الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 332 الرجوع إلى "الثقافة"

ساست نامه، نظام الملك والبرامكة

Share

كان نظام الملك معتزا بنفسه مؤمنا برسالته مقدرا خطورة اضطلاعه بالأعباء الجسيمة التى أثقل بها كاهله ثلاثين عاما ، وقد نجح فى أن يجعل من أسرته ، أبنائه وأصهاره ، حلقة وثيقة العرى  لحكم الإمبراطورية السلجوقية ، وعمل على أن يظل الحكم فيهم من بعده ، شأنه فى ذلك شأن مهوترسى الذى وزر للملكين الساسانيين يزدجرد الأول وبهرام الخامس ، وشأن البرامكة الذين وزروا لبعض بنى العباس . وكان ينظر إلى البرامكة على أنهم المثل الأعلى للوزراء فى الإسلام ، ولاعجب فى ذلك فهم فرس مثله وقد ولوا الوزارة حين انتقل السلطان من العرب إلى الفرس ، ووليها حين أصبح الترك سادة عليهما جميعا . وهو يرى أن البرامكة كانوا يرجعون فى سياستهم إلى نفس الأصول الساسانية التى رجع إليها وأنهم من نسل وزراء آل ساسان وأن كتب " أصول الحكم " متوارثة فيهم . وعنده أن خير مشير على الملك مدير لسياسته هو الوزير الذى ورث الوزارة عن آبائه ، فإن الوزارة  - عنده -

كالملك يتوارثها الأبناء عن الآباء . وكما نجح يحيى بن خالد البرمكى فى صرف الهادى عن تولية ابنه جعفر بدل أخيه هارون ، كذلك يجح نظام الملك فى جعل السلطنة لألب أرسلان دون أخيه ، كما ذب عن العرش الطامعين فيه آل سلجوق . ونظام الملك مع تطلعه للبرامكة ونهجه        تهم الفارسية كان أوسع منهم سلطانا وأقوى نفوذا ،                 المدبر بغير منازع للسلاجقة الذين كانوا            على قوتهم فى الفتح والغزو ، ولكنهم كانوا يجهلون أصول الحكم ، فلم يكن فى مقدورهم إدارة دولة واسعة فتحوها بقوتهم ، ولم يكن بد من الاستعانة بالوزراء

الأكفاء ، فاستعانوا بالكندرى ومن بعده بنظام الملك ، وقد روى هذا من نفسه أنه قصد الحج ذات مرة فأتاه طيف فى المنام وأخبره أن النبى (ص) أوفده إليه ليمنعه من السفر إلى مكة ليبقى بجوار التركى - أى السلطان السلجوقى - الذى لا يعرف الشريعة المعرفة الواجبة للحاكم ! هكذا نظر نظام الملك إلى نفسه ، وبهذا عبر لرسل ملكناه حين أبلغوه غضب السلطان من ازدياد نفوذه ونفوذ أسرته وأنه قد يعزله . قال : قولوا له إن الذى وضع التاج فوق رأسه رفع العمامة فوق رسى !

قال نظام الملك :

والوزير الموفق الذى يستطيع السلطان أن يعتمد عليه مطمئنا لحسن سياسته وقوة خلقه هو الذى يبذل كل جهده فى سبيل الدولة والذى لا يتصرف من هوى أو ميل لأسرته أو عشيرته بل يجعل الصالح العام هدفا لكل جهوده ، وهو الذى - بكفايته وجدارته - يسبغ على الملك هالة من النور ، ويحمل حكمه زاهرا ويخلد اسمه فى التاريخ . والوزير يد الملك فما دامت هذه اليد خيرة رشيدة انصف صاحبها بمالها من فضل . وقد استعان الأنبياء أنفسهم بالوزراء ليشدوا بهم أزرهم ، كهرون من موسى وسيمون من عيسى وأبى بكر من محمد (ص) . وأشهر ملوك الأرض وأبقاهم ذكرا هم الذين وقفوا إلى خير الوزراء ، مثل جاماسب من كشتاسب وبزرجمهر من انوشروان ، والكندرى من طغرل بك ، ومثل البرامكة من بنى العباس .

قال السلطان : حدثنا عن البرامكة يا نظام وكيف وزروا للعرب . فقال :

كان ذلك أمام سليمان بن عبد الملك يا مولاى ، وقد اجتمع له من الملك ما لم يكن لأحد من آبائه ، فجلس يوما ومن حوله حاشيته ووزراؤه وكأن بنفسه أن يقول إن الله وهبه من الملك ما وهب سليمان الحكيم ، إلا أنه لا تذعن

له الطير ولا تطيعه الجن ! وبينما هو يفكر فى هذا إذ بادره أحد خاصته فقال : إن الخليفة مع ما أتيح له من عظمة الملك وأبهة السلطان ينقصه شىء واحد هو زينة البلاط عند الملوك السابقين . قال سليمان : أفصح . قال الرجل : ينقصك يا مولاى وزير من أبناء الوزراء الأقدمين تزدان به مملكتك وتستعين فى إدارتها . قال الخليفة : ولكن أين أجد هذا الوزير ؟ فقال المتحدث : إنه ببلخ واسمه جعفر بن برمك (الجد) وهو من نسل البرامكة الذين وزروا للساسانيين منذ أيام أردشير بن بابك وقد زالت عنهم الوزارة حين ذهب ملك آل ساسان ، وهم يتوارثون - منذ الفتح العربى لبلادهم - القوامة علي بيت نار النوبهار ، كما بتوارثون كتبا فى أصول الحكم ورواجبات الوزير ، وضعها الآباء وزاد فيها الأبناء ماجد من تجاربهم ، ولست أرى من هو أجدر من جعفر هذا بوزارتك ، والرأى لمولاى . وراقت الفكرة لسليمان فامر والى بلخ أن ينادى جعفر بن برمك وأن يعطيه مائة ألف دينار ثم يوجهه إلى دمشق . . وقوبل البرمكى فى رحلته الطويلة بأروع مظاهر الاستقبال ،

فقد شاع أنه ذاهب ليتقلد الوزارة ، وأمر الخليفة باستقباله استقبالا رسميا فى البلاط ، فاجتمع الأمراء ورؤساء القبائل وذوو الرأى ، فلما بلغ جعفر القصر فتحت له الأبواب ، ولم يكد يدخل حتى وقف الحضور تحية وإجلالا ، ولكن الخليفة تجهم ، وأمر بطرده شر طردة وقد استشاط غيظا وقال : خذوه فغلوه . وساقه الحرس خارج القاعة . أما الخليفة فظل عابسا ، وأما الحضور فكأن على رءوسهم الطير . .

إلى أن حان وقت الشراب ، ولعبت الكؤوس بالرءوس وتفتحت أسارير سليمان وأمن الحاضرون غضبه . وقال أحدهم : بعثت يا مولاى فى طلب جعفر وأحطته فى رحلته بعطفك ورعايتك وجلست تنتظر حضوره ، وهو شرف لم تمنحه أحدا من قبل ثم طردته من مجلسك وأنت غاضب عليه فهلا شرحت لنا الحكمة فى ذلك ؟

قال الخليفة : إنه دخل بلاطنا وفى يده السم ، ولولا أنه من أبناء الوزراء السابقين وقد استحضرناه من بلد قصى لأمرنا بقتله صبرا  .

قال صاحبنا : إذا أذن مولاى ذهبت عنده لأستبين الأمر فإنى أرى فيه سرا ، فأذن له الخليفة . . وأجاب جعفر سائله بأنه يحمل السم فى خاتمه ولكنه سم لا يضر حشرة حقيرة فى الأرض وهو لا يفكر فى إيذاء مخلو ق  به ، وقال إنه ورث الخاتم وما يحتويه عن آبائه الوزراء الذين حملوه لاستعمال ما فيه من السم إذا اقتضى الحال ، فكثيرا ما كان الملوك يغضبون فيصادرون أموالهم ويعرضون للبوار أرواحهم ، قال وحين نادانى الخليفة خشيت أن يطلب إلى مالا قبل لى به ، وخشيت أن يأمر بتعذيبى عذابا لا قدرة لى على احتماله ، فلبست الخاتم لأسرع إلى الموت قبل العذاب الأليم . . فلما علم الخليفة السبب الذى من أجله حمل جعفر السم فى خاتمه راقت له الفكرة ورضى عنه ، وأمر بأن يرسل اليه حصان من خيوله المطهمة وبأن يحضر راكبا إلى البلاط . . واستقبله أجمل استقبال ثم أمر بإعداد غرفة الشراب فزينت بالذهب والفضة وفرش بالبسط النسوجة من الذهب الخالص ، وبدت الغرفة فى أبهى حلة ظهرت بها

ثم انتقل الخليفة ووزيره الجديد والحاشية اليها وأخذوا يشربون .

ولما اطمأن جعفر إلى الخليفة سأله : كيف عرف أنه يحمل السم مع ان احدا لم يفطن لذلك من قبل ؟ فقال له الخليفة : إن معى سوارا هو أثمن كنوزى جميعا ، لا أنا أنفصل عنه ولا هو ينفك عنى ، وهو عشر صدفات تشبه الجزع (نوع من الصدف) وليست منه ، وجدته فى خزانة أحد الملوك ، فإذا دخل فى غرفتى طعام أو شراب مسموم أو  دخل من يحمل سما اضطربت الصدف وفقدت هدوءها ، وبفضل هذا السوار عرفت أنك تحمل السم ، وقد كان يزداد اضطراب صدفاته كلما تقدمت منى ، ثم نزع الخليفة صدفتين من السوار وأراهما لجعفر وسأله إذا كان قد رأي فى حياته شيئا أعجب مما يرى ، فقال : نعم يا مولاى ما رأيت مع حاكم طبر ستان . قال الخليفة : ماذا رأيت معه ؟

فقال جعفر البرمكى :

عرجت على آمد وأنا فى الطريق إلى دمشق عملا بأمر مولاى فاستقبلنى حاكمها وانزلنى ضيفا عليه وأحاطنى بالرعاية والعناية ، وقد سألنى إذا كنت أرغب فى رحلة بحرية ترويحا عن النفس من مشقة الطريق فوافقت . وركبنا السفن ومعنا أهل الموسيقى والغناء و من حولنا السقاة يديرون كؤوس الشراب والجو صحو جميل ، وكنا فى سفينة واحدة وهو قريب منى ، فرأيت فى إصبعه خاتما لم أر أجمل من الفص الذى يزدان به ، فحدقت فيه طويلا فلما لاحظ ذلك انتزعه من إصبعه وقدمه هدية لى ، وخشيت أن تكون اطالة نظرى فيه قد احرجته فرددته شاكر معتذرا فألح عت فى الاعتذار عن القبول فقال إن ما يخرج من يدى د اليها ، فأكدت اعتذارى فأخذ الخاتم من يدى          فضحت آسفا وقلت : لو عرفت أنك ملقيه فى حدبه . قال : إنك حين أطلت النظر فيه علمت أنه راق فى نظرك أكثر مما يروق لى . وها أنت تحزن لقراره

فى قاع البحر ، ولكنى واجد الوسيلة لإخراجه ورده إليك . ثم أمر خادما بأن يعود إلى البر وان يذهب إلى القصر ويطلب من الخازن أن يعطيه الصندوق الفضى الذى فى الخزانة ، وأمر ربان السفينة التى كنا بها بالتمهل . . وجاء الخادم يحمل صندوقا صغيرا من الفضة فتناوله الحاكم وأخرج من منطقته مفتاحا ففتح به الصندوق وأخرج منه سمكة من الذهب الخالص وألقاها فى الماء ، وبعد لحظة عادت السمكة وفى فمها الخاتم المفقود . . ثم نزع جعفر الخاتم من إصبعه وأراه للخليفة فأعجب هذا به ورده اليه وقال إن ذكرى كرم هذا الوالى لا يجوز أن تضيع .

ولبث شأن البرامكة فى ارتفاع حتى قلب لهم الدهر ظهر المجن فزالت دولتهم . وما قصدت بهذا أن أعرض على مولاى من شهير قصصهم ما يعرف . إنما قصدت ذكر القواعد اللازمة لاختيار الوزير الكفء الذى يعلم واجباته نحو الدولة . وما القصص إلا لتسهل على مولاى القراءة . وفقك الله وأرشدك إلى ما فيه صلاح الدولة والدين .

اشترك في نشرتنا البريدية