الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 245الرجوع إلى "الثقافة"

سافونارولا، Savonarola

Share

تمهيد أصل سافونارولا ونشأتة -فراره والتحاقه بدير الدومتيكان في بولونيا - إشارة إلى بعض أحوال إيطاليا في عهده - وعظه في فرارا - خطر الحرب - انتقاله إلى فلورنا .

ما أن انبثق عصر النهضة في إيطاليا ، إلا وكان المجتمع الإيطالي قد دخل في دور تغيير عنيف شمل جميع مرافق الحياة . فتغيرت عقلية الايطاليين ، وخرجوا على أوضاع العصور الوسطى ، وأهملوا العرف والتقاليد ، وأقبلوا علي متبع الحضارة اللاتينية واليونانية ياخذون عنه الوانا من الفكر والأدب والفن ، واستلهموا ذلك التراث القديم في تغذية عقولهم وإذ كا ، عبقريتهم . وظهر الفن الجديد الذي استعد عناصره من آثار القدماء ، ومن وحي الحياة الواقعة واستجابة الفنان لمؤثرات بيئته ، وأصبح الفن مبتكرا حيا طبيعيا رائعا . ونشأ الأدب الجديد الذي يصور عواطف الشعراء الصادقة ، ويمجد جمال الروح والجسد ، والذي يحض على التمتع بالحياة قبل فوات الوقت . وأصبح الإنسان مقياس القيم في الوجود ، وبحث الإنسانيون الحياة على الأرض لا في ما بعد الحياة ؛ فتمتع الناس بمجلدات الدنيا ، وخالفوا قواعد الاخلاق والدين واقيمت الحفلات والمراقص ، وعاش الأغنياء والأمراء ، ورجال الدين وعلى رأسهم البابوات أنفسهم عيش البذخ والترف .كما

عصفت بابطاليا أهواء السياسة وتنازع الأحزاب واختلاف المصالح ، وتعرضت لخطر الغزو الأجنبي .

ولم يخل هذا الجو الجديد من نهوض معارضة ومقاومة لهذا التيار العام الذي ساد إيطاليا في ذلك الوقت . وتتمثل هذه المعارضة في الحركة التي قام بها جيرولامو سافونارولا، الراهب المتعصب الذي اشتهر في فلورنا وفي أنحاء إيطاليا . وتعتبر حركته من بعض الوجوه كرد فعل لعصر النهضة الجارف ، وتحتوي علي عنصر الرجوع إلي القديم والتمسك بقواعد الأخلاق والدين ، مع العمل على تحقيق العدالة ومقاومة الاستبداد . فهي حركة دينية سياسية اجتماعية ، تري إلي إصلاح المجتمع الفلورنسي والإيطالي علي أساس الأخلاقي والدين .

سجل التاريخ أخبار أسرة ساقونارولا لأول مرة في حوالى منتصف القرن الثالث عشر للميلاد ، عندما ظهر أنطونيو ساقونارولا كجندي باسل ، مدافعا عن حرية مدينة يادوا ضد اعتداء الطاغية إتزيلينو ، وفي منتصف القرن الخامس عشر ، انتقل أحد أفرع هذه الأسرة وعلي رأسه ميشيل ساقونارولا إلي مدينة فرارا Ferrara بناء على طلب الدوق نيقولا الثالث . وقد اشتهر ميشيل ، جد بطلنا ، بأنه كان طبيبا بارعا ، كما امتاز بالتقوي والورع والعطف على الفقراء والمحتاجين . واصبح طبيب البلاط في فرارا ، كما تولي تدريس الطب بجامعتها ، ولا نعرف كثيرا عن ابنه نيقولا الذي درس الطب أيضا ، واشتغل في بلاط الدوق . وامتازت زوجته إيلينا بقوة الشخصية ونبالة الخلق ، وكان لها تأثير كبير على ابنها جيرولامو فأكميته صلابة الطبع والثقة بالنفس والتمسك بالمبادئ وكان عظيم الحب لها شديد الإعجاب بسجاياها ، وطالما التجأ إلي مشورتها بطلب منها العون في ساعات الضيق التي المت في حياته العنيفة

ولد جيرولامو سافونارولا في ٢١ سبتمبر ١٤٥٢ ، وهو ثالث إخوته الذين بلغ عددهم سبعة . ومعلوماتنا قليلة عن عهد طفولته ونشأته الأولى . ونعرف ان والديه كانا

بأملان أن يصبح جيرولامو طبيبا . وقد عني جده بتلقينه مبادئ التعليم الأولى ، وحباء عطفه ورعايته ، وحبب إليه الدراسة ، وجعله يقبل على الهام الكتب ، ولسوء الحظ مات الجد سريعا ) ١٤٦١ ( ، فأخذ أبوه يلقنه مبادئ الفلسفة كمقدمة لدراسة الطب ؛ فدرس آراء توماس اكريناس فيلسوف العصور الوسطى ، كما درس اراء أرسطو ؛ وقد تأثر بصفة خاصة بآراء ا كويناس ، وكان ينصرف إلي مؤلفاته وقتا طويلا ، حتى انه أثرها على دراسة الطب ذاته . وكذلك قرا كتب القدماء ، والف بعض الأشعار ، ودرس الرسم والموسيقي . ولا نعرف تفصيلات وافية عن سير تعليمه والصعوبات التي واجهته . ويلاحظ أنه كان يميل منذ حداثته إلى العزلة وإلى التفكير والتأمل ، كما كان يشعر ، من وقت لأخر ، يدافع بوجهه إلى الاتصال بالناس والاختلاط بهم .

وفي ذلك الوقت امتاز أمراء فرارا بتشجيعهم العلوم والفنون والآداب ، وحاولوا ان يجعلوا من مدينتهم مركزا مهما من مراكز حركة النهضة في إيطاليا . وامتازت فرارا بفخامة وأبهة الحفلات والمراقص التي كانت تقام بين جدران البلاط والقصور ، وفي شوارع المدينة وأماكنها الرئيسية . وقد شهد سافونارولا طرفة من هذه الحفلات ، خصوصا عند ما حضر البابا يبو الثاني إلي فرارا ، في الرحلة التي قام بها لاجتذاب امراء إيطاليا وضم صفوفهم لتكوين جبهة متحدة تعمل على طرد الأتراك العثمانيين من أوروبا . وقد ارتبط بهذه الحفلات مظاهر البذخ والترف ومعالم الوثنية القديمة . ولم ترض ساقونارولا هذه الظاهر والمباهج ، وأثرت في نفسه تأثيرا مؤلما . وأحس منذ طفولته الباكرة بهذه الدوافع التي أسخطته  وحملته على محاربة البيئة التى عاش فيها ، فأخذ يبدو حزينا متواضعا ، متألما مخلصا ، مكبا علي الصلاة ، وكثير ما انهمرت دموعه عند أسفل المذبح وهو راكع يتعبد

وحاول أن يسلي نفسه بإيقاع نغمات موسيقية حزينة ، وينظم الشعر الذي نفس فيه عن صدره المكروب .

وذكر في هذا الشعر كيف زالت الفضائل من العالم ، وانعدم النور الذي يضيء الظلمات ، وانه لم يعد يخجل إنسان من آثامه وخطاباه وأصبح السعيد ذلك الذي يعيش والاعتداء على الناس ويمتص دماء الاخرين ، ومن يهب الارامل والأطفال الذين اؤتمن عليهم ؛ واعتبر رقيقا من سخر بالسماء والمسيح والفضائل . وازدادت كراهية سافونارولا  الأخلاقي العصر الذي عاش فيه ، ورفض بإصرار غريب علي من في سنه أن يخطر عتبة قصر دوق فرارا في رفقة أبيه

وحدث  أن لجأ سترونزي احد المنقبين السياسيين من فلورنسا إلي فرارا ، وسكن منزلا مجاورا لآل ساقونارولا . وكان لأسرة سترووتزي تقدير في نظر ساقونارولا لانها نفيت ضحية للوطنية ودفاعا عن الحرية . وكان لسنرونري ابنة جميلة غير شرعية تسعى لاوداميا ) Laodamia

وعندما التقت عيناه لأول مرة بعيني الفلورنية الجميلة اهترت نفسه ، واشتعلات في قلبه نيران الحب ، وثار بين جوانحه ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يؤمن بالسعادة على الأرض ، وبدت الدنيا أمامه تشع ضوءا جديدا ، وازدحمت في مخيلته أمان متلاحقة ، وتخيل السعادة المجهولة التى تنتظره ، وامتلا صدره بالثقة والحماس ؛ فاندفع معلنا عواطفه الصادقة لفتاة أحلامه . ولكن سرعان ما صدم في شعوره فجأة وعلى غير انتظار ، إذ أعلنت أسرة ستروترى عدم كفاءة سااقونارولا لفتائهم ، فخر الرفض في نفسه الشاعرة ، واحس بأحلامه تتبخر هباء ، وبأمانيه تعلير في الهواء . فحمل قلبه الجريح ، وانطوي على نفسه وعاد إلي وحدته المريرة ، ببكى ويتأمل

وقد رده هذا الفشل إلي شعوره الديني الصميم ، الذي أصبح عزاه لقلبه الكلوم ، وفتح أمامه طريقا آمنا للنحاة . وبينما ازدادت كراهيته لحياة المجتمع اشتد إهجايه بآراء نوماس أكويناس ، وأخذ بفكر في هجر العالم إلى الرهينة . وأدرك بجلاء مدى الصراع العنيف الذي هو مقبل عليه لفراق أهله . وكان من الضروري له أن يخفي رغبته عنهم حتى لا يحولوا بينه وبين ما اعتزم تنفيذه

وقد لحظت عليه امه وجوما في تفكيره وتغيرا في طباعة ، وكلها قد تنبأت كما يحول في خاطره ، وكانت ترمقه بنظرات الحب والإشفاق والوجل ، فتمزق قلبه الملي بالعواطف . ولم يكن يجرؤ سافونارولا في تلك اللحظات على مواجهة عينيها اللتين تقيضان بالحتان . وذات يوم أخذ الفتي يغني ويعزف على قيثارته لحنا حزينا نفذ إلي قلب امه ؛ فتراءت لها الحقيقة الغامضة ، واختلجت نفسها وصاحت " بصوت يخنقه العبرات : " اي بني هذا لحن الفراق ! " . فتماسك سافونارولا وتجلد ، وصمت ولم يتكلم وكتم انفاسه ، واستمرت اصابعه المضطربة تداعب اوتار القيثارة ؛ دون أن يقوي على رفع بصره إلي عينيها .

وبينما ذهبت اسرته لحضور إحدي الحفلات الدينية ، غادر سافونارولا فرارا خلسة في ٢٤ أبريل سنة ١٤٧٥ ، وانطلق إلى بولونيا حيث طرق ابواب ديرسان دومنيك ، ورحب به رؤساؤه . وكتب إلى أبيه كتابا رقيقا برر فيه هربة المفاجئ ، وقال بأنه لم يعد يطيق مساوئ العالم وخطايا الناس ، وانه أخفي نيته حتى لا يخونه قلبه في تنفيذها . وسأله ان يكون قويا ، وان يعمل على مواساة أمه وتشجيعها ، واشار إلى انه قد ترك في غرفته في فرارا كتابا ؛ فهرع إليه أبوه ، ووجد به نفس النغم ، حينما عبر عن ارائه قائلا بأنه لا يوجد رجل واحد يبغي الفضيلة ويطلب الخير ، وانه ينبغي للناس ان يتعلموا من الأطفال والنساء ، لأنهم وحدهم الذين يحتفظون بظل من طهارة النفس وسلامة الطوية .

وقضي ساقونارولا سبع سنوات في دير الدومتيكال  في بولونيا . وكان لجدران الدير اثرها الفعال ، ففصلته عن العالم الخارجي زمنا ، واضفت على قلبه السلام ، وطهرته من رغبات النفس ، وصرفته إلى العبادة والطاعة . وقد أيدي ملكات ممتازة وقدرة على التحصيل ، فعهد إليه رؤساؤه بأن يتولى تعليم الرهبان الجدد . ويخطئ من يظن ان ساقونارولا لم يكن الا  رجلا خاضعا مطيعا متواضعا على الدوام ؛ فقد احتوت نفسه إلى جانب هذه الصفات علي عناصر الثورة والجراة والكفاح والنضال .

وعند ما كان يفكر في مساوي الكنية وفوضي العصر فانه كان يثور ويغضب ، ويعلن اراءه بصراحة نادرة ، غير عابي بقواعد الطاعة والخضوع الاعمى . وكان يغمر قلبه الأسى العميق فيبكى ويصمت ، وبمضى الساعات الطويلة وهو يتأمل جمال الطبيعة الساحرة . وهكذا من الزمن الذي يغير كل شئ ، ولكن لم يغيره هو ، فبقى رأسخا في إيمانه ، ثابتا في عزلته وزهده ، متعصبا لمبادئه ، متطلعا المستقبل .

وكان البابوات في ذلك الوقت قد انصرفوا إلى امور الدنيا . فأظهر البابا ياولو الثاني جشعا كبيرا في جمع الأموال ، بينما عمل أقاربه وخلقاؤه على بدلها وتبديدها : واستغرقت حفلات البلاط البايوي الاموال الطائلة ، وناهيك بالزينات والوائد التى كانت تقام في مناسبات مختلفة كما أخذ البابوات وأفارسهم يمعنون في مخالفة قواعد الدين والأخلاق ، ويسرفون في التمتع بملذات الحياة ، وعلى رأسهم البابا اسكندر بورجيا ؛ وكذلك أصبح الحال في سائر أنحاء إيطاليا

وقد تركزت سلطة الحكم في بعض أنحاء إبطاليا في يد حكام من الطغاة المستبدين ، واستطاع بعضهم ان يحكم إمارته حكما معقولا ، ولكن أعوز بعضهم الآخر النظر السليم والملكات اللازمة للحاكم الكف ، كما امتاز كثير من الحكام باتخاذ وسائل القسوة والخداع والغدر لتحقيق أطماعهم الشخصية مع إهمال مصلحة الشعب فسرت روح الاستياء بين الناس ، وتطلع افراد من المخاطرين للقيام مؤامرات بقصد التخلص من هذا الحال .

وحدثت بعض أمثلة لهذه المؤامرات في سنة ١٤٧٦ ، إذ حاول جيرولامر جنيل ان يحرر جنوا من سيطرة ميلانو ، وقامت مؤامرة انتهت بقتل حاليا تزو المستبد بحكم ميلانو ؛ ثم فتك بالجناة في شوارع المدينة . وحاول نيقولادست ان ينزع حكم فرارا من اخيه الدوق ار كولي ، ولكنه لم يفلح ، وقد ادي فشل هذه المؤامرات إلى استفحال نفوذ الحكام المستبدين . ولكن ذلك الفشل لم يثن المخاطرين عن القيام بمحاولات جديدة . وحدثت افظع مؤامرة من هذا النوع في فلورنسا ، وهي مؤامرة

آل ياتزمي الذين ثاروا ضد استبداد آل مديتشي واستئثارهم بالحكم ؛ وحاولوا قتل لورنتروا العظيم ، ولكنه تمكن من النجاة ، وقتل جوليانو دي مديتشي في كاتدرائيه فلورنسا في أبريل سنة ١٤٧٨ . وتمتاز هذه المؤامرة برفعة شأن من اشترك فيها من كبراء المدينة ورجال الدين ، وقد عضدها البابا سكتوس الرابع لكي يبسط سلطانه على على فلورنسا ، وكما تمتاز باختيار الوقت المناسب لها وبعدد ضحاياها .

وفي وسط هذا المعترك الإيطالي الصاخب كان سافونارولا يرقب الحوادث ، وقد ملأ نفسه الأسى والرهب . وبدأ يعظ الناس في بولونيا في ١٤٨١ . ثم ارسل للوعظ في فرارا ، وعاش فيها منعزلا وتجنب مقابلة اصدقائه ، ولم ير أسرته إلا نادرا لكى لا يوقظ في نفسه عواطفه القديمة إلا أن شوارع المدينة وأحياءها ومنازلها وكنائسها كانت تتحدث إليه عن ذلك الماضي الذي عمل على إبعاده عن ذهنه ، فكانت تتجاذب نفسه مشاعر مختلفة . ولم يكن في عظائه في فرارا قد كشف بعد عن مقدرته الخطابية وكان قليل الثقة بنفسه للسيطرة على سامعيه ، في أول الأمر ؛ وان يكن قد ظهرت في عظاته لمحات من البلاغة وقوة العارضة

وفي نفس السنة هددت فرارا الحرب . وبدأت موجهة ضد دوق فرارا ، ثم اتسع نطاقها وانقسمت ايطاليا إلي معسكرين متعاديين . ويرجع سبب الحرب الحقيقي إلي رغبة البندقية في توسيع سلطانها في الأرض الإيطالية من ناحية ، ورغبة البابا تقوية سلطانه ونفوذ اقاربه في إيطاليا من ناحية أخري . وانضم إلي دوق فرارا فلورنسا ونابلي وميلانو وبولونيا ؛ وانضمت جنوا والبندقية إلي البابا في أول الأمر . ووقعت مناوشات غير حاسمة . وبدت البندقية أنها ستكسب كل الفوائد وسينمو نفوذها على حساب الإمارات الإيطالية الأخرى ؛ وعندئذ غير البابا سياسته ، فصالح اعداءه من أمراء إيطاليا وحرضهم على قتال البندقية العدو الخطر . وكان هذا التغيير الفجائى امرا غريبا في نظر من لا يعرف طبيعته ، والوسائل التي يتخذها للوصول إلي اغراضه ومل . خزائنه بالمال وتوسيع املاكه . واستمرت المناوشات

بعض الزمن ، ولكن انتهي الأمر بكلال المتحاربين وضجرهم من الحرب ؛ فوقف القتال وعقد الصلح في ١٤٨٢ . ومات البابا حانقا مريضا ، لان الصلح قد فوت عليه فرصة تحقيق احلامه ومطامعه

وقد اضطرت هذه الحرب الكثير من رهبان الدومنيكان إلي مغادرة فرارا . فودع سافونارولا اسرته وأصدقاءه ، ومدينته لآخر مرة ، إذ لم يقدر له ان يعود إليها بعد ذلك . وأرسل سافونارولا فلورنسا ؛ واخذ يقطع طريقه بين ممرات جبال الأينين إلى هذه المدينة الجديدة ، بينما كانت تساور نفسه الأفكار الحزينة من جراء ما أصاب إيطاليا من الفوضى والاضطراب وادرك بوضوح ما جرته على بلاده السياسة الخرقاء التي اتبعها البابا وامراء إيطاليا ، والويلات التي سببها بصفة خاصة مساعي البابوات لتحقيق اطماعهم بدلا من العمل على توحيد إيطاليا ، بعد أن ثبت الأتراك العثمانيون اقدامهم في البلقان ، وأخذوا يرسلون قوانينهم لضرب او ترنتو ، كما هددوا بالزحف غربا إلي قلب أوروبا . وبينما يسير سافونارولا في طريقه كانت الرياح تضرب اشجار الصنوبر العالية ، وتصفر فوق سفوح الحبال ، وهي تصب لعنائها على من آثار الفوضي والدمار في إيطاليا .

وما أن هبط سافونارولا فلورنسا حتى اسكرته انوار المدينة الجديدة ، وأثر في نفسه اللسان النسكافي الجزل ، ولمس رقة شعور أهل فلورنسا ، واهتزت جوائحه لجمال تسكانا الناطق وفيها العريق ، الذي بدا لعقله المتدين تعبيرا إلهيا مقدسا ، ودليلا علي إبداع العبقرية التي تستوحي الإيمان الصادق . ودخل دير سان مارك ، ووجد رهبانه ممتازين في الثقافة والذوق ؛ وشهد صور فرا انجليكو ، التى ملات جدران الدير ، تشع منها أضواء مقدسة ، فأحس انه انتقل إلي عالم من الآحلام ، وارتاحت نفسه ، وقسي متاعب الماضي ، وبدت امامه انوار الامل الباسم ؛ ولكنه لم يدر ما يخبئه له المستقبل القريب من الأحداث .

) يتلي (

اشترك في نشرتنا البريدية