-٣- مهاجمة سافونارولا مساوىء العصر - سافونارولا ولورنزو - بييرو فى فلورنسا واسكندر فى روما - استغلال دير سان مارك - عودة سافونارولا إلى مهاجمة مساوىء العصر .
ساعدت كتابات سافونارولا الفلسفية والدينية فى تلك الفترة على ذيوع صيته بين الناس ، وعملت على اجتذاب المثقفين الذين ظلوا مترددين إزاءه ، وقد تردد سافونارولا عندما وعظ الناس فى الصوم الكبير فى ١٤٩١ فى مهاجمة الشك والأغنياء ورجال الأدب مهاجمة صريحة ، حتى لا يثير غضب لورنزو . إلا أنه لم يستطع الامتناع عن التعبير عما يخالج نفسه ، فندد بصراحة بجشع رجال الدين وحرصهم على جمع المال ، وقال إن الفقراء مضطهدون ومثقلون بأعباء لا قبل لهم بها ، فى حين أن الأغنياء لا يدفعون إلا مبالغ زهيدة ، وهم الذين يفرضون الضرائب تحقيقا لمطامعهم الذاتية دون رعاية مصلحة الشعب ؛ وهدد
فلورنسا بأنها مقبلة على أيام لم يسمع بها الناس من قبل . وقد أثارت كلمات سافونارولا اهتمام مجلس السينورية فى فلورنسا فدعا للاستماع إليه فى القصر القديم فى ٦ أبريل سنة ١٤٩١. فتكلم بشجاعة قائلا إن (( الطغاة لا يمكن إصلاحهم لأنهم متكبرون ، ولأنهم يحبون الملق والنفاق ، ولأنهم لا يردون الأموال التى اغتصبوها إلى أصحابها ، وهم يتركون أمور الدولة فى يد وزرائهم ، ويشتدون على الفقراء ويتركون الأغنياء ، ويطلبون أن يعمل لهم الفقراء والفلاحون بلا مقابل ، ويرشون أصحاب الأصوات فى الانتخابات ، ويفرضون الضرائب التى تثقل على كاهل الشعب ، فينبغى أن تزيلوا أسباب الاستياء ، وأن تحققوا العدل ، وأن تتطلبوا الأمانة من الجميع )) . وقد استاء لورنزو من هذا الخطاب الجرىء ، لأنه ينصب عليه بصفة خاصة .
وقد زادت هذه الشجاعة شهرة سافونارولا وأعلت نفوذه ، فانتخب رئيسا لدير سان مارك . ورفض أن يقوم بالزيارة التقليدية المفروضة على رئيس الدير للورنزو العظيم ؛
واعتبر أن اختياره لمنصبه يرجع إلى الله وأنه لا يطيع إلا الله . وحاول لورنزو أن يسترضيه باللين ، فذهب للاستماع إلى عظاته فى الدير ، وكان يمشى بعد الصلاة فى الحديقة ، ولكن سافونارولا لم يكن يخف لمرافقته فى تجواله ؛ وقال للرهبان : (( إذا لم يطلبنى لورنزو فدعوه يذهب أو يبقى كما يشاء )) . وكان سافونارولا قاسيا فى حكمه على لورنزو ، فهو لم يكن مسئولا عن خروج الناس على قواعد الأخلاق والدين ، ولم يكن إلا واحدا ممن جاروا تيار العصر ، وعلى العكس كان لورنزو من الناحية الخلقية يفضل غيره من الملوك والأمراء المعاصرين . وعلى كل حال فلم يكن يرغب سافونارولا فى الاقتراب من طاغية اعتبره محطم حرية فلورنسا ، والعقبة فى سبيل نشر الحياة المسيحية بين الشعب . وحاول لورنزو أن يسترضيه مرة أخرى بإرسال الهدايا والرسل من كبراء المدينة ، ولكن بدون جدوى . فحاول محاربته بأن جعل الراهب ماريانو يعظ الناس ضده ، واتهمه بأنه نبى باطل ، وأنه مسبب الفوضى ومثير الشقاق بين الناس ؛ ولكن لم يستهو هذا الكلام نفوس السامعين ، وازداد قدر سافونارولا فى أعين أهل فلورنسا . ومضى سافونارولا فى وعظه وخطابته ، فأبدى حماسة هائلة فى نقد بعض مساوىء العصر ، فهاجم القمار ، وتوعد المقامرين من الرجال والنساء باللعنة والخراب ، كما هاجم الربا وابتزاز الأموال . وكان الرجل الوحيد الذى قاتل بإخلاص فى سبيل الدفاع عن الحق والعدل .
وكانت صحة لورنزو آخذة فى الانحطاط . وبينما هو مسجى على فراش المرض يتألم ، على مقربة من فلورنسا ، إذ به يتذكر سافونارولا الراهب المخلص ، فأرسل إليه يستدعيه ، فسارع إليه . وأعلن له لورنزو أن ضميره يؤنبه لثلاث مسائل : نهب مدينة قولترا ، والاستيلاء على أموال الأطفال ؛ وأعمال الانتقام التى قام بها عقب مؤامرة آل باتزى . فطلب إليه سافونارولا أولا أن يعيش مؤمنا برحمة الله ، فوافق على ذلك ؛ وثانيا أن يرد الأموال التى اغتصبها إلى أصحابها ، أو على الأقل يكلف أبناءه بأن يفعلوا ذلك ، فوافق لورنزو ، وثالثا أن يعيد الحرية إلى شعب فلورنسا ،
فغضب لورنزو وتألم ، واستجمع قواه الباقية وأولاه ظهره دون أن ينطق بكلمة . فخرج سافونارولا دون أن يمنحه الغفران . ومات لورنزو بعد قليل .
وخلف لورنزو العظيم ابنه ببيرو ، الذى لم تكن له ملكات أبيه فى السياسة وإدارة شئون الدولة ، واهتم بالرياضة واللهو ، وقضى على بقايا مظاهر حرية الشعب التى حرص لورنزو على الاحتفاظ بها ، وخالف السياسة الخارجية التى اتبعها لورنزو، كما سنرى بعد ، وبذلك فقدت فلورنسا بسرعة مركزها فى المجتمع الإيطالى . وساعد ذلك كله على إيجاد الجو الملائم لإحداث التغيير المنتظر. وفى ذلك الوقت مات البابا إنسنت الثامن وخلفه إسكندر بورجيا الذى عاش عيشة إباحية لا تناسب رجال الدين ، فضلا عن رأس الكنيسة الأعلى ، وأخذ ينشط فى جمع الأموال من أملاكه ، ويعمل على تحقيق أطماعه الشخصية ؛ وكان لذلك أثر مرعب فى أذهان الناس ، فتطلع أهل فلورنسا إلى سافونارولا ، وتركزت أبصارهم عليه . وكان سافونارولا قد استولى على نفسه التفكير فى أحوال فلورنسا ومساوىء العصر، فأخذت تظهر له رؤى مبعثها الإيمان العميق والرغبة الصادقة فى إصلاح المجتمع ؛ فمن ذلك أنه رأى ليلة سيفا معلقا من السماء ، وسمع أصواتا تعد بالرحمة للمحسن ، وتهدد بعقاب الأدنياء ، وتعلن أن غضب الله قريب ؛ واتجه السيف إلى الأرض ، وأظلمت السماء ، وتساقطت منها سيوف وسهام ونيران ، وأصبح العالم طعمة للحرب والمجاعة والوباء ؛ وانتهت الرؤيا بصوت يأمر سافونارولا بأن يعلن ما رآه للناس ، وأن يدعوهم إلى خشية الله ، ويحضهم على اتباع الحياة الطيبة الصالحة .
وعقب رحلة قام بها سافونارولا إلى البندقية وبيزا ويولونيا، حيث وعظ الناس بعض الزمن ، أخذ يفكر فى فصل المجمع التسكانى الدينى عن المجمع اللمباردى ؛ وقد عضده فى ذلك ببيرو دى مديتشى ضد رغبة دوق ميلانو وملك نابلى والبابا نفسه . ووافق البابا على ذلك الانفصال بتأثير كردينال نابلى الذى كان يقدر سافونارولا ؛ وبذلك
تمتع دير سان مارك باستقلاله . ولكن هذا الاستقلال الذى أعطى الحرية لسافونارولا كان من شأنه أن يجعل الأخطار تدنو منه رويدا رويدا . وعمل سافونارولا أولا على تنظيم الدير ، وباع أغلب ممتلكاته ، وحمل رهبانه على العيش المتقشف الخشن ، وحتم عليهم أن يسعوا للعيش بكدهم وجهدهم ؛ فأنشأ مدارس يعلم فيها الرهبان التصوير والنحت والمعمار ونسخ المخطوطات ؛ كما عمل على تنشيط دراسة العلم الإلهى والفلسفة والأخلاق ، ودراسة الكتاب المقدس واللغات الشرقية ، وبخاصة اليونانية والعبرية .
وفى موسم صوم الميلاد فى ١٤٩٣ تابع سافونارولا عظاته ، وتناول فيها الكلام عن بعض مبادئه ، وعلي معيشة الأمراء ورجال الدين ، مكررا بعض ما سبق الكلام فيه ، فقال : إن الإيمان منحة من الله ، وهو ضوء يهبط من السماء إلى قلب الإنسان ، ويتوب المخطىء ويدخل فى نور الله بإرادة الله . ومن الأمثلة التى ضربها لذلك قصة ماريا المجدلية التى أوغلت فى حياة الفسوق ولم تنصت لنصائح أختها مارتا ؛ ولكن عندما مسها الله بنوره هب ضميرها النائم ، واستيقظ قلبها الآثم ، وأسرعت إلى المسيح تبلل قدميه بدموعها الحارة ؛ فالله قد أحبها وخلصها من آثامها وخطاياها ، وعاشت حياة الطهر والتبتل . ويرى سافونارولا أنه ينبغى ألا يلعن الإنسان الآثمين ، ولكن يلعن آثامهم . وتكلم على مبدأ الحب الذى قوامه البر والرحمة والعمل الصالح ، وقال : إن الحب هبة من الله ، وهو قوة هائلة تقوم بالعجائب ، وتتغلب على كل العقبات ، وهو قانون القوانين ومقياس كل الأفعال الإنسانية ، ولا يمكن أن يؤدى أى عمل صالح بغير الحب . فالطبيب الذى يحاول أن يشخص داء المريض ويصف الدواء ويعده ويعمل على تخفيف آلام المريض ، لا يفعل ذلك بغير دافع من الحب الإنسانى ؛ ولو كان قصده مجرد الربح المادى لما عنى المريض إلى ذلك الحد . والأم تعنى بطفلها ، وتتحمل من أجله الآلام راضية ، وتنسى
متاعبها فى سبيله عندما تراه يبتسم لها ؛ وهى لا تفعل ذلك بغير الحب .
أما الأمراء فيقول إنهم يعيشون فى قصورهم ، ويتنعمون بملذاتهم ، ويمتصون دماء الشعب ، ويجتمع فى بلاطهم الفلاسفة والشعراء المنافقون يمدحونهم ويتغنون بمجدهم الكاذب وبثرواتهم الزائلة ، ويرجعون بأنسابهم إلى الآلهة ! ويكرر القول بأن رجال الدين لا يحرصون فى ذلك الوقت إلا على جمع المال والعناية بالمظاهر الباطلة . ويقول : إن الشيطان يغوى الفتاة العذراء بأن يضع فى طريقها شابا مليحا يعمد إلى خداعها وغوايتها ، ثم يتركها تعض أنياب الندم بعد أن يقضى منها مأربه . ويدفع الشيطان أيضا الرجل الصالح إلى بلاط الأغنياء ، فيهيبه ما يراه فى ذلك المجتمع الصاخب ، ويحرفه تيار الغواية العنيف . وكذلك يسدد الشيطان ضرباته إلى رجال الدين أنفسهم ، فيجعلهم يحيدون عن الطريق القويم رغم ما تذرعوا به من تعاليم الدين ؛ وهم أصبحوا يعظون لإدخال السرور على نفوس الأمراء ، ولكى ينالوا منهم العطاء والمجد ، لا لكى يبثوا تعاليم الأخلاق والدين بين الشعب ؛ وهم قد حطموا الكنيسة الصحيحة وأشادوا بدلها كنيسة باطلة ملوثة . ثم أخذ يتكلم عن سفينة نوح والتجاء الصالحين إليها لتجنب الطوفان ، وقال : إن الله سيسلط عقابه على البلاد ، وأنها ستتعرض للغزو . فارتعدت فرائص الناس ، ومرت بقلوبهم قشعريرة باردة عندما سمعوا كلماته الملتهبة . وعلى غير انتظار ، وكصاعقة هبطت فجأة من السماء ، جاءت الأنباء قائلة إن سيلا من الغزاة الفرنسيين يتدفق على إيطاليا عبر جبال الألب ؛ فشخصت أبصار الإيطاليين إلى الرجل الذى تنبأ بهذا الخطر ، والتمسوا عنده النصح ، وأملوا لديه الخلاص . وفى لمحة عين ، وبقوة السحر أصبح أتباع سافونارولا أصحاب السيطرة فى فلورنسا .
(يتلى)

