليجرب أن يكون رجلا آخر غير سلافان. وقد تعلم هذه المرة ألا يطمح إلى أفعال رائعة. . لن يحاول أن يكون قديساً، بل يكفيه أن يكون إنساناً، يخفف آلام المنكوبين من البشر، وما أكثرهم! فتراه في القصة الأخيرة   (كما هو)  يعيش في الجزائر بأسم   (سيمون شافجران) ، وكيلا لشركة   (فونوغرافات) ، وقد حلق لحيته واستبدل بنظارته المعدنية عوينات ذهبية الإطار، وأصبح يحظى بإجلال عارفيه لأنه لا يفتأ يضرب الأمثال على تضحيته وإيثاره وحبه للإنسانية. فهو قد أنقذ صبية صغيرة من بين عجلات القطار في مرسيليا، وقد تبرع بدمه لجريح، وتطوع لتمريض المصابين بالطاعون. ثم هو يرعى خادمه   (مختاراً)  ويعلمه القراءة والكتابة ويحاول أن يثنيه عما هو منغمس فيه من قبيح العادات. إذن فقد أصبح يمارس أعمال الخير حقاً، ولم يعد يجرب أكتساب الفضائل بطرق خيالية. ولكنه على ذلك كله غير راض عما يفعل! لماذا؟ إنه غير مجرد من كل تفكير جماعي، فلعله يرى أن طيبته وإنسانيته لم تخففا شيئاً من آلام الناس. ولكنه لم يقدم على هذه التجربة الكبيرة لينقذ الإنسانية، بل أراد أن ينقذ الإنسانية في نفسه اولاً، بأن يكون إنساناً فاضلا فيما يأتي وما يدع، عن سليقة وعادة لا عن تفكير وإرادة. وهو يرى أنه لم يبلغ من ذلك شيئاً. فهو يرتد ثانية إلى نفسه، ويصارح صاحباً له: (كيف يستطيع المرء ألا يكون إلا ما هو؟ وكيف يحاول أن يكون غير ما هو بغير أن يصيبه الجنون؟). هو إذاً لم يتقدم خطوة منذ فكر أن   (يغير روحه) . ولكنه يتعلم شيئاً واحداً: يتعلم   (أن العمل الطيب إنما هو ثمرة تفكير يوازن ويختار. أنه النتيجة الثابتة الرائعة لصراع باطني كبير) . وتدخل هذه الحكمة على نفسه شيئاً من الهدوء. . . فهو يستطيع اذاً أن يصل إلى السلام النفسي الذي ينشده عن طريق هذا الصراع الباطني الموجه دائماً نحو غرض طيب. وتأتي نهاية سلافان في عمل من هذه الأعمال الطيبة. قتل خادمه مختار رجلاً إيطالياً برصاصة مسدس، وكان سلافان يستطيع - بشيء من حضور الذهن - أن يمنع الحادث، ولكنه لم يفعل، وأعتصم الخادم بقبو المنزل. فسار اليه سلافان يصرع اليه بأن يخرج ويعده أن يدافع عنه، وإذا بالخادم يرديه بطلقة من مسدسه. عمل من أعمال الطيبة! عمل يودي بصاحبه دون جدوى ولكنه يأتيه بالسلام النفسي الذي ينشده، لأنه انتصار على تردد النفسي وجبنها، ومواجهة للجهل والظلم والشر، ولأنه لطف ورحمة، ولأنه عفو ومغفرة. وتلك هي الفضائل النفسية التي جاهد سلافان ليبلغها. فليكن عزاؤه إذ لم يحظ بها في حياته، إنه احسها في مماته، وليكن عذره إذ لم يبلغ السلام النفسي الذي ينشده، أنه دفع حياته ثمناً له!. لست أدري ماذا عسى أن يكون رأيك في سلافان. وقد أردت بهذه المقدحة شرحاً وتفسيراً، ولم أرد نقداً وموانة، على أني أكتفي بأن أقول إن سلافان أبعد عن الواقع وأقرب إلى أن يكون دعاوة لأفكار الكاتب، ولأن سلافان الشاب أ وع سخرية وأقل تشاؤماً على رغم ما ينتابه من يأس عنيف. شكري محمد عباد أقرأ معي وقف برناردشو في جماعة العمل الحر بالجمعية الغابية بلندن يلخص العدالة الأجتماعية التي يرجوها لبني وطنه فقال: إن مطالبي من لندن، ومنزل ريفي جميل، وسيارتان، وثلاثة أو أربعة آلاف من الجنيهات، ومع ذلك لا يكون هناك شخص أقنع من برناردشو في إنجلترا. إن أصحاب الملايين العديدة يصفونني لطلبي المتواضع هذا بأنني شيطان فقير؛ ولكني أرى أن ما طلبت يكفيني أن أعيش بسهولة في هذا الوضع الاجتماعي العادل أحب أن أرى كل رجل وأمرأة. الولايات التسع   (لجبران خليل جبران) ويل لأمة تنصرف عن الدين إلى المذهب، وعن الحقل إلى الزقاق، وعن الحكمة إلى المنطق. ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر. ويل لأمة مغلوبة تحسب الزركشة في غالبيها كمالاً، والقبيح فيها جمالاً. ويل لأمة تكره الضيم في منامها وتخنع اليه في يقظتها. ويل لأمة لا ترفع صوتها الا إذا سارت وراء النعش، ولا تفاخر الا إذا وقفت في المقبرة، ولا تتمرد الا وعنقها بين السيف والنطع. ويل لأمة سياستها ثعلبة، وفلسفتها شعوذة، أما صناعتها ففي الترقيع. ويل لأمة تقابل كل فاتح بالتطبيل والتزمير، ثم تشيعه بالفحيح والصفير، لتقابل فاتحاً آخر بالتزمير والتطبيل. ويل لأمة عاقلها أبكم وقويها أعمى ومحتالها ثرثار. ويل لأمة كل قبيلة فيها أمة. وضعت جمعية المحامين في نيويورك بناء على اختباراتها الكثيرة في القضايا المختلفة بين الزوجين، والمؤدية إلى شقاء السرة وخراب البيت عشر وصايا للزوج، هي: لا تكن بخيلا فالزوجة وإن يكن لها صبر على الفقر لا تحتمل البخل والتقتير متى كان زوجها في سعة. أترك الأمور المنزلية لزوجتك تديرها كيف شاءت. أبتسم في بيتك. أبتسم دائماً ولو كنت مهموماً؛ فالابتسام أحسن ما يقوي السعادة الزوجية. لا تخف أن تطلع امرأتك على محبتك الشديدة وتقديرك لها، وأقرها الطيب في حياتك. كن دائماً حبيباً لا زوجاً فقط، فالمرأة تكره أن ينتهي الحب حالما ينتهي شهر العسل. لا تعنف زوجتك مهما كانت الظروف صعبة. أبتعد عن أقاربك وأقاربها ما أستطعت، وأبنيا بيتكما كما تريدان. لا تسكن معك رجى غريباً؛ فإن النمر في بيتك أقل خطراً من ذلك. لا تهمل في لباسك وهيئتك وعوائدك أمام زوجتك بل أبق معها كما كنت أيام الخطبة. عامل أولادك بالحنان والمحبة والعدل؛ فأنك بذلك تأسر قلوبهم وقلب أمهم معهم. قرأت في إحدى نشرات جمعية التاريخ الجديد بنيويورك الفقرات التالية عن السلام لبعض شبيبة العالم. تحولوا إلى الشبيبة الراغبة في السلام وفي حياة أفضل فالشيوخ لا يفهمون.   (تشيكوسلوفاكيا) تظل الحروب أخذة مجراها ما دام الرأي العام لا يعترض عليها.   (إنجلترا) لتمت الأمم لكي تحيا البشرية.   (فرنسا) اغرسوا في الفتيان تلك الفضائل التي تجعلهم من وطني ولايات العالم المتحدة.   (هولندا) يجب على الفتيان أن يحرروا أنفسهم من تعصبات الهيئة الأجتماعية المفلسة.   (رومانيا) قاطعوا خطب الأساتذة الممالئين للجندية وأثيروا هياجاً هائلاً ضد الحرب.   (إيطاليا) على الشيبة أن تحرر نفسها من عادة المغالاة في احترام التقاليد الميتة وأن تنهض من غفلة الإذعان للأصنام التي يجب عليها أنزالها عن عروشها.   (البرازيل) نشرت مجلة عدة حقائق عن السكر نقتطف منها ما يلي: عرفت زراعة قصب السكر منذ ٣٠٠ سنة قبل الميلاد في الهند ومنها عرف في بلاد الفرس ثم بلاد العرب وبعد ذلك بألف سنة أخذه أهل مراكش إلى أسبانيا ومنها عرف في إنجلترا بعد خمسة قرون. كان السكر حتى القرن الخامس عشر يستعمل كدواء فقط ولثمنه المرتفع في ذلك الوقت لم يكن في قدرة السواد الأعظم من الناس أن يشتروه. كان أول من أستخرج السكر من البنجر هو بنيامين دليسه عام ١٨١١ عندما لم تتمكن فرنسا أبان حروبها من الحصول عليه من الخارج. وقد أنعم عليه نابليون بوسام الشرف تقديراً له. أجمع أطباء نيوزيلندا على أن نقص السكر في الجسم يسبب ميلا إلى الإجرام وقد فحصوا دم عدد كبير من المجرمين فوجدوا فيه نقصاً كبيراً في الجليكوز. (الأبيض - السودان) إيليا حليم حنا. عادت النار. . . . للأستاذ محمود حسن إسماعيل (إلى النار التي أندلع لهيبها في رمادي. . . فكادت تورق في عذابه أغصان الزوال!) وما كدت ابصرها في الظلام ... وأصغي لأنوارها في دجاه تلفتُّ فأهتزَّ فِيّ الرَّمادُ ... وشبتْ من الموت رؤيا لظاه وأَما اليها سكونْ الزَّوال ... فضجتْ بجنبيه نارَ الحياهْ وهَّبت قبورُ سلاها الفناءُ ... ولم يبق فيها لباكِ شكاه سلونا وضعنا وضاع الرباب ... وسرنا خريفاً جفاه الرعاه وكل الذي كان في كأسنا ... بقايا الندامة عند العصاه وجرح خفي حملنا أساه ... ودرنا به صرخة في فلاه! فمن أين يا رب هذا الضياء ... ولا أعرض فيها نقيم الصلاه؟! تلفت! واهاً على الحائرين ... إذا بوغتوا باخضرار الفلاه! عناء، وعشب، ومجرى غدير ... توهج من نشوة شاطئاه وصبحُ مزاميره في الفضاء ... وترجيعها كامن في حشاه وماض رخيم الردى، كلما ... تزايلت معناه، ألقى عصاه فأطرقت حتى عبرت الزوال ... وهيّلت أحلامه في ثراه!! وقلتُ الهوى لم يضع. . إنما ... أضاعت خطاها إليه فتاه تعالى نسرْ في خضم العذاب ... وزورقنا ساخر من أساه تعالى نواصل سرى العاشقين ... ونركب جنون الصبا للحياه ونمشي. . ونمشي. . إلى أن نزول ... ويلقفنا سكرة منّهاه فإن ساورتنا رياح الزمان ... دفنا أساها بنار الشفاه تعالى نحلق بهذا العذاب ... ونمضِ إلى كل أفق نراه تعالى فإني لمحت الوجود ... بعينيك حيران تعوى رباه خمائله باكيات الظلال ... وغدراته ظامئات المياه ونوح نجفنيك شاجي الأنين ... عبرت الدجى مطرقاً في صداه وليل بصدرك خابي النجوم ... صفير الأعاصير أشقى دجاه سمعت الخيانة في غابه ... وحياتها تستفز الرقاه تدب إلى كل أيك رطيب ... وتُجري مهالكها في ثراه! وجنات شوق رطاب اللهيب ... قريبات عهد بسحر الإله بجنبيك فضت أفانينها ... شواظاً من العطر يبكي شذاه لهن أرتجاس تبيد الذنوب ... إذا وسوست شهقة في حماه وفيهن مهوى ضلال السنين ... إذا أزهقت شارداً في هواه وبحر من التيه نائى الضفاف ... تلاشى وأوغل بي شاطئاه عبرنا بأمواجه اللاهثات ... عذاباً تضلّ الليالي سُراه على زورق رافضي الشراع ... تلجلج في عاصف ثم تاه. . . وتهنا به في خضم حزين ... جفا الفلك تياره وأشهاه! تعالي فإني مناد غريب ... على قمة لم تقم في حياه عبرت الليالي بناد شجي ... وقلب شقي طغت علّتاه! فهيا نغني لهذا الرماد ... وحلماً عميقاً يناغي كراه! تعالي. . . فما في حياة العباد ... لأمثالنا غير تلك الصلاه! محمود حسن إسماعيل الأدب والفن في أسبوع حول جوائز فؤاد الأول الأدبية: قالت   (أخبار اليوم)  إن الأدبيين الكبيرين إبراهيم عبد القادر المازني وتوفيق الحكيم أرسلا إلى معالي وزير المعارف خطابا نشرت نصه، وهما يقولان فيه إنه قد بلغهما أن كتباً لهما قدمت إلى مسابقة لنيل جائزة فؤاد الأول، ويرجوان استبعاد هذه الكتب، حتى يقولا:   (وإن إقحامنا في مباراة للجميع نزاحم فيها بالمناكب ناشئة الأدباء والمؤلفين فيما يستحقون من تشجيع، ليظهرنا بمظهر فيه مجافاة للذوق ومنافاة للمروءة) . وأود أولا أن أقول إن جوائز فؤاد الأول الأدبية لا تمنح لفائز في مسابقة وإنما تمنح لخير كتاب أو كتب ظهرت في السنوات الخمس الأخيرة؛ وينص مرسوم إنشاء هذه الجوائز على أن اللجنة تبحث فيما تختاره من الإنتاج وما يقدم إليها من أصحاب الإنتاج أو غيرهم من الهيئات التي ينتمون إليها. وأقول ثانياً إن جوائز فؤاد الأول ليست مباراة لناشئة الأدباء والمؤلفين، وأستطيع أن أقول استنتاجاً من فهمي لوضعها الرسمي: إن من سمنح الجائزة سواء أكان واحداً أو أكثر لا يمكن أنه يقل مستواه الأدبي عن طبقة الأستاذين المازني وتوفيق الحكيم. . . . فلهما أن يطمئنا على مروءتهما وعدم مجافاتهما للذوق. وقد فرغت اللجنة من مهمتها في يوم الأربعاء الماضي وقد علمنا أنها اقتصرت في منح الجوائز هذا العام على الدراسات الإسلامية الأدبية. الذوق الأدبي عند الطفل: ألقى الدكتور إبراهيم سلامة الأستاذ بكلية دار العلوم، محاضرة عن   (الذوق الأدبي عند الطفل)  يوم الخميس بمعهد التربية للمعلمين، بدأها بقوله: الأدب في آخر تحليله فكرة مصورة تزجيها عاطفة. فعناصره ثلاثة: الفكرة والصورة والعاطفة. ثم قال لا بد لنا من أن نرجع بالأدب إذا بحثنا عنه في الطفل إلى العاطفة. كما لا بد من مجاراة بعض علماء النفس الذين يمثلون الطفل بالرجل البدائي الذي تحركت في نفسه المشاعر أول شئ، وكان أتجاه عاطفته نحو المعبود، وإذا تلمسنا الأدب في تلك الأزمنة البعيدة ألفيناه عند المقربين إلى الآلهة من الكنهة والسحرة فهم القادرون على التعبير عن عواطفهم بالكلام الذي ينمقونه ويزوقونه ليكون مخالفاً لكلام سائر الناس، ومن السهل أن نتصور حلقة من هذه الحلقات البدائية المقدسة، فنتصور إنشاداً وغناء وتوقيعاً وتصنيفاً ودورات متعددة مقسمة بين الكلام والحركة، ففي هذه الحلقات كان الرقص والغناء والموسيقى تعبيرات عن العاطفة عامة وعن العاطفة الدينية خاصة. فالطفل في المرحلة الأولى من طفولته لا نستطيع أن نعتمد غي إيقاظ ذوقه الأدبي إلا على الناحية العاطفية والرقص والغناء والموسيقى نافعة في تكوين الذوق الأدبي لا بد أن ننتقل من الرمزية الحركية إلى الرمزية الكلامية أي إلى إنشاد وإلقاء وغناء، فالأناشيد الجمعية المغنية والموقعة على الموسيقى نافعة جداً في هذه المرحلة. وأن يقظة الذوق الأدبي عن طريقف النثر صعبة حتى في الكبار، فليست لنا وسيلة لهذه اليقظة الأدبية مع الصغار إلا بالأناشيد والموسيقى وأختيار العبارات الانفعالية الراقصة. ثم قال الدكتور: إن طبيعة الطفولة طبيعة أدبية، فالطفل يقول لأمه أحبك كما يقول الشاعر لحبيبته، بل الطفل أرقى أحياناً من أبن أبي ربيعة الذي أحب الرباب   (عدد النجم والحصى والتراب)  وأحب الطفل لأمه (قد السكر وقد العسل والشكولاته؛ فالطفل أديب بطبعه وذوقه والمعلمون يفسدون عليه هذا الذوق. وهو يخاطب الجماد ويناجيه، فالطفلة تخاطب دميتها ويخاطب الطفل كلبه ويكلمه ويسأله ويجيب عنه، كما يخاطب الشعراء الديار والأطلال. وكلاباريد يقول: إن الطفل وهو يلعب يحلم وعيناه مفتوحتان، والشاعر إذا شعر كان في شنبه غيبوبة، والشاعر الحالم أرقى الشعراء. ولكن هذه الفنية الأدبية في الطفل لا تلبث إن تختفي بعد الثامنة لاشتغاله بالقيم اللغوية في الألفاظ ولهجرة اللغة الحرة الطبيعية التي نشأ عليها إلى لغة كلاسيكية ليس في قاموسه منها الا قليل، والمأزق هنا ضيق ليس فيه الا منفذان، إما ضياع القيم الوضعية للغة، وإما ضياع اللغة الأدبية للطفولة التي لا يعبأ فيها بالقيمة اللغوية، والمعلم اللبق من يستبقي لغة الطفل فيعد لها بدل أن يميتها ويميت معها كثيراً من العواطف والأحاسيس اللغوية والتصورات الفنية. الشعر بين حاضره ومستقبله. استمعت مرة اخرى يوم الجمعة الماضي إلى الأساتذة شوقي أمين وكامل عجلان ومصطفى حبيب، يتحاورون في إذاعة الشرق الأدنى العربية، وكان موضوع الحوار (الشعر العربي بين حاضره ومستقبله) وقد اختلفت آراؤهم ونظراتهم إلى حالة الشعر الحاضرة، فعجلان يحمل على شعرائنا الأحياء حملة شعواء ويقول إنه قلب نظره بين الشعراء بعد شوقي فلم يجد نفسه إلا ملتفتاً نحو شوقي، حتى يقول إن شوقي هو ماضينا في الشعر وحاضرنا والمستقبل غيب. ويرى أن شعراءنا لم يكونوا هم أصحاب السبق في تصوير حياتنا وخوالجنا وآمالنا في الفترة الحاضرة، وأن موقفهم يكاد يكون موقف المتخلف عن الركب. وينكر شوقي أمين أن ترمي قرائح الشعراء بالعقم أو بعده، ويرى أن شوقي بمكانته التي نالها كان من عمل الظروف الخاصة به، ولو أتيحت هذه الظروف أو أشباهها لغيره من الشعراء لرأينا شوقيين كثيرين، ويتخيل أن المجتمع الأدبي كأنما أراد حداداً على شوقي فلم يفسح المجال لشعرائنا المعاصرين كي يغنوا غناءه ويقوموا مقامه؛ ويقول إن واجبنا هو أن نتيح لناشئتنا مختلف المناهل الثقافية والأدبية، ونمهد لكل ذي نزعة أن يجد له متنفساً، وبهذا التيسير والتمهيد تتكشف العبقرية ويظهر العبقري، وسيشق لنا ذلك العبقري أفقاً نتطلع إليه معجبين، وترى فيه المثل الأعلى. ولا يرى حبيب أن الظروف وحدها أو الطبيعة وحدها تستطيع أن تخلق شاعراً نابغاً وعبقرياً، بل ثمة عوامل أخرى ترجع إلى الهبة أولا ونفاذ البصر والبصيرة ثانياً هي التي تعين على خلق الفنان. وليست البطولة العبقرية وقف على الأبهة والعظمة، فكثيرون من الأبطال شعراء وغير شعراء قد ذاقوا مرارة المنبت وعاشوا حياتهم في شظف، ومع ذلك تركوا تراثا خالداً من الأدب والمجد. ويقول لعجلان: أنت تتحامل على الشعراء، فما زلنا نقرأ لمحات من الحياة في شعر أبناء هذا الجيل، ولعلنا نظلمهم إذا قلنا إنهم متأخرون عن السابقين لأننا في مثل هذا الحكم نصدر عن مقاييس فرضنا فيها الثبات، مع أن المقاييس تتغير والحياة تسير، حتى إن معظم الشعراء والأدباء الآن ما يزالون ينسجون على منوال الأعصر الحالية في الشعر والأدب، ولذلك فإن إنتاج قرائحهم لا يملأ نفوسنا نحن الشباب، والناس يريدون أن يسمعوا شيئاً عما جد في الوجود وأثره في الحياة، فاعذروا الشعراء إن هم لم يصادفوا هوى في نفوس الشيب لأنهم يستحدثون، ولا في نفوس الشباب لأنهم لم يبلغوا بهم ما يريدون والذنب ذنب العصر لأنه لم يستقر. السينما الثقافية في خدمة الشباب. تعمل إدارة خدمة الشباب بوزارة المعارف في إعداد بعض الرسائل التثقيفية التي ترمي بها إلى إفادة الشباب وأستغلال أوقات فراغهم فيما تميل اليه نفوسهم من الهوايات الأدبية والفنية. وقد بدأت بأختيار طائفة من الأفلام الثقافية لعرضها على جمهور من طلاب المدارس الثانوية، وقد أعدت لهذا العرض حجرة كبيرة بدارها في شارع سليمان باشا. وقد أختارت تلك الأفلام من الإنتاج السينمائي الجيد، ومما يؤسف له أنها لم تجد فلما مصرياً واحداً يمكن أن يسمى ثقافياً. . وقد عرض في هذا الأسبوع فلم   (إجازة الأسبوع المفقودة)  لشركة بارا مونت، و   (حياة مدهشة)  لشركة راديو، و   (البداية أو النهاية)  لشركة مترو. وستعرض أفلاما أخرى في الفترة القادمة إلى أوائل مايو. ثم تنتظر حتى يفرغ الطلاب من الأمتحانات وفي العطلة الصيفية توسع الإدارة مدى نشاطها ليشمل لتيسر من الوسائل كما يشمل أكبر عدد ممكن من الشباب، فلا يقتصر الأمر على العدد القليل الذي يختار الآن من المدارس. والواقع أن إدارة خدمة السباب تعمل الآن في دائرة ضيقة جداً، فليس كل الشباب هؤلاء العشرات الذين يترددون على دارها في القاهرة، يوم تستطيع أن تمد أسبابها إلى الشباب في أكثر جهات القطر، يصح لها أن تغتبط بتأدية رسالتها. الإذاعة وأنتاج السباب. كانت إدارة الإذاعة قد كتبت إلى إدارة خدمة الشباب التي قامت بتنظيم المهرجان الأدبي والفني للشباب ترجو منها أن تبعث اليها ببعض الإنتاج الفائز في المهرجان من أناشيد وتمثيليات إذاعية لإذاعتها؛ ولم تذكر إدارة الإذاعة أنها ستدفع أجوراً لأصحاب هذا الإنتاج. فرد عليها الأستاذ عبد الله حبيب وكيل إدارة خدمة الشباب بأن الوزارة أجازت هؤلاء الشباب بجوائز أدبية وجوائز مادية قليلة على قدر ما سمح به   (الأعتماد)  وأن الإذاعة تتمم لهم التشجيع إذا منحتهم أجوراً على ما تريد إذاعته لهم، فإذا رأت ذلك فإن الإدارة ترسل إليها ما تطلب من ذلك الإنتاج ولكن الإذاعة لم تجب ولعلها تنظر في الأمر؛ ولا شك أن أحد إنتاج الشباب لإذاعته بالمجان ليس من العدل، كما أنه ليس من العدل ولا من الحزم أن تقتصد محطة الإذاعة وتدخر لتستطيع أن ترضي كبار المطربين والموسيقيين الذي يتحكمون فيها على حساب الشباب الذي هم أحوج إلى التشجيع والى أن يجنبوا شيئاً من ثمرات قرائحهم ومواهبهم. الفن المعاصر والفن المصري: كانت وزارة المعارف قد استقدمت جماعة من كبار الفنانين الفرنسيين والأسبانيين، لغرض طائفة من إنتاجهم في الرسم والنحت ولإلقاء محاضرات بمدرسة الفنون الجميلة العليا؛ وأقامت معرضاً لصورهم وتماثيلهم بدار الجمعية الزراعية الملكية، هو معرض الفن المعاصر. وقد تفضل جلالة الملك بزيارة هذا المعرض، وفي خلال هذه الزيارة الكريمة قال جلالته للمشرفين على المعرض: هل يمكن إقامة معرض مصري كهذا؟ وكانت هذه رغبة سامية ولفتة بارعة من جلالة الفاروق. ولا شك في أن الوزارة ستعمل على تحقيق ذلك. وقد وافقت هذه الإشارة الملكية هوى كثير من الفنانين المصريين الذين كانوا يشكون من أموالهم ويوجهون النقد إلى استدعاء الفنانين الأجانب وبذل الأموال لهم، مع أن لهم أي المصريين - إنتاجاً لا تقل قيمته الفنية عن إنتاج هؤلاء الأجانب. ومما يذكره بعضهم أن أستدعاء هؤلاء الفنانين كان بوساطة مليونير مصري معروف له شغف بهذا الفن، وهم من أصدقائه. . ومما لوحظ في معرض الفن المعاصر أن الرسوم واللوحات كتبت عليها أسماؤها وموضوعاتها بلغة أجنبية، ولم تكتب حتى بجانب الأجنبية - باللغة العربية. وهذه ظاهرة يؤسف لها أشد الأسف، وخاصة أن هذا المعرض تنظمه الحكومة المصرية التي تفرض اللغة العربية في مكاتباتها، فكان يجب على الأقل أن يترجم المكتوب باللغة الأجنبية إلى العربية ويكتب في أوراق منفصلة تعلق بجوار الصور والتماثيل. (العباسي) - البريد الأدبي التاريخ يعير نفسه بين المسلمين واليهود: ذكر الأستاذ على الشويكي أنه جاء في مقالي بهذا العنوان   (ثم سلط الله عليهم دولة الروم قبيل ظهور المسيح، فقضوا على دولتهم قضاء لا مرد له، وأجلوهم عن فلسطين آخر جلاء، لأنهم كذبوا مسيحه وحاولوا قتله، وقتلوا أبن خالته يحيى بن زكريا قبله)  وعلق عليه بأنه لا يتسق والتسلسل الزمني للتاريخ، إذ كيف يقضي الروم على دولة اليهود ويجلوهم عن فلسطين لأنهم كذبوا المسيح وحاولوا قتله قبل ظهوره. ولا شك أن مثل هذا لا يفهم من كلامي، لأن الذي جاء فيه أن تسليط دولة الروم على اليهود هو الذي كان قبيل ظهور المسيح، وعطف ما بعده عليه من القضاء عليهم وإجلائهم لا يقتضي أن يكون قبل ظهور المسيح ايضاً، لأنه لا يلزم من تسليط دولة على أمة أن تقضي على دولتها عند تسلطها عليها، ولا أن تجليها بعد مضي زمن على الفعل الأول. وللأستاذ الشويكي تحياتي وشكري. عبد المتعال الصعيدي. استدراك على صاحب العقد الفريد: اورد صاحب العقد الفريد في الجزء السابع باب   (من سمع صوتاً فوفقه معناه فأستخفه الطرب)  ما نصه: وغنى إبراهيم الموصلي محمد ابن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانئ فيه: رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن كل يوم يسترق له ... حسنه عبداً بلا ثمن يا أمين الله عش أبداً ... دم على الأيام والزمن أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن سن للناس القرى فقروا ... فكأن البخل لم يكن قال: فأستخفه الطرب حتى قام من مجلسه وأكب على إبراهيم يقبل رأسه؛ فقام إبراهيم من مجلسه يقبل أسفل رجليه وما وطئتا من البساط؛ فأمر له بثلاث آلاف درهم؛ فقال إبراهيم يا سيدي قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم! فقال الأمين: وهل ذلك الإخراج بعض الكور؟ والذي أذكره أن هذا تجن على الأمين اولا، واختلاف على إبراهيم ثانياً؛ فلقد فات الأستاذ العريان محقق الكتاب - كما فات صاحب العقد أن إبراهيم الموصلي لم يدرك زمن الأمين إذ كانت وفاته على عهد الرشيد سنة ثمان وثمانين ومائة. قال صاحب نهاية الأرب: لما مرض إبراهيم مرض الموت ركب الرشيد حماراً ودخل على إبراهيم يعوده وهو جالس في الأبزن   (حوض يغتسل فيه)  فقال له: كيف أنت يا إبراهيم؟ فقال: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر: سقيم مل منه أقربوه ... وأسلمه المداوي والحميم فقال الرشيد: إنا لله، فخرج فما بعد حتى سمع الداعية عليه. وذكر صاحب الأغاني: قال أسحق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على الرشيد بعقب وفاة أبي. . . إلى أن قال فأدناني منه فقبلت يده ورجله والارض بين يديه فاستعبروا كان رفيقا فوثبت قائماً ثم قلت: في بقاء الخليفة الميمون ... خلف مصيبة المحزون لا يضير المصاب رزء إذا ما ... كان ذا مفزع إلى هارون فقال لي: كذاك والله هو، ولن تفقد من أبيك ما دمت حياً إلا شخصه. هارون محمد أمين في مقال في العدد   (٧٦٨)  من   (الرسالة)  الغراء أطلعت على مقال الأديب غائب طعمه فرمان   (نظرات في الأدب العراقي)  ولي عليه تعقيبان لغويان، هما: قال في سياق المقال: (. . . وتلك الصرخات   (لداوية)  في الشعر العراقي. .) فأستعمل الفعل الثلاثي   (دوي)  من الدويّ أي إحداث الصوت! وهو خطأ ما في ذلك شك! إذ لا يقال: دوي الرعد. وإنما: دويّ الرعد. . . لأن الثلاثي ماضيه - وهو من باب صدى - بمعنى مرض، والدوي - على القصر - المرض. وإذا ّ فالصواب أن يقال (الصرخات المدوية لا   (الداوية) . . .). وقال: (. . . و   (على)  ضوئها يمكن أن ندرس. . .) وهو استعمال   (مصلحي)  بحت لا ينتمي إلى لغة الضاد على وجه الصواب بسبب أو بأسباب. والصحيح أن يقال: (. . .   (في)  ضوئها. .). وقال تعالى في كتابه العزيز (كلما أضاء لهم مشوا   (فيه) . .). ومن أصدق من الله قيلا!. وبعد: فليس غرضنا من تعقيبنا هذا الخاطف إلا الذود عن لغة الضاد، هدى الله الجميع إلى الرشاد والسداد. (الزيتون) عدنان كتاب تاريخ الأدب العربي: تجرأ أحد المجرمين من الكتبيين فقلد الطبعة العاشرة من كتاب   (تاريخ الأدب العربي)  وعرضها للبيع، وهي طبعة ناقصة محرفة مشوهة، يعرفها القارئ لأول وهلة من صغر حجمها، وسوء طبعها، وأختلاف حرفها، وخلوها من الشكل، وكتابة عناوين الأبواب بالخط الفارسي وهي في الأصل مكتوبة بخط الثلث. وأولى علامات هذه الطبعة المزيفة أن تجد على صفحة الغلاف الأولى جملة   (حقوق الطبع محفوظة)  غير محصورة بحاصرتين وهي في الطبعة الأصلية الصحيحة محصورة بهما وشكلهما هكذا []. وقد اتخذت الإجراءات الرسمية لضبط المزيف ومصادرة النسخ المزيفة. وأنا لننصح لحضرات القراء أن يميزوا بين الطبعتين بما ذكرنا من الفروق، وأن يتفضلوا - متى وقعت في أيديهم نسخة مزورة - فيخبروا إدارة الرسالة بمكانها ومصدرها وعلى الأخص في الأقطار العربية. وقد شرعنا نطبع الكتاب طبعته الحادية عشرة وستكون مزيدة منقحة كما عودنا القراء في كل طبعة. حول ديوان أبي فراس: لأمراء في أن هذا الديوان في ثوبه الجديد خليق بكل ما قوبل به من حفاوة وتنويه. فهو طراز لا عهد للشرق به في الإخراج، وأسلوب يجب احتذاؤه في نشر تراثنا القديم؟ ولكن ما فائدة كل هذه المجهودات في التحقيق والنشر إذا عقيما لم ينتفع بها منتفع، وباتت حتى فوق متناول اساتذة الأدب في معاهد الأدب العالية؟ جرى ذكر نشر هذا الديوان وتمنه في مجلس شيخ من شيوخ اللغة والأدب في مصر. فتبسم ضاحكا وقال: ما معنى أن يبلغ ثمن الديوان فوق الثلاثة جنيهات. وكم أستاذا ممن يدرسون الأدب يتحمل دخله أن يبذل في أمثال هذا الديوان هذا المبلغ؟ وكم يبقى لما تخرجه المطابع العربية؛ وما يحمل الينا من المطبوعات الأجنبية، يجب أن تظل هذه الأعمال العلمية،   (ما أمكن)  بمناي عن روح التجارة بعيدة عن أن يكدر صفاءها غبار الأستغلال، حتى يتهيأ لها أن تؤثر آثارها المرجوة. وإن كنا نريد أن نزود الأمة: ونهض بذوقها وفكرها. إن أهم ما ينال من مكانة هذا الأثر في النفوس أنه قد شق مطلبه وعسر سبيله على كثير من الأستاذة الذين هم حماة اللغة ورعاة الأدب فضلا عن الشباب. محمد عبد الحليم أبو زيد. مهرجان للشعر في النادي النوبي العام: يقيم النادي النوبي لعام بالإسكندرية مهرجاناً شعرياً احتفالاً بالربيع في الساعة السابعة من مساء يوم الأحد ٢٨ مارس سنة ١٩٤٨ برئاسة صاحب العزة البكباشي أحمد الطاهر بك رئيس جماعة نشر الثقافة بالسكندرية. ومن خطبائه وشعرائه الأساتذة: إدوار حنا سعد، حسين محمود البشبيشي، خليل شيبوب، عبد اللطيف النشار، عثمان العزب، الآنسة عواطف بيومي، الأستاذ محمد فضل إسماعيل القصص طبيعة مبهمة! للكاتب الروسي أنطوق تشيكوف بقلم الأستاذ مصطفى جميل مرسي مالت السيدة الوضيئة جانباً، وهي جالسة على مقعد وثير مغطى بالمخمل الأحمر في عربة فاخرة من عربات السكة الحديدية!. وقد ضمت أناملها البضة الرقيقة مروحة مريشة أنيقة الصنع رائعة الوشى. . . راحت تهتز وتتراقص عن يمين تارة وعن شمال!. . وطفق المنظار المعلق على أنفها الدقيق الفاتن لا يقر له قرار، بينما بدت   (الحلية الماسية)  مشرقة تتألق على جيدها كزورق يسبح في ماء المحيط!. . وجلس في مقعد قبالتها الناموس الإقليمي للجمعيات الخاصة وهو شاب حديث المنبت في الأدب، يخرج على القوم بين حين وحين بقصص طوال - من النسق الرفيع كما يحلو له أن يسميها - ينشرها في جريدة الإقليم. . راح يحملق في صفحة وجهها، ويحدق عن قصد لا يحول. . بعين العارف الخبير! إنه يتأمل ويدرس. . ويتصيد ظلالا عابرة وأطيافاً حائرة بين ثنايا هذه الطبيعة المبهمة، والغموض يكتنفها!، إنه يحاول أن يفهمها ويسبر غورها. . . فروحها ونفسها. . . كلتاهما مبسوطة بينه الجلاء أمام ناظريه. . . ثم لم يلبث أن قال لها، وهو يلثم رسغها البض على مقربة من السوار!. (أه. . . لقد أدركت!. أدركت إلى أبعد مدى ما يدور بين جوانحك. . إن روحك ذات الحس المرهف والأمل الطامح. . تسعى في سبيل الخلاص من ربقة الحيرة الطاغية، والفكاك من أسر القاتل! إنه لصراع عنيف   (نضال مخيف! ولكن تمالكي روعك وأمسكي عليك صوابك وتذرعي بالصبر فلسوف يأتيك الفوز من حيث لا تعلمين. . . أجل!) فقالت السيدة الأنيقة في صوت خفيض مضطرب النبرات، وقد علت وجهها بسمة حزينة: (أكتب عني يا   (فلدمار) . . . إن حياتي عامرة مختلفة ألوانها!. زاخرة بالمال والذهب. . بيد أني - على الرغم من ذاك -  لا أذوق للسعادة طعماً، ولا أجد الهناءة إلا حلماً!. ما أنا إلا نفسي معذبة وروح شقية في صفحة من صفحات   (دستوفسكي) !. (عرف العالم بهذه النفس يا   (فلدمار) ، وأذع خبر هذه الروح ذات الحظ العاثر والطالع النحس!. لقد أوشكت أن تبلغ من قلبي مبلغاً عظيماً. ولعلك لا تجدني بعد ساعة في هذا القطار) - خبرني!. ناشدتك الله. . . خبريني!.) -  (أعرني مسمعيك. . . لقد كان أبي كاتباً في   (الخدمة)  قتر عليه رزقه. . وكان ذا قلب تعمره الطيبة ويفيض عطفاً وحنواً وذا عقل ليس بالعاطل من الفطنة والمعرفة. . بيد أن الزمام أفلت من بناته وهو في غاية العمر، وتنكب جادة الرشد وهو على شفا القبر!. . فأدمن الخمر وأغرق في الميسر. . وأمتدت يده إلى الرشوة فلوثها دنسها!. وأني لا أضمر له لوماً. . بل طالما رثيت له وأشفقت عليه!. وأمي! - ولكن ما الذي يدعوني إلى أن أمضي في هذا!. المتربة والعوز. . والنضال المرير في سبيل لقمة تسد الرمق!. . والمشاعر التي تكتنف المرء لإحساسه بتفاهة شأنه وحقارة أمره في موكب الحياة الصاخب! أوه! دعني. . لا تدفعني إلى أن أبعث هذه الذكريات وأثير تلك الشجون. . . لقد جاهدت في أن أشق سبيلي وأنت أدرى بحال التعليم في تلك المعاهد التي تأوي من يطلب العلم فيها، وما يجتاح الشباب - وهو يتفتح - من حماقات ونوات. . ثم هذه الخفقات الأولى بين الضلوع. . . للحب الوليد! إن ذلك لرهيب مهيب!. الحيرة والأضطراب، وتلك الآلام المبرحة التي تحز في نفسي حزاً عند من يفقد يقينه بالحياة!. . . أوه إنك مؤلف!. وتدرك ما يفعم قلوبنا. . معشر النساء! لسوف تفهم كل شئ!. كم كنت تعسة شقية!: أتلمس السعادة وأي سعادة! وأتوق إلى أن أطلق لروحي عنان الحرية! أجل فها هنا. . . تكمن سعادتي وتستكن راحتي!.) فغمغم   (المؤلف) . . وهو ينهال على رسغها العاجي فيلثمه مرة أخرى عند السوار!. (يا لك من مخلوق رائع! إني لا أقبلك أنت. . . بل أحي فيك الإنسانة المعذبة. . ألا تذكرين   (رسكولنكوف)  وبقبلته الخالدة!. .) -  (أوه. . . يا فلدمار. . إني لتواقة إلى المجد، مشوقة إلى الرفعة ظامئة إلى الشهرة! إني لأحن إلى أمر غير هذه الأمور التي لا تفتأ تدور على وتيرة واحدة. . . أمر غريب عجيب لا تألفه النساء!. وبعد هذا!. ألفت إلى المقادير قائداً عجوزاً عظيم الثراء وافر النعمة!. هلا فهمتني يا فلدمار. لقد كانت تضحية بالنفس وأي تضحية!. وإنكاراً للذات وأي إنكار! ينبغي أن تعلم هذا! لم يكن بوسعي أمر غيره فقد علقت   (الأسرة)  آمالها وعقدت أمانيها على أن أقبله. كم عانيت منه فلشد ما أثار سخطي وأهاج بغضي فقد كان عناقه شيئاً كريهاً وحديثه تافه النفس. وكنت - على الرغم مني - أظهر له اللطف وأتكلف الرقة؛ إنها لحظات مريعة. بيد أن الرجاء كان يراود نفسي والأمل يداعبها فأمنيها اليوم الذي يوارى الرجل فيه التراب ويضمه اللحد حينئذ سوف يخلو سبيلي، فأحيا كما يروق لي وأهب نفسي إلى الإنسان الذي أعبده سعيدة راضية لا مجال للريب في أنه ثمة إنسان يقع من النفس موقع الشغف يا فلدمار). وراحت السيدة الوضيئة تحرك مروحتها في شئ من العنف وبدا وجهها وكأنما اتخذت سماته الأهبة للبكاء، ومضت في حديثها مستأنفة   (وأخيراً خمدت أنفاس الرجل وذاق منيته فحلق لي نصيباً ليس باليسير. لقد صرت طليقة كالطائر الذي يحوم في جو السماء فيقع على ما يهوى إنها الساعة التي حانت فيها سعادتي أليس كذلك يا فلدمار؟ لقد أقبلت السعادة تطرق نافذتي ولم يكن علي إلا أدعها تدخل. ولكن أسمع يا فلدمار ففي هذه اللحظة التي كنت فيها أسعى لرجل الذي أهيم به حباً لأهبه نفسي وأصبح شريكة حياته، وساعد عون له وناصره لشوكته فأسعد به وأستريح اليه. في هذه اللحظة تبددت الأوهام وطارت الأحلام شعاعاً. وإن حياتنا حقيرة تمجها النفس، تافهة لا معنى لها. إني بائسة أشد البؤس، يائسة أبلغ اليأس. . .! لقد كانت ثمة عقبة أخرى في سبيلي فلما أنثنيت أتلمس السعادة إذا بها نائية عني بعيدة كل البعد. . . أوه! ما اشد هذا ألما وتبريحاً لو أنك تحس هذا الألم وتستشعر ذاك العذاب) -    (ولكن ما الذي قام في سبيلك ونهض في وجهك هذه المرة؟! بالله خبريني ما هو؟!) . -    (قائد عجوز آخر واسع الثراء ف: اني مثل الذي فر من الموت، وفي الموت وقع) . وأنسدلت المروحة   (المحطة)  على الوجه الوضئ، وأعتمد   (المؤلف)  رأسه الضخم على راحة يده وأغرق في لجة من الفكر وقد لاح في هيئة الفيلسوف الحكيم. وانطلقت القاطرة تدوي بصفيرها وصليلها بينما اصطبغت سجف النافذة بالحمرة الموردة وقد أشاعتها الشمس الغاربة!. (الدقي)

وما هذه الخاتمة التى اختارتها لقصتها ؟ اتنصرف عن دوبلتسكى فتتزوج سميرنوف ؟ انريد بذلك اغراءه وإخراجه من تردده ، ام أنها تؤثر عليه سميرنوف ؟ ومن يكون سميرنوف هذا ؟ اهو يوبوف الذى تطارحه الحديث وتظهر له الود ؛ ام هو ذلك الضابط الشاب بوليفاتوف ؟ وهل تعمل سوفيا على التقريب بينه وبين أختها ليزا ؟

ألا تحب صوفيا هيئته فهي لذلك غير واثقة من أنها تحبه ؟ يالها من حيرة ! لقد كتب فى مذكراته فى الثامن والعشرين من اغسطس سنة ١٨٦٢ بعد قراءة القصة بيومين يقول " ايها الوجه القبيح لا يحلم بالزواج . . إنك لست أهلا لهذا . . وإن اهليتك لمن نوع آخر وإنه لكثير ما منحته منها "

وعلى الرغم من ذلك ذهب إلى الضيعة فى اليوم التالي ، ولما رجع اثبت فى مذكراته قوله " لا شئ من حب كما سلف ولا من غيرة حتى ولا من ندم ، ولكنى لا اجد مثيلا لحالتى وذلك ما يجعلها حلوة . . كانت ليلة لذيذة وكانت العواطف رقيقة سارة إن يوبوف فى غاية الذكاء وفي غاية الرقة " وكتب فى

مساء اليوم التالي يقول " لست آغار قط من يوبوف إذ يتحدث إلى صونيا ولا استطيع أن أصدق ان يكون ذلك حقيقة حالي . إنها كذلك تتكلم فى حزن وهدوء . . أيها الاحمق إنك غير أهل لها . . لقد قضيت الليلة معهم . لم أنم . إنها هى ابدا ...

) البقية فى العدد القادم (

اشترك في نشرتنا البريدية