الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 255الرجوع إلى "الثقافة"

سافونارولا

Share

- ٣ - إشارة إلى ظروف أوربا وإيطاليا - الغزو الفرنسى لإيطاليا - ثورة بدون دماء ، وإرسال سافونارولا إلى شارل الثامن - شارل فى فلورنسا - نفوذ سافونارولا .

شهدت أوربا فى أثناء القرن الخامس عشر تقوى سلطة الحكومات الملكية ، ونشأة الدول القوية الموحدة . فكان الأتراك العثمانيون مسيطرين فى البلقان بقواتهم الحربية الممتازة ؛ وأصبحت أسبانيا دولة قوية بعد أن أتمت وحدتها القومية ، وطردت بقايا العرب من شبه الجزيرة ؛ وألمانيا ولو أنها كانت ضعيفة ظاهريا إلا أنها كانت تملك قوة حربية آخذة فى الازدياد بالتدريج . وكان السويسريون جنودا أشداء وأقفين على حدود إيطاليا مستعدين أن يعبروا الألب لمن يدفع أجورهم ؛ وكانت فرنسا دولة موحدة هى رأسها ملك شاب ، وفى يده جيش قوى مدرب . وتطلع كل هؤلاء لغزو إيطاليا ، وستؤدى الظروف إلى أن تصبح ميدان حرب ومسرح قتال للجنود الأجانب ، وستصبح السيطرة على إيطاليا محور السياسة الأوربية الدولية زمنا طويلا .

وظروف إيطاليا ذاتها هى التى أوجدت هذه الحالة . فهى كانت مهد حركة النهضة وهى مركز الغنى والثروة . وقد أثار ذلك شعور الغيرة فى قلوب الأوربيين نحو إيطاليا . ووجدوا انه ليس من المناسب أن تظل إيطاليا محط أنظار الجميع ، وأن تبقى مقصد الطلاب الذين يهرعون إلى جامعاتها من كل أنحاء اوربا ، وان تظل المركز الوحيد للفنون والعلوم والآداب ، وأن تدرس لغتها وتحتدى عاداتها فى بلاط الملوك والأمراء فى أوربا ، وأن يعرف الكتاب ورجال الفن والفلسفة والطب والفلك والملاحة والتجار والأمراء الإيطاليون بتفوقهم على نظرائهم فى أوربا . ومن

هنا نفهم شعور الإعجاب الممزوج بالكراهية الذى أحسه الأوربيون نحو إيطاليا فى ذلك العصر . وفى الوقت نفسه كانت ظروف إيطاليا الحربية والسياسية لا تتناسب مع مركزها الثقافى الممتاز ؛ فالإيطاليون الذين كانوا أول من وضعوا فن الحرب الحديث ، وعلموا أوربا الخطط الحربية الحديثة ، وقابلوا القوات الأجنبية بشجاعة نادرة ، كانوا قد زالوا من الوجود . وعند ما عكف الإيطاليون على مسائل الفن والأدب والحضارة ، أهملوا العناية بشئون الحرب ، وعهدوا إلى المرتزقة بالقيام عنهم بأعمال الحرب فى الدفاع وفى الهجوم ، وبذلك أصبحت إيطاليا ضعيفة من الوجهة الحربية . ومن الناحية السياسية كانت إيطاليا مقسمة إلى بعض ولايات مستقلة ساد بينها التنافس والصراع الداخلى الدائم ، ولم تستطع قوة بعينها أن تتغلب على أسباب النزاع وتوحد شبة الجزيرة  . وكان من المحتم أن تصبح إيطاليا هدفا للغزو الأجنبى فى أواخر القرن الخامس عشر .

وإذا نظرنا إلى فلورنسا بصفة خاصة ، وجدنا أن الظروف الجغرافية قد لعبت دورا مهما فى تحديد مصيرها . فهى كانت دولة غنية وضعيفة ومحاطة بحلقة من الإمارات التى تنافسها ، وهى : ميلانو والبندقية وأملاك البابوية . وكان البابوات وبخاصة اسكندر بورجيا مهتمين بسلطتهم الدنيوية ، وتطلعوا إلى الاتساع وخاصة فى إقليم رومانيا ، مما يهدد ذلك فلورنسا التى كانت تتاخمها أملاك البايوية من ناحية الجنوب . وفى الشمال الغربى كانت البندقية أقوى وأغنى من فلورنسا ، وهى امتدت فى الأرض الإيطالية ، وسعت للنمو والاتساع . وفى الشمال كانت ميلانو تحت حكم آل سفورتزا تعانى اضطرابات داخلية ، ووجد لورتنرو العظيم أن السلام لا يمكن أن يستقر في إيطاليا ، وأن مصلحة فلورنسا لا تتحقق إلا بالمحالفات السياسية ، فحالف نايلى لكى يخفف ضغط البابا عليه . وكذلك حالف ميلانو لكى

يمنع عنه خطر البندقية . وبذلك أوجد حالة من التوازن كان من شأنها أن تعمل على إبعاد خطر الحرب عن فلورنسا وإيطاليا . ولكن ابنه بيبرو اتبع سياسة خرقاء . فأخذ يتآمر مع نايلى ضد ميلانو ، وكان الأحرى به أن يوطد علاقاته مع ميلانو لمحاولة الوقوف فى وجه الغزاة الأجانب . فاضطرت ميلانو إلى طلب المساعدة من فرنسا . وستطلب  نايلى المساعدة من أسبانيا وسيصبح الفرنسيون والأسبان غزاة فى الأرض الإيطالية .

وفى الوقت الذى نحن بصدده كان يحكم فرنسا شارل الثامن ، وكان صاحب أطماع واسعة ، وفكر فى أن يقوم بما قام به سان لويس فى الشرق ، وأن يثير حربا صليبية جديدة ضد الأتراك العثمانيين ، وكانت السيطرة على إيطاليا وعلى نايلى بصفة خاصة أول خطوة فى سبيل تحقيق ذلك المشروع العظيم . وقد اجتمع حول الملك الشاب بعض رجال بلاطة وبعض أمراء نايلى الخارجين على ملكها فردناند ، وحرضوه على ضرورة الإسراع فى القيام بالحملة الإيطالية . وفى أغلب أنحاء إيطاليا كان أصدقاء الحرية يتطلعون إلى قدوم الفرنسيين ؛ وطبيعة أهل إيطاليا المستسلمة ، وعنصر التغير وتوقع المجهول فى أخلاقهم ، جعلهم يأملون التخلص من حكم الطغاة على أيدى الفرنسيين ، وإن لم يكن هذا رأى كل حكام إيطاليا .

وقد أعلن سافونارولا صداقته للفرنسين معارضا بذلك سياسة بيرو دى مديتشى . وخطرت لسافونارولا فكرة شارل الثامن لإعادة مجد المسيحية فى الشرق . وتحرك شارل فى أغسطس ١٤٩٢ ، وعبر جبال الألب إلى إيطاليا ، وخف إلى استقباله دوق ميلانو وغيره من الأمراء . واستطاعت القوات الفرنسية أن تتغلب بسهولة على قوات ملك نايلى . وحاول بيرو المقاومة ولكنه لم يفلح . فذهب لمقابلة شارل ، ولكنه لم يحصل على شروط ملائمة ، فسلم قلاعه وتعهد بدفع مبلغ كبير من المال ،

واحتل الفرنسيون بيزا وليفورتو أثناء الحرب ؛ وبذلك صبح شارل مسيطرا على أراضى تسكانا .

وساد فى فلورنسا شعور عام بعدم الثقة بمصير الحوادث ، ولم يكن لآل مديتشى قوة حربية فى فلورنسا يمكن الاعتماد عليها ، ولم توجد بها سلطة فعلية تسيطر على الموقف ، وتهددت المدينة ثورة جامحة . وكان سافونارولا هو الشخص الوحيد الذى له سلطان على الناس ، وتطلع إليه الجميع لإيجاد سبيل للنجاة من الأخطار . فخرج من عزلته وخاطب الناس قائلا : (( انظروا ها سيف الله عملت فوق رقابكم ، وها نبوءاتى قد تحققت وبدأ عقاب الله . . . وإن خطاياك يا فلورنسا ويا روما ويا إيطاليا هى التى جلبت هذه الويلات ، فأعلنوا ندمكم وصلوا الله وكونوا متحدين )) . ورأت فلورنسا ضرورة إرسال وفد لمقابلة شارل الثامن ، واختير من بين أعضائه سافونارولا الذى ذهب فى سفارته سيرا على الإقدام . وفى نفس الوقت حاول بيرو أن يحصل على تعضيد الملك كما حاول أن يجمع بعض القوات الحربية ، ورجع إلى فلورنسا ، ولكن رجال السينورية قابلوه ببرود . وأساء العامة استقباله ولم يجد من يعضده ، ففر إلى بولونيا ثم إلى البندقية ، وقررت السينورية منح مكافأة لمن يحمل إليها بيررو حيا أو ميتا . وبذلك تمت ثورة بدون دماء . وقابل سافونارولا شارل فى بيزا ، وخاطبه قائلا : (( إن الله قد أرسلك لكى تخلص إيطاليا من الويلات ، كما تنبأت بذلك من قبل ، وإنه قد أرسلك لكى تصلح الكنيسة ، وإذا لم تكن رحيما عادلا ، وإذا لم تحترم فلورنسا ونساءها وأهلها وحريتها ، فإن الله سيصب عليك غضبه الشديد )) .

وفى الوقت الذى طرد فيه آل مديتشى من فلورنسا كانت بيزا قد خرجت على حكم فلورنسا ، وحذت حذوها مدن أخرى تحت أعين الجند الفرنسى . ووصل شارل إلى فلورنسا فى استعراض فخم . واتصل ببيرو بشارل ، وعرض

عليه إذا رجع إلى فلورنسا استعداده للاشتراك فى الحكم مع الفرنسيين . وبذلك أبدى شارل صلابة إزاء مفاوضى فلورنسا ، وحادثهم بكبرياء ، واعتبر أنه دخل المدينة فاتحا . فهب أهل فلورنسا للدفاع عن حريتهم ضد هذا الطغيان الجديد ، وأقيمت المتاريس فى شوارع المدينة ، ووقعت مشاحنات ومصادمات بين أهل فلورنسا والجند الفرنسى ، تلقى فيها الفرنسيون درسا قاسيا ، وعرفوا أنهم إذا استمروا على هذا الحال عرضوا زهرة قواتهم للضياع بين شوارع المدينة . فوصل الفريقان فى ٢٨ نوفمبر ١٤٩٤ إلى الاتفاق التالى : يلقب شارل بحامى حرية فلورنسا ، ويحتفظ الفرنسيون بالقلاع التى فى أيديهم مدة سنتين ، وتعهد الفلورنسيون بدفع مبلغ كبير من المال ، وينال أهل بيزا العفو عند ما يعلنون تبعتهم لفلورنسا ، وتلغى المكافأة التى وضعت للحصول على رؤوس آل مديتشى ، مع بقائهم بعيدين عن الأراضى التسكانية .

وبعد توقيع هذه الاتفاقية لم يبد شارل استعداده المغادرة فلورنسا ، فتجددت حوادث الاصطدام بين الفلورنسين والجند الفرنسى . فأخذ سافونارولا يحض الناس على السكون والهدوء . ودعاهم للعمل على الدفاع عن حريتهم ، وللسعى لتحقيق الوحدة . ثم ذهب لمقابلة الملك مرة أخرى وقال له : (( إن بقاءك هنا يسبب ضررا بالغا لهذه المدينة ، وإنك تضيع الوقت وتنسى المهمة التى ألقتها العناية الإلهية على عاتقك ، فعليك بمتابعة رحلتك ، ولا تسبب خراب هذه المدينة ، فتثير عليك غضب الله )) . وكان لسافونارولا مقام محترم عند شارل ، فرحل عن المدينة . وازداد تقدير الناس لسافونارولا ، وهو الرجل الوحيد الذى استطاع أن يجنب فلورنسا الدمار ، وسفك الدماء فى ذلك الوقت العصيب ، والذى نجح فى حمل الملك على احترام المدينة .

( يتلى )

اشترك في نشرتنا البريدية