اهتزت أسلاك البرق يوما ما ناقلة إلي العالم خير إصابة رئيس الوزارة البريطانية المستر ونستون تشرشل بالالتهاب الرئوي ، فقلق الناس على مصير هذا الشيخ غير المحطم وعجبوا لجرثومة الإلتهاب الرئوي كيف تطاولت إلي انسجة هذه الآلة البشرية التي مضي عليها سبعون عاما طوالا وهي في نشاط مستمر غير منقطع حتى اصبحت عنوانا لطول البقاء اليانع المنتج . ثم تساءلوا : هل من سبيل إلى إنقاذ هذه الروح التي قدر لها أن تقبض بإحدي يديها على مستقبل امبراطورية وتوجه باليد الأخرى مصير الديمقراطية . وأعلن اخيرا ان الرئيس نجا بفضل معجزة جديدة ، وخرج إلى النور اسم البنسلين الخداب ، فكأمنا البشائر دفت وزفت للملأ اجمع بأن قد اصبح في يد الانسان سلاح جديد فعال يقيه من امراض كثيرة طالما سببت له عذابا مريرا ، وعكرت صفو حياته بآلامها وأضرارها
وقصة اكتشاف البنسلين عجيبة حقا . فقد كان الأستاذ الانجليزي ) فلمنج ( يقوم في سبتمبر ١٩٢٨ بدراسة خاصة بانبات الميكربات العنقودية ) ستاملكوك ( في أطباق زجاجية شفافة . وكان هذا العمل يستدعي رفع أغطية الأطباق من وقت إلي آخر ، وبذلك نتعرض للكائنات السابحة في الهواء وهي على اهبة دائمة للرسو علي أول حقل غذائي نصادفه . لاحظ فلمنح بعد بضعة أيام ان بأحد هذه الأطباق فطرا كالعفن الذي يكسو الخبز المقدد او الجبن الفاسدين ، ووجد ان مستعمرات المكورات العنقودية قد تحللت وتلاشت حول العفن ، في حين ان الموجودة على بعد منه نمت وتكاثرت وانتشرت . هذه الظاهرة التى يصادفها آلاف البكتربولوجييين يوميا دون
أن تلهمهم شيئا اجتذبت الكسندر فلمنح لأنه كان حاضرا ذهنه إذ ذاك في أبحاث خاصة بالمواد المضادة للمكروبات ، فكان عثوره على هذا الفطر حافزا له على التعمق في البحث عن سر هذه الظاهرة . فأخذ يزرع الفطر في سائل غذائي فنما وكون طبقة على سطح السائل بعد اسبوع ، ووجد أن هذا السائل يمنع نمو الجراثيم العنقودية ) ستافلكوك ( حتي بعد تخفيفه من ٥٠٠ إلى ٨٠٠ مرة ، أي أن قوته على وقف نمو الجراثيم تفوق قوة حامض الفنيك مرتين أو ثلاثا . وسميت هذه المادة السحرية بالبنسلين ، لأن الفطر من فصيلة البنسليوم . ومضى في أبحاثه ليلمس تأثيره على مختلف الميكروبات ، فوجد أن لهذا الفطر تأثيرا مضادا على بعض الميكروبات مثل السيحي ) ستربتوكوك ( والعنقودي ) ستافلكوك ( وميكروب السيلان والآلتهاب السحائي والرئوي ، في حين أنه لا يؤثر مطلقا على جراثيم أخري مثل جرتومة الانفلونزا وباسلس القولون والتيفود والكوليرا . واقترح الانتفاع به كعلاج موضعي في حالات التقيح ، وفي عام ١٩٣١ نشر لفلمنج بحث آخر تنبأ فيه للبنسلين بمستقبل زاهر في عالم الطب والعلاج . ولكن القصة طويت عاما بعد عام حتى سنة ١٩٤٠ عندما قام الاستاذ فلوري يصل ما انقطع ويلفت النظر إلي هذه المادة من جديد ، ونوه بالدور الكبير الذي يمكنها أن تلعبه في إنقاذ الآلاف بل الملايين من جرحي ميادين الحرب ، فأوفدته جامعة اكسفورد هو وزميله الدكتور هيتلي إلي الولايات المتحدة ليتفرغا للبحث والاستقصاء بعيدا عن ضجيح طائرات جورنج وأزيزها . وهناك أمكن استخراج مادة البنسلين بكميات كبيرة وارسالها إلي مستشفيات الميادين .
وهكذا ظهر البنسلين ليؤدي رسالته ، فأثبت أنه هبة إلهية سخر الله لا كتشافه ذهنا بشريا وفطرا طالما احتقره الباحثون لتفاهته . وبدأ بظهوره عهد جديد في ميادين الطب فالأمراض التي كانت تشفي في أيام أصبحت تكفيها
ساعات ، والتي طالت إلي الأسابيع والشهور صارت تنحني أمام عظمة الدواء الجديد في أيام . وبز في مفعوله مستحضرات السلفاناميد ، فقد ثبت انه يفوقها على الأقل ثلاثمائة مرة ، ووجد تجريبيا ان السببازول مثلا يوقف نمو المكورات العنقودية ) ستافلكوك ( إذا خفف بنسبة واحد إلي ثمانية آلاف ، في حين ان البنسلين يأتي بنفس النتيجة إذا خفف بنسبة واحد إلي عشرين مليونا .
ويحضر البنسلين على هيئة مسحوق اصفر يذوب بسرعة في الماء او محلول الملح أو محلول الجلوكوز ، ويحقن عند الاستعمال في الوريد أو العضل أو بين اغشية الرئة وغطاء القلب وداخل المفاصل . ويحضر منه مرهم للاستعمال الموضى ، اما وضع المسحوق نفسه على الجروح فغير مستحسن لأنه يسبب تهيجا موضعيا شديدا ، وقد ثبت أن حموضة العصير المعدي تؤثر على البنسلين تأثيرا سيئا ، ولذا يحسن عدم إعطائه عن طريق الفم .
وتفرز الكليتان البنسلين بسرعة عجيبة وخاصة إذا حقن في الوريد ، ولذا ترتفع نسبته في الدم لمدة قصيرة فقط تنخفض بعدها ما لم يسعف الجسم بحقنة اخرى ، ولهذا لسبب يجب أن يحقن الدواء في الوريد أو العضل كل ثلاث ساعات ليلا ونهارا حتى نصل إلي النتيجة المطلوبة . وقد وجد بالبحث ان هذا الدواء لا يفرز في الدموع او ليباق أو السائل النخاعي . وللسبب الأخير يجب حقنه في النخاع نفسه في حالات الالتهاب السحائي ، إذ لا فائدة من حقنه في الوريد أو العضل في هذه الحالة بالذات
ويختلف البنسلين عن مركبات السلفاناميد بأنه ليس سما ودواء في الوقت نفسه ، لأن الأعراض التي قد تتسبب عنه قليلة لا تكاد تذكر لعدم أهميتها وقلة خطورتها . ولا بأس من سردها حتى تتنبه الأذهان إليها :
) أولا ( الارتكاريا : وهي طفح جلدي يصحبه هرش قد يكون شديدا ، واحيانا ألم في البطن وارتفاع بسيط في
الحرارة . وتخف حدة الحالة بعد حقن المريض بالأدرنالين . وليس معنى ظهور الارتكاريا ايقاف تعاطي الدواء ، بل يجب الاستمرار في حقنه بلا هوادة . وقد يظهر الطفح متأخرا أي بعد انتهاء العلاج بأيام
) ثانيا ( ارتفاع الحرارة : وهو أكثر وضوحا في الأمراض غير المصحوبة بإرتفاع في الحرارة قبل تعاطي الدواء ، وتحدث هذا في الأيام الخمسة الأولى من بدء العلاج .
) ثالثا ( أعراض مؤقتة وسريعة الزوال مثل الرعشة والصداع وحدوث ألم شديد في موضع الحقن وهبوط عام واحمرار في الوجه وألم في الخصيتين وتقلص في العضلات : وكلها اعراض لاخطورة فيها وقد قل حدوثها منذ زادت نقاوة مستحضرات البنسلين
أما عن المقدار الذي يحقن في اليوم الواحد فانه يقدر بالوحدات ، ووحدة البنسلين تقابل1 من المليجرام من البنسلين النقي ، وهي التي إذا اضيفت إلي خمسين سنتيمترا مكعبا من مرق اللحم أمكنها أن توقف تكاثر ميكروب المكورات العنقودية ) ستافلوكوك ( . ويبلغ عدد الوحدات في الحقنة الواحدة من عشرة آلاف إلي عشرين ألفا أو أكثر كل ثلاث ساعات ، حتى ليبلغ المجموع في اليوم الواحد مائتي ألف وحدة أو يزيد ، وقد يصل احيانا إلي ستمائة ألف في الحالات الشديدة . ويحقن الدواء في العضل أو الوريد .
وتختلف حساسية الجراثيم في مقدار تأثرها بالبنسلين . فقد ثبت مثلا أن ميكروب السيلان أشدها تأثرا ، حتى إن نموه وتكاثره يقفان إذا خفف البنسلين إلي درجة واحد في المائة مليون ويليه في ذلك الميكروب العنقودي ) ستافلوكوك ( والسيحي ) سترنبوكوك ( وميكروب الإلتهاب السحائي والجمرة الخبيثة والتتانوس . اما ميكروب الإلتهاب الرئوي فإنه نسبيا أقل تأثرا وكذلك الدفتريا .
وقد ثبت أن ميكروب الحمي التيفودية والدوسنطاريا والكوليرا والسل الرئوي والإنفلونزا والحمي المالطية لا تتأثر مطلقا بهذا الدواء . ويقومون في الوقت الحاضر بأبحاث واسعة المطاف للحكم على صلاحيته كعلاح للزهري ، ويدعي البعض أنهم توصلوا إلي نتائج حاسمة .
والبنسلين لا يقتل الجراثيم كما قد يظن لأول وهلة ، ولكنه يحد من تكاثرها وحيويتها لدرجة تقلل من مقاومتها أمام وسائل الدفاع الطبيعية في الجسم البشري ، حكمه حكم من يطعن من الخلف عدوا مهاجما فيمكن المعتدي عليه من
قهر خصمه رغم تفاوت القوي . والسر في استمرار الحقن ليلا ونهارا لايام معدودات هو إلا نترك للعدو المهاجم فرصة يفيق فيها فيعاود الكرة . ومتى اطمأن الطبيب إلي نتيجة المعركة كما يلمس من تحسن الحالة العامة ونزول الحرارة ، يبدأ في سحب جحافله رويدا رويدا بالأقلال من عدد الحقن في اليوم الواحد ، فإذا تم انسحاب العدو وقهره أوقف العلاج وأخذ بيد مريضه في طريق النقاهة حتى يصلا سويا إلى بر السلامة والعافية .
