وصور إنكاره هذا في كتاب رائع ، ما أظن إلا أن المنتصرين في أسبانيا قد ضاقوا كل الضيق ؛ ولكنه لم يترك أسبانيا ليستقر في وطنه ، بل ليعبر المحيط إلى أمريكا الجنوبية ، ومن هناك أرسل كتابه هذا الذي أتحدث عنه.
وهذا الكتاب يصور ما يملأ نفس الكاتب من السخط العنيف على ثلاثة أشياء : على موقف فرنسا في مؤتمر مونيخ في السنة الماضية ، لأنه كان موقف خزي وذلة لا يلائم الشرف الفرنسي ، ولا يلائم طبيعة الشعب الفرنسي العظيم ، ولا يلائم مصلحته القريبة والبعيدة ، وإنما يلائم أهواء جماعة من الساسة أصحاب النفوس الضعيفة والنظر القصير .
وعلى حزب الملكيين الفرنسيين ، فالكاتب ملكي متطرف في حب الملكية وفي بغض الجمهورية ، ولكنه ينكر سياسة حزبه أشد الإنكار ، لأن هذا الحزب يضلل الشعب الفرنسي من جهة ، ويضلل صاحب الحق في العرش الفرنسي من جهة أخرى ؛ يصانع في السياسة وما ينبغي للسياسة الملكية أن تصانع أو تداجي ؛ يميل إلي دكتاتورية موسليني وهتلر ، لأن الديكتاتورية تخاصم الجمهورية ولكن الدكتاتورية تخاصم الملكية الصحيحة أيضًا أو الملكية الفرنسية على كل حال . وعلى الكنيسة الكاثوليكية ، فصاحبنا متدين إلى أقصي غايات التدين مؤمن كأقوى ما يكون الإيمان ، ولكنه يريد من الكنيسة الكاثوليكية أن تكون صادقة مخلصة للدين ، لاتصانع في ذلك ولا تداجي ؛ وهو يراها قد صانت المنتصرين في أسبانيا ؛ فشاركت فيما اصطنعوا من عنف وغمست يدها فيما سفكوا من دم بريء . فهو ينكر عليها ذلك في حرية مطلقة وصراحة لاحد لها ، لا يعنيه أن ترضي الكنيسة عنه أو تسخط عليه ، كما لا يعنيه أن يعرفه الملكيون أو ينكروه ، وكما لا يعنيه أن يحبه الساسة
الجمهوريون أو يبغضوه ؛ وإنما الذي يعنيه شيء واحد ، أن يفكر حرًا وأن يعلن رأيه حرًا وأن يحتمل بعد ذلك تبعات هذا الرأي مهما تكن !
وواضح جدًا أن مثل هذا الكتاب يلقاه القراء الفرنسيون أحسن لقاء ، لأنه حر أولًا ، ولأنه بهاجم في عنف ما يكره الناس مهاجمته ، ولأنه يثير الغيظ والحنق في قلوب كثير من الناس ، ولأنه بعد هذا كله قد جلى في أروع صورة أدبية ممكنة ! .
أرأيت إلي هذه الكتب الثلاثة وإلى ما تصور من النواحي المختلفة لأزمة الحياة العقلية على اختلاف فروعها ؟ ألست توافقني على أن قراءتها خليقة أن تسلي عن كثير مما نسمع وري في مصر من التقصير في ذات الثقافة العليا ، ومن ابتذال العقل الممتاز في سبيل المنافع العاجلة والأعراض الزائلة وحسن المكانة عند هذا العظيم أو ذاك ؟
وحسن المكانة عند عامة القراء الذين يستطيعون أن يهدوا إلى من يرضاهم ويهبط إليهم شهرة عظيمة بعيدة الصوت ، ولكنها أشبه بهذا اللهب الذي يكفي أن تنفخه ليخمد كأنه لم يكن.
نعم لقد كان لي من التفكير في هذه الكتب الثلاثة تسلية عن بعض ما سمعت في تلك الساعة التي قضيتها أمس بين جماعة من المثقفين الممتازين ؛ ومع أن كثرة هذه الجماعة كانوا مثلي يؤمنون بالعقل ، ويعرفون للأدب الرفيع حقه ، فقد ذادت على هذه الساعة النوم حتى تقدم الليل ، لأني سمعت فيها صوتا شاذًا ، وقد صدر هذا الصوت عن آخر من كنت أظن أنه يصدر عنه ؛ ومن أجل هذا أستأذنك أيها القارئ الكريم في ألا أسمي صاحب هذا الصوت ، لأني لا أريد أن أوذيه ، وفي أن أهدي إليه مع ذلك هذا المقال .

