الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 325الرجوع إلى "الثقافة"

سؤال . .

Share

يسأل كل منا نفسه هامسا إذا خلا إليها عن أشياء كثيرة لايقوي على أن يسأل عنها جهرا في ملأ الناس . ولست أدري هل يجرؤ كل من يقرا هذه الكلمات على ان يقر بهذه الحقيقة أو لا يجرؤ . ولكني ازعم ان الإنسان إذا كان صريحا مع نفسه لم يستطع إلا ان يعترف بهذه الحقيقة . وهذه الأسئلة المهموسة تختلف بغير شك أعظم الاختلاف ، فمنها ما يمكن ان يجهر به المرء بعض الجهر ، ومنها ما يمكن أن يشير المرء اليها اشارة خفيفة ، ومنها ما يمكن ان يقضي به إلى الاخصاء من الأصدقاء ، ومنها مالا يمكن ان يكاشف به أحدا أيا كان خوفا من سوء الظن فيقذف به الى أعماق صدره ويغطيه ويبالغ في تغطيته حتى يكاد يغالط نفسه فيه . وكثيرا ما يبلغ الخوف بالإنسان مبلغا يجعله يخادع نفسه عن حقيقة أفكاره ، حتى يكاد يعتقد أنه يؤمن بعكس ما يؤمن به في الحقيقة .

هذه مقدمة أريد ان اعتذر بها للقارئ العزيز من جرأتي في أن أجهر بسؤال طالما همست به إلى نفسي وهو : " هل نحن معاشر المصريين قوم مثل سائر الأقوام المتمدنة ؟ أو يقول آخر : هل نحن امة بالمعنى المفهوم من لفظ الأمة ؟ " لا شك في ان هذا سؤال . . وليصفه من شاء بما شاء من الأوصاف . ولا شك في ان كثيرا من القراء الأعزاء قد رفعوا ايديهم إنكارا واجابوا حانقين : " نعم نحن قوم ، نعم نحن أمة كأحسن ما تكون الأمم "

ولكي أبالغ في الجرأة أعود فاسأل : " هل يكفي ان يعيش سبعة عشر مليونا من الناس في ارض اسمها مصر معروفة الحدود والصفات والطبائع الجغرافية والمناخية إلى غير ذلك - هل يكفي ان يعيش هؤلاء في تلك الأرض إلى يكونوا قوما أو يكونوا أمة ؟ " لا يؤاخذني احد ممن يقرأ هذه الأسئلة على جرأتي ، فاني لا أريد بها أكثر من

أن أردد في الجهر سؤالا طالما سألته لنفسي سرا .

وقفت أحيانا على ساحل البحر الأبيض في فصل الصيف . وهذا البحر كما هو معروف يحد وطننا العزيز من الشمال . وكانت الأمواج جميلة ، لا بل كانت رائعة . كانت تنهار زرقا ، متلالئة ثم تدافع في رفق او في عنف حتي تتقاذف على الرمال الصفراء اللامعة فتجر عليها ذيلا من الرغوة والرشاش الأبيض الذي يشبه الفضة .

وكان الشاطئ دائما مزدحما بطلاب متمة الصيف ، من جلوس تحت المظلات الزاهية ورقود على الشط المنبسط ، ومن مشاة يتهادون او يسعون او يلتمسون الرزق من بيع سلعة أو عرض خدمة . كلهم قد اجتمعوا في صعيد واحد تحت السماء الزرقاء والشمس اللامعة ويهب عليهم النسيم رخاء من الشمال .

وكنت دائما أسأل نفس : هل هؤلاء جميعا يتشابهون في شيء ؟ فكنت أسير حائرا ألمس الجواب بأن أجوس خلال الصفوف المتراصة واندس بين الجموع استمع إلي الاحاديث وأتعرف الآراء وأحاول ان أكشف ما وراء الظاهر من مخبات النفوس . فوالله ما خرجت من ذلك الشاطئ إلا وأنا على اتم اليقين من ان هذه الجموع لاتكاد تضم ثلاثة يجتمعون على وصف واحد او رأي واحد في الحياة أو نظرة واحدة إلي امر من الأمور . فيهم فتيات يتهاتفن ويكر كرن مثل الطير وهن يشرن بالانامل المصبوغة إلى كوكبة من العمات السمينات مجلسن تحث مظلة يمضغن اللبان ويتهامسن في حديثهن وهن بنظرن نحو الفتيات في شيء من الخبث يشوبه لون من اللوم .

ورأيت في الجموع شبانا يمرحون بين الأمواج وهم خليط من الجنسين يختلسون لحظات الصيف ، وشبانا اخرين ينظرون شزرا إلى ناحيتهم ويتحدون وهم يبشيرون في حنق نحو إخوانهم المرحين الغائصين بين الأمواج .

ورأيت شيوخا يدخنون على مقاعدهم في ) البوفيه ( وحولهم جموع من الابناء والحفدة ، وقد رصت على المائدة

زجاجات ملونة يصيبون منها جرعات مرة ، وشيوخا آخرين قد انتحوا جانبا يتلفتسون في بأس ويهزون رؤوسهم اشمئزازا مما تقع عليه ابصارهم . ورأيت طوائف من النعمين يصبحون في كبرياء ويلقون اوامرهم في عنف إلى طائفة اخري من المساكين الذين يسرعون إلي الطاعة وهم يكتمون الفاظ الحقد الذي تنطق به اعينهم . ولو شئت ان اذكر كل ما كان يقع عليه بصري فوق ذلك الشاطئ الجميل أو أن أعيد كل ما قرع سمعي وأنا أتدس بين تلك الجموع الزاخرة لجمعت النقائض جميعا وقرنت الاضداد كلها . مع أن ذلك الشاطئ إنما كان يجمع فريقا من أهل مصر يوشكون ان يكونوا جميعا من طبقة واحدة .

وقد سرت كثيرا في أحياء القاهرة ، هذه العاصمة الجيدة ، وطوفت في أطرافها وتعمدت أن ادفق النظر فيمن يمرون بي أو أمر بهم . وأذكر أنني أحصيت في طوافي ذلك مئات من الأزياء مختلف فيما بينها اختلافا متفاوتا ، فعلى الرؤوس انواع وانواع من الاخطية ، ودون ذلك انواع وانواع من الملابس ، حتى إذا بلغت الاقدام رايت انواعا أخري وأنواعا من الأحذية أو ألوانا وألوانا من الأقدام العارية . وما بين هذه وتلك تآليف كثيرة وتراكيب مختلفة وصنوف من النقص والزيادة ومن الابدال والتقيبير حتى لا اكاد احسب ان فردا واحدا يشبه الآخر في جملة ملبسه إلا في الشئ اليسير .

فإذا ما تقربت إلي هؤلاء وحاولت ان اقرا ما تنطوي عليه القلوب وجسدت من صنوف العقول والافكار ما لا يمكن ان يقع تحت حصر ، حتى لقد بدا لي ان مصر تستطيع ان تباهي الامم في تعدد شخصياتها ، فان لكل فرد زيه وفكره وعقله ، ولكل فرد أيمانه وعقيدته ولكل فرد نظرته الخاصة به إلى الحياة

وقد ظهرت صورة هذه الحال منعكسة على الجماعات ، فقد حاولت أن أحصى الجماعات ذات المبادئ المحدودة

فعددت منها عشرات ، وغلب على منها بغير شك عشرات أخري . وقد عنيت بتعرف مذاهبها فاذا بي أعرف أن كلا منها يرى أنه على الحق وأن الآخرين جميعا على الباطل . وقد تبينت أن مذاهب هذه الجماعات تختلف اختلافا عظيما فيما بينها ، فبعضها يرى الاصلاح في الاتجاه نحو الغرب ، وبعضها يرى الاصلاح في الاتجاه نحو الشرق ، ومنها جماعات ترى الاصلاح بين الشرق والغرب ، فلو مثلنا الاصلاح بدائرة مستديرة لكانت مذاهب الجماعات المصرية متعددة تماثل عدد ما يمكن أن يرسم في تلك الدائرة من أنصاف الأقطار . ولقد رأيت فيما رأيت جماعات ذات عبقرية لا يمكن أن يسمو الخيال إلي مثل مذاهبها ؛ فمنها ما يرى الإسلام في إطالة اللحى بمقدار شبر ، ومنها ما يراه في إطالة اللحى بمقدار نصف شير ، وهكذا قل ما شئت ارتفاعا وانخفاضا . بل لقد رأيت من الجماعات من ترى الاصلاح في أن تغطي الرأس بعمامة ذات عذبة طولها شبران على أن تلقي علي الكتف عن يمين ، وأخري ترى ذلك في العمامة إذا وضعت عذيتها عن يسار ، وثالثة ورابعة إلي آخر عددها مختلف كل منها عن الاخرى في أطوال العذبات ومواضعها من إحدي الكتفين .

ولا أريد أن اتحدث عن الطرق الصوفية ، فقد سبق أن أشرت إليها من قبل ، وهي على ما قيل لي تبلغ المئات عدا ، لكل منها شيخ ولكل منها طريقة ، ولكل منها ملبس وزي ، ولكل منها رسوم في الإيمان والعبادة ، قد قررت كل منها عدد ما يقرأ من الدعوات وطريقة الالتفاتة والإيمائة والنطق بالأسم الأعظم عن طريق الحلق أو عن طريق اللسان .

وأما الحياة نفسها فلا حاجة بي إلي وصفها ، فالجميع يعرفونها ؟ في مصر كوخ الفقير الذي يشبه جحر الفأر المرح الذي لا يدخر شيئا ، وفي مصر قصر الغني الذي يشبه دكان بائع التحف القديمة في ازدحامه بتعين الرياش .

وفيما بين هذا وذاك مئات أو ألوف من صنوف المنازل يختلف بعضها عن بعض في نظامها واسلوبها وطريق العيش فيها . هذا وكثير سواء هو الذي دعاني في كثير من الأحيان إلي أن أسأل نفسي هامسا : " هل نحن معاشر المصريين أمة ؟ وهل يكفي أن تسعى المجموعة أمة لأنها تعيش في رقعة واحدة من الأرض في ظروف طبيعية واحدة ؟ "

لست أريد بهذا السؤال أن ألقي أو أن أثبت ، ولكني وجدت السؤال يتردد كثيرا فيما يبني وبين نفسي كلما وقعت عيني على ما حولي ، فتجرأت على ان اجهر بذلك السؤال لأنني لم استطع أن استمر على بقائه مكتوما في صدري ، فلعل الجهر به يخفف من حيرتي أو لعلي أجد بين القراء من يهديني إلي الجواب وله الثواب

اشترك في نشرتنا البريدية