الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 119الرجوع إلى "الثقافة"

زيد المريض

Share

طغت الأسماء التاريخية الحديثة ، أسماء هتلر وموسوليني وتشرشل وبيثان وإيدن ومن إليهم ، ومحت الاسماء النحوية القديمة ، اسماء عمرو وزيد ويكر وخالد وهم الذين إذا اختصموا وضرب بعضهم بعضا كانت خصومتهم شريفة نافعة تعلمنا القواعد النحوية من رفع الذي وقع منه الفعل ونصب الذي وقع عليه مثلا ولقد رأيت ان ابعث أحدهم من مرقده ، وهو زيد ، وانكلم عليه مريضا لابين ، فيما بعد ، كيف يمكن تبليغ رسالة الطب إليه في مرضه

وما مرضه إلا مسألة اجتماعية ، ذلك لأنه فرد من المجموع . ويمكن اعتبار جسمه مؤلفا من أنواع مختلفة من الخلايا الصغيرة ؛ ولكل نوع من هذه الخلايا التي يعد الجسم ملايين الملايين منها، عمل خاص تتوفر عليه ، وتنصرف إليه بكل حذق ومهارة .

ومن الغريب أن هذه الأنواع من الخلايا تقوم بعملها بغير تنافس بينها ، فلا يحاول نوع منها الاعتداء على نوع آخر ، كان مجموعة خلايا الجسم ديمقراطية تعاونية !

وأغرب من ذلك أن كل نوع من الخلايا يحذق عملا خاصا يؤلف نقابة معينة ، وتقوم بعملها لخير نفسها ولخير خلايا الجسم عامة .

فجسم الانسان نظام اجتماعي لا بدانيه أي نظام سياسي في ترتيبه وكغايته ، لانه مبني على الاصول العلمية . فقدرة الجسم على الحركة ، وقوته على هضم الأغذية ، وأجهزة الدورة الدموية ، وأجهزة المجاري البولية وغيرها ، وطريقة التناسل ، كل أولئك يتم على أبدع ما يمكن من الدقة والوفاق والنظام . ولا يحدث خلل أو اضطراب إلا بمؤثر خارجي أو داخلي .

والخلية بقيامها بواجبها تخدم نفسها أولا ، وتخدم مجموع الخلايا ثانيا فكانها تحب ذاتها ، وتحب غيرها في الوقت نفسه.

ولزيادة الإيضاح أضرب للقارئ الكريم مثلا الخلايا الكبدية فهي تحذق عمل الصفراء التى تصنع في مصنع مركزي هو الكبد . ولا تصنع الصفراء في أي جزء اخر من الجسم . فإذا قامت خلايا الكبد بعمل الصفراء ارسلت إلي المعي الدقيق لتختلط فيه بعصارات اخرى . وهذا عمل لخير المجموع وهو الجسم كله . وفي مقابل ذلك تحظى الخلايا الكبدية بحرية العمل ، وحرية نقل منتوجها ، وبالحرارة ، وبالغذاء وهذه وظائف تقوم بها طوائف من الخلايا الأخرى ، التي لا تساهم في عمل الصفراء ، وإن كانت تحظى بنصيبها من مزايا الصفراء.

ولتنظر الآن ماذا يكون الأمر إذا سعي المرض إلي إنسان كزيد أو سي هو نفسه إلى المرض . لقد كان زيد شابا قوي البنية ، مدملج الأعضاء ، مفتول الساعدين ، حسن الشكل ، ظريف الهيئة ، ولقد حدث ان ذهب زيد ذات ليلة إلي أحد المراقص العامة ففتن فيه فتنة لم تغن فيها حكمة الحكماء . فقد حانت منه إلي إحدي عادات الرقص الغانيات نظرة كالتي ذكرها للمرحوم شوقي بك في قوله :

نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء وقد لا يدرك غير الطبيب ما في هذا البيت عدا حسن التفسيق من الترتيب الفسيولوجي ، إذ تنتبه بعض اعضاء الجسم بمؤثر خارجي كرؤية امرأة فتانة المحاسن ، جميلة المجرد ، حسنة المحاسر ، ممشوقة الفد ، هيفاء القوام ، فائرة اللحظ ، لا يقع الطرف على أجمل منها صورة .

وقتئذ تغنيه بعض اعضاء الجسم فتدفع في الدم انواع معينة من الهرمون ، فتحدث الابتسامة فالسلام فالكلام فالوعد فاللقاء :

ولقد تم لزيد هذا اللقاء . وكان فيه ما كان مما لست أذكره

وما اصدق شوقي في قوله بعد البيت الفائت :

ففراق يكون فيه دواء  أو فراق يكون منه الداء

ولقد غادر زيد فتاته بفراق كان منه لسوء حظه الداء إذ حمل معه ميكروب السفلس ( الزهري ).

وقد اهمل زيد الامر ، فلم يتضمضع العلاج ناجح ، فتغلغل المرض في جسمه ، وتاثرت كبده فيما تأثر من الأعضاء ، فتولدت فيها خلايا من المنسوج الضام بفعل الميكروب ، وزاحمت الخلايا الكبدية فعطلتها عن إفراز الصفراء . وهي من اهم العصارات الضرورية لهضم ما يتناوله الانسان من الغداء . فإذا عطل الهضم من قلة الصفراء تأثرت خلايا الجسم كلها

وهي حالة قريبة المشابهة بالازمة المالية التي تحدث في بلد من البلاد ، إذ يتمطل الانتاج والتوزيع والتبادل في انحاء البلد . ويتقدم المرض في الكبد يزداد العطل في سائر الأعضاء ، وقد ينتهي بالوت ، ولا ذنب للكبد أو لخلاياها ، لأن المؤثر خارجي

ومن ذلك يتضح أن نظام الخلايا في جسم الانسان نظام بديع في دقته وإبداعه كل الأعظمة السياسية ، فليس فيه برتان ، ولا اغلبية ، ولا اقلية ، ولا انتخاب ، ولا تحكم حزب في المجموع ، ولا ديكتاتورية ، ولا طغيان ولا استبداد . فتبارك الله احسن الخالقين . هو نظام اقتصادي جدير بالدرس والنظر فيه . فنوع من الخلايا كالخبازين لا تحذق إلا صناعة الخبز ولا تعمل إلا الخبز ، ونوع من الخلا يا كصاني الأحذية لا يخلق إلا صناعة الآحذية ولا تعمل إلا الأحذية . ونوع من الخلايا كالكهربائئين تحذق صناعة الواصلات الكهربائية

والخلايا التي كالخيازين تتناول كل ما يلزمها من الأحذية ، والخلايا التي كصانعي الأحذية تتناول كل ما تحتاج إليه من الخبز أما الخلايا التي كالكهربائين فتتناول كل ما يلزمها من الخبز والأحذية في مقابل ما تقوم به من خدمة الواصلات الكهربائية وكل أولئك يتم بإبداع مشبع بروح التعاون . فلا يأخذ نوع من الخلايا أكثر مما يحتاج إليه أو أقل فإذا حاول نوع من الخلايا أن يتناول أكثر من حاجته أو أكثر من غيره بغير ما سبب يقتضي ذلك كما يفعل بعض الناس جمعا للثروة وحرصا عليها - اختل التوازن في الجسم ، كما يختل في المجتمع الانساني في بلد من البلاد تنحصر ثروته في أقليه من سكانه . فاذا حدث ذلك في المجتمع الانساني انتشر الفقر بين أغلبية السكان في البلد . ويعالج الدين الإسلامي هذا المرض الاجتماعي بفرض الزكاة بأنواعها المختلفة انقاء لما عسي ان ينجم عنه من الخطر الذي يهدد المجتمع بالتدهور ؛ وهذا ما يحدث في جسم الانسان

ولأضرب للقارئ الكريم مثلا السرطان - وقاك الله شره ، ففي هذا المرض تطغي بعض أنواع من الخلايا ولا تقوم بواجبها وتؤثر نفسها بزيادة من الغذاء . فيضطرب امرها وتتدهور وتكون وبالا على الجسم كله . ويعالج الطب السرطان باستئصاله في أول أمره.

ويا حبذا لو أقيمت المدنية الحديثة على نظام الجسم الانساني البديع الذي هو المثل الأعلى للدقة والوفاق والإخاء والمساواة فخلايا الجسم كلها تتمتع بهذه المزايا على السواء . فالخلايا الكلوية مثلا تقوم بفرز بعض نفابات الجسم وإخراجها في البول . وهي تقوم بعملها هذا ليل نهار ، صباح مساء ، بغير انقطاع وبغير اعتداء علي غيرها وبغير إفراط او تفريط . وتقوم بهذا العمل متعاونة في وفاق ورقة مع سائر خلايا الجسم والغرض الاساسي لهذا الوفاق هو حفظ الجسم بصحة جيدة

اشترك في نشرتنا البريدية