كشفت الحرب الأخيرة عن ظاهرتين هامتين .
الأولى : أن الحرب الحديثة أصبحت تعتمد أكثر ما تعتمد على البترول فهو إحدي موادها الأولى كالحديد والذخيرة والرجال سواء بسواء ، بل يرجع البعض الفضل في انتصار الخلفاء إلي أنهم يملكون النصيب الأوفر من البترول في العالم .
أما الظاهرة الثانية : فهي أن الشرق الأوسط كشف بين طياته الجيولوجية عن ثروة من الزيت ثم تكن بادية للعيان قبيل الحرب ولم تكن لدي شركات الزيت فكرة واضحة محدودة عن كميات مخزونة .
وعلى هذا اكتسب الشرق الأوسط أهمية جديدة علاوة على أهميته الأزلية كعقدة هامة في سلسلة المواصلات
بين الشرق والغرب بل تطورت تلك الأهمية بتطور وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية ، حتى إنها بعد أن كانت تنحصر في خطوط هي بمثابة الشرايين من الجسم اتسعت تلك الخطوط واتسعت حتى شملت المنطقة بأسرها .
ولما جد عامل البترول على تلك الأهمية زاد السياسة الدولية تعقيداً واشتدت المنافسة بين الدول حدة . إذ تدل الدلائل على أن بترول الشرق الأوسط سيكون عاملاً مهما في مشروعات ما بعد الحرب . وقد أعدت من الوجهة الفنية المشروعات لزيادة إنتاج البترول وتكرير خاماته . وقد بدأت بالفعل بعض هذه المشروعات تؤتى أكلها ، وأصبح من المقرر أن بعض بلدان الشرق العربي ستكون مراكز لصناعات عظيمة فى المستقبل القريب .
هكذا أصبح الشرق الأوسط مجال المنافسة بين الدول العظمي الثلاث ، وإن اختلف الموقف السياسي لكل منها . فبريطانيا العظمى تسيطر فعلا علي طريق إمبراطوريتها - وتمتلك فعلا معظم البترول في الشرق الأوسط وتصمم طبعاً على الدفاع عنهما مادامت هناك إمبراطورية بريطانية . والولايات المتحدة قد بدأت فعلا الغزو الاقتصادي لتلك المنطقة . كما ستحاول روسيا السوفيتية جهدها في بناء ذلك النفوذ في المستقبل ، وهي من جهة الواقع الجغرافي أقرب الدول العظام إلى الشرق الأوسط بل هي جارته الملاصقة .
وقد أظهرت التقديرات التمهيدية المقادير الاحتياطية للبترول في الشرق الأوسط أرقاماً خيالية : فقد قدرت كمياته بكل تحفظ بمقدار ١٥ مليار برميل ، أي أنها تفوق كميات البترول في أوربا بما فيها الاتحاد السوفياتي - وهذه تقدر بستة مليارات - مضافاً إليها كميات أمريكا الجنوبية ، ويقدر احتياطيها بستة مليارات أخرى . بل يضع البعض الشرق الأوسط في مجموع بتروله في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة التي يقدر الاحتياطي فيها بمقدار 30 ملياراً من البراميل . ويظنون بناء على هذا أن نصيب الشرق الأوسط يبلغ ثلث ثروة العالم من البترول تقريبا .
وإذا نظرنا إلي التفاصيل بعد هذا الإجمال وجدنا أن إنجلترا كذلك نحو ٧٦ % من مجموع إنتاج آبار الشرق الأوسط ، فانجلترا تتحكم عن طريق شركة الزيت الإيرانية في بترول جنوب إيران الذي تقدر كمياته بخمسة مليارات من البراميل ، وقد نجحت هذه الشركة في أن تخلق لنفسها في إيران مركز دولة في داخل الدولة . كما يمتلك البريطانيون نصف بترول الكويت البالغ قدره أربعة مليارات من البراميل ، كما يسيطرون على بترول العراق البالغ أيضا أربعة مليارات أخرى - أي أن لبريطانيا نصيب الأسد من بترول الشرق الأوسط .
وقد شعر الأمريكيون بأهمية الشرق الأوسط في البترول بعد الحرب الماضية كما تيقنوا من أهميته البالغة في المواصلات العالمية في هذه الحرب .
وكان أول نجاح لهم في الحصول على جزء من البترول العربي عام 1937 حينما تمكنوا من حمل البريطانيين على التنازل لهم من ٧٥ ر ٢٣ % من بترول العراق ، وبعد عشر سنوات بذلوا محاولة غير ناجحة للحصول على امتياز للزيت في إيران ، ولكنهم باءوا بالفشل تحت ضغط النفوذين الإنجليزي والروسي على حكومة إيران . ولكن أمريكا لاقت نجاحا أعظم في نواحي أخرى من الشرق العربي . فقد حصلت في عام ١٩٢٧ على امتياز للبترول في جزر البحرين ، وهذه وإن كانت تخضع للحماية البريطانية إلا أن هؤلاء لم يعتقدوا يوماً ما أن في البحرين ثروة من البترول تستحق الذكر ، فنصحوا لشيخ البحرين أن يمنح الأمريكيين ذلك الامتياز ، وقد أفلح استغلال البترول فيها فلاحاً كبيراً وخصصت كمياته منذ سنة ١٩٤٠ للضرورات الحربية .
ثم حصلت شركة كليفورنيا العربية على امتياز للزيت في المملكة العربية السعودية فاكتشفت فيها موارد للبترول تقدر بمليار من البراميل ، كما نجحت شركة أمريكية أخري نجاحا جديدا في الكويت على رأس الخليج الفارسي ، ولكنها حصلت على نصف الناتج فقط لأن النصف الآخر تشاركها فيه شركة الزيت الإيرانية .
والواقع أن حقول الزيت البريطانية في الشرق الأوسط تفوق الأمريكية فيه بمراحل ، فالآبار الإيرانية تبعث بناتجها خلال خط من الأنابيب إلي عبادان حيث تتولى المعامل تكريره ، وهي تنتج ٣٨٠ ألف برميل من البترول في اليوم الواحد والمنتظر في نهاية هذا العام أن يرتفع إنتاج هذه المؤسسات فيصبح ٣٦٠ ألف برميل في اليوم ، ثم يتولى أسطول من ناقلات الزيت البريطانية توزيعه على أسواق الشرق الأسيوية . ثم هنالك بترول العراق الذي
يسيل في أنابيبه عبر الصحراء إلى حيفا وطرابلس والشام ، ومن ثم إلى الأسواق الأوربية ، وتتولي معامل التكريم المتحدة في حيفا تكرير زهاء ٦٠ ألف برميل في اليوم . وقد اتخذت الاستعدادت الكفيلة برفع إنتاج هذه المؤسسة إلى ٨٠ ألف برميل في اليوم الواحد .
أما البترول الذي تمتلكه الشركات الأمريكية في المملكة العربية أو البحرين فعليه - لكي يصل إلى الأسواق الأوربية - أن يتخذ طريقه في ناقلات الزيت من الخليج الفارسي حول شبه الجزيرة العربية ليخترق قنال السويس ومؤديا ضرائبها الفادحة - لهذا فكر في مشروع مد أنابيب من منابعه إلى مصر أو لبنان ، وهو المشروع الذي لاقى عنتا عنيفا في الكونجرس الأمريكي . وهو إن ثم سيهيء للبترول الأمريكي في الشرق الأوسط أن يصل إلي الأسواق الأوربية بأتمان لا تقبل منافسة البترول العراقي .
ويلاقى هذا الاتجاه من الشركات الأمريكية تشجيعاً من رجال السياسة والحرب في واشنجطن ، لأنه على الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر احتياطي للبترول في العالم فهي أكبر مستهلك له أيضاً . بل كان عليها إبان الحرب العالمية الماضية والحرب الأخيرة أن تمد الحلفاء بمقدار ٨٠ % من البترول اللازم لعملياتهم الحربية ؛ ولهذا يصر الرجال العسكريون الأمريكيون على أن يكون لأمريكا موارد للبترول في الشرق الأوسط الذي هو اغني مناطق العالم القديم في هذه المادة ، وهو أيضا تفترق الطرق بين قاراته الثلاث ؛ ولهذا يود الأمريكيون بل يعملون على أن يكون لهم حتى استعمال المطارات والقواعد البرية والبحرية في الشرق العربي مثلهم مثل البريطانيين سواء بسواء .
وهكذا تتفق آراء رجال الحرب والاقتصاد علي سياسة واحدة نحو الشرق الأوسط - قد يرحب بها البريطانيون
بادئ ذى بدء - ولكن رد الفعل المنتظر سيكون بلا شك مقاومتهم لأي منافس قوي قد يهدد سيطرة بريطانيا في احتكارها السياسي والاقتصادي لهذا الجزء .
أما من جهة روسيا ، فقد تحققت أخيراً أن الشرق الأوسط يدخل ضمن نطاق أمنها الحربي كما يتضح ذلك من خطواتها نحو تركيا وإيران . هذا علي أنها تريد أن تضمن لنفسها البقاء كقوة عالمية وعليها أن تحصل على نصيب من السيطرة على الطرق العالمية ، وهي أيضا تريد أن تحتكر امتياز البترول في شمال إيران . ولا تزال الصحف الروسية تضرب على نغمة ان الولايات المتحدة تمتلك ٥٧ % من بترول العالم وتسيطر بريطانيا العظمي علي ٢٧ %. منه بينما يبقى الاتحاد السوفياتي بنصيب يبلغ ١١ % فقط . قد تكون هذه الأرقام قابلة للطعن أو التغيير . ولكن الحقيقة الواقعة هي أن الاتحاد السوفياتي هو أفقرها في مادة الزيت وهو في الوقت نفسه أقرب الجميع جغرافياً لكنوز الزيت في الشرق الأوسط ، ولابد أن روسيا ستتخذ كل الوسائل للظفر بنصيب من هذه الكنوز .
وهكذا يبقى الشرق الأوسط بعد الحرب منطقة خطرة تتصادم فيها مصالح الدول العظمي الثلاث . وسترى كيف تقوم الجامعة العربية بنصيبها في النضال في سبيل استقلال وحداتها والمحافظة على مصالحها الاقتصادية وسط هذه التيارات المتلاطمة.

