الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الثقافة"

سؤال وجواب

Share

منذ أيام سمعت ابني الأكبر يعابث أخاه الأصغر ويقول له :

- يزعم فينا أبوك أنك فتي نجيب ! فهيا أرني نجابتك ، وفسر لي معني الحوار الذي سأقصه عليك في هذه الحكاية

فرد الصغير الخبيث بقوله.

أنا أفهم أية حكاية بشرط واحد .

قال له أخوه : وما هو ؟

قال : ألا تكون الحكاية " بائخة "

فقال أخوه ؛ ومن الذي يقرر إن كانت الحكاية بارعة أو با . . ٢

فأجاب الصغير : الأمر ظاهر . فإني إن فهمتها فهي بارعة ، وإن لم أفهمها فأنت تعرف عند ذلك ماذا هي . .

وتضاحك الفتيان ؛ وانضمت لهما اختهما الكبرى تحضر هذا الامتحان . فطفق الاخ الأكبر  يروى حكايته :

" كان في بلد من بلاد الهند ملك عظيم ، وكان فوق ذلك عالما كبيرا وفيلسوفا خطيرا ، ولذلك كان يفرح فرحا عظيما كلما ترامي إلي سمعه أنه ظهر في رعيته عالم أو فيلسوف . وكان لا يتردد في الذهاب بنفسه إلى هؤلاء ، النوابغ في أما كنهم ، يتحدث إليهم ، ويناقشهم في علومهم وفنونهم . فنما إلى علمه يوما ان شيخا كبيرا في القرية المجاورة لمع نجمه في القطانة والزكانة ، فاشتاق ان براء وان يختبره بنفسه ، فتنكر في زي رجل عادي ، وقصد إليه هو وجماعة من حاشيته . فلما دخلوا عليه ألقي عليه الملك السلام ، ثم قال له :

ما تري في البعيد؟

قال الشيخ : أراه قريبا

قال الملك : - وكيف حال الأثنين ؟

قال : - أصبحوا ثلاثة

فسأله : - وكيف حال الجماعة ؟

قال : - تفرقوا !

فقال : وما خطب الليل ؟

قال : - أصبح نهارا !

وما خطب النهار ؟ فسأله ؛

قال : أصبح ليلا

فأثني الملك عليه ، ودعا له ، وأبدي إعجابه لسعة فهمه وحسن إجابته ، وأمر بعض رجاله ان يترك له هدية مالية قيمة ، ثم انصرف مع حاشيته وهم يتعجبون في انفسهم . . عن أي شيء كان يسأل الملك . . وبأي شيء كان يجيب الشيخ ؟  " .

وعندما بلغ الأخ الأكبر هذا الحد في حكايته تطلع إلي ناحية الأصغر قائلا :

- هذا هو الحوار الذي جري بين الملك والشيخ . فهل تستطيعون نجابتكم تفسير شئ من هذا الحديث ؟ فقال الصغير ببديهته الحاضرة :

- وهل إذا وقف مخرفان يتساجلان مثل هذا الكلام أكون أنا المسئول عن تفسير حديثهما ؟

وهم الأخ الكبير بأن يقول شيئا جارحا . ولكن الاخت تدخلت في الوقت المناسب تريد إنقاذ موقف الصغير فقالت : إنها تلمح بعض المعنى في بعض هذا الحديث ؛ وسألت أخاها الأكبر :

- هل كان هذا الشيخ أشيب الرأس ؟

فقال : - أغلب الظن أنه كان كذلك )

قالت : - إذن يكون سؤال الملك عن الليل الذي أصبح نهارا إشارة إلي شعر الشيخ الذي كان فاحما ثم أدركه الشيخوخة فشاب .

فسألها أخوها : - وما قولك في النهار الذي أصبح ليلا هل يكون قد صبغ شعره ؟

فترددت قليلا ثم قالت :

- لا بد أن يكون ذلك اشارة إلي قوة إبصار الشيخ ، وان بصره كان حديدا نيرا في صباه ، فأصبح كليلا معتما في هرمه .

فتراجع أخوها وهو يصيح بها :

- لا! لا ! أنت لا بد اطلعت على أصل القصة وتفسيرها . ثم انت تحاولين الآن التظاهر  بأن هذا التفسير من عندياتك .

فغلبها الضحك واعترفت بأنها اطلعت فعلا على أصل القصة . وعرفت منها ان البعيد الذي اصبح قريبا هو " الموت " ؛ وأن الاثنين الذين أصبحا ثلاثة هما ساقا الشيخ بعد ان ضم إليهما عصاه ليستعين بها علي المشى ؛ وان الجماعة التي تفرقت هي أسنانه التي تساقطت على مر السنين . .

فتقدمت بدوري إلي هذه الفتاة التي افشت سر  أخيها ، وأذاعت جواب امتحانه قبل ان ينظر فيه المسئولون ، وقلت :

- إني سأضع لك سؤالا واحدا لا أظنه دخل في دائرة اطلاعك . فإن كانت عندك فطانة حقيقية فهذا ميدان ظهورها !

قالت : وأنا أيضا أجيب على أي سؤال بشرط واحد !

قلت : وما هو ؟

قالت : أن يكون السؤال نسائيا

قلت : سبحان الله ) وهل في الأسئلة أيضا ما هو رجالي ومنها ما هو نسائي ؟

قالت : إن كان معي السؤال يتعلق بشئون النساء فهو نسائي .

قلت : إذن دونك هذا السؤال ، فهو في صميم أحشاء النسائيات كلها . .

" قال الإمام على كرم الله وجهه : غيرة المرأة كفر . وغيرة الرجل إيمان ! " فكيف تفسرين هذا الكلام ؟

قالت : وهل لمثل هذا الكلام تفسير ؟ إنها دعاية قديمة من دعايات الرجال التي يذيعونها عن النساء على هواهم ، ما داموا انهم كانوا هم وحدهم المتحدثين ، الكاتبين . القارئين . وما أظن احدا يقول اليوم شيئا مثل هذا إلا ويجد الرد حاضرا على لسان " الحزب النسائي و المرأة الجديدة وغيرهما وغيرهما من الأحزاب ، التى يفضلها عز اليوم جانب المرأة ، وأصبح الرجال يفكرون مرتين قبل ان يلقوا بمثل هذه الأقوال .

قلت : أوكد لك ان هذا الكلام ما يزال اليوم صحيحا ، كما كان صحيحا منذ أيام الإمام كرم الله وجهه .

قالت : كيف يصح في الاذهان ان تكون الصفة الواحدة فضيلة ورذيلة في آن واحد ، فهي في المرأة كفر وفي الرجل إيمان ؟ أليست المرأة مثل الرجل ؟ !

قلت : هذا هو الأساس الخاطئ الذي لا يمكن فهم الأمور على وجهها الصحيح إلا بعد تعديله .

قالت : لولا أنك أب ، ولولا أن الكلمة منسوبة للأمام ، لكان مجال الكلام أمامي أفسح وأوسع . فهات تفسيرك ، ولك علي ان اصبر حتى تنتهي من شرحه .

قلت : أو ليس الله أحل للرجل تعدد الزوجات ، ثم أليست غيرة الزوجة الأولى قد تحول دون تحقيق رغبة الزوج في ضم زوجة جديدة إلي زوجته القديمة ؟ فإذا كانت غيرة المرأة تحرم على زوجها ما أحله له الله فانها تكون قد انتهت بها إلى الكفر . أما الرجل فإنه حين يغار على زوجته لا يكلفها بذلك إلا ان تقطع صلتها بكل رجل سواه ، ولا يحرم عليها إلا ما حرمه الله ؛ وبذلك تكون غيرته من الإيمان

قالت : احس بشعوري أن شيئا من التعسف يكمن في هذا التفسير . ولكن عقلي لا يستطيع ان يهديني إليه أو

يدلني عليه

قلت : استغفري لربك . فهذا تفسير الإمام الشيخ محمد عبده لكلام الإمام على بن الى طالب في حكم من أحكام الله سبحانه وتعالي

فقالت الفتاة في بأس لاعب الشطرنج الذي رأي شاهه وقد احيط به في اللعبة الأخيرة ، بحيث اصبح لا يستطيع أن يحركه من مكانه

ما دام تعدد الزوجات من احكام الله ، وما دام الإمامان يتعاونان على جعل غيرة المرأة بعد ذلك كفرا ، فماذا بقي لي من هذا الحديث إلا أن اسمعك وانت تقول لي : ) كشي ( فأقول لك : ) مات (

اشترك في نشرتنا البريدية