وهذه رواية أخرى تقتبس للمسرح وتلاقي من النجاح ما بلغته (الجريمة والعقاب) وإن أضاع الاقتباس نواحي كثيرة من جمال الرواية القصصية على الرغم من أن مؤلفها العظيم الفونس دوديه اشترك مع مؤلف مسرحي آخر هو أدولف بيلو في وضع هذه المسرحية. ولكنها مع ذلك عظيمة تحوي شخصيات قوية وفيها دقة وصدق تصوير وجمال
تصف حال الشبان عندما يبلغون العشرين ويمرون بهذه المرحلة الخطرة من الحياة وهم في سذاجة وقلة تجريب يتصلون بالنساء فيقاسون من ألم الفراق والهجر والوصل والغيرة ما تنوء به كواهلهم، فيه إنذار للشبان من بنات الهوى وتحذير لهم من الاتصال بهن والعيش معهن تحت سقف واحد، فان من أخطر الأمور على الشاب أن يقع في حب واحدة منهن لأنه لا يستطيع أن يحتمل ماضيها ويغفر لها ما سلف من حبها لغيره ويكون الخطر أشد لو أن المرأة بادلته الحب الخالص فإذا حدث وخضع أحد الحبيبين للعقل والواجب وترك الآخر فما أشد الهجر وأمر الفراق ولهذا فقد أهدى دوديه القصة: (إلى أولادي عندما يبلغون سن العشرين)
الإخراج والتمثيل
يؤلمني أن مخرج الفرقة القومية لا يقوم بدراسة الروايات كما يجب، فإزاء رواية كهذه كان من الخير للفرقة والفن أن يرجع إلى الرواية القصصية ليفهم كل شخصية على حقيقتها فيوفر على نفسه هذا التخبط في توزيع الأدوار وتفهيم ممثليه لروحها وهو لو فعل لما أسند دور سافو إلى السيدة دولت أبيض، ولما عهد إلى علي رشدي بدور جان جوسان أو على الأقل لأفهم كلا منهما الشخصية على حقيقتها حتى لا تكون الهوة بين ما رسم المؤلف وبين ما أبرز الممثلون سحيقة
إن أول ما يلفت نظر الناقد أن سافو دولت أبيض تكبر في السن عن سافو الفونس دوديه وفي هذا نقص يجب على الممثلة
والمخرج أن يعملا على تغطيته، ولكن طبيعة السيدة دولت جامدة وهي لا تليق لأدوار العاطفة، ومن المؤلم أنها تعتقد أن البكاء وحده هو الوسيلة التي تستطيع بها أن تؤثر في النظارة وتصل إلى قلوبهم ونسيت أن الصناعة وحدها ليست كافية فهي لم تتأثر بالقصة ولم تعش في هذه الشخصية وتحس بها وإلا لأبرزت ما يضطرم في نفسها من احساسات متباينة ولم تقصر همها على الإلقاء والبكاء وتبدو سطحية بكل معنى الكلمة
انظر إليها وهي تسرع بإلقاء كلماتها في الفصل الأول ثم وهي تقف خلف جان، ثم وهي في الحان لا تهتم بأن تبرز عاطفة، بل تهتم بالإلقاء، وفي هذا الفصل الثاني بينما يكون الموقف على أشد ما فيه من حياة بين الممثلين تراه فجأة قد برد عند دخولها واشتراكها في الحديث معهم واتهامها لهم، وكان الطبيعي أن يزداد حياة وقوة
كل هذه دلائل على أن دولت لم تستطع أن تسمو بالدور أو تؤديه على وجه مرض. على أني لا أبخسها مواقفها في الفصل الخامس منذ دخول جان وحوارها معه. ثم وهي تلقى علينا الرسالة التي تكتبها له فقد أجادت إلى حد بعيد. فهذه المواقف تلائم طبيعتها لأنها مواقف تخمد فيها العاطفة الثائرة ويعمل فيها العقل وتتغلب غريزة الأمومة والواجب؛ وهذا يؤيد قولي بصلاحيتها التأدية أدوار الأمومة
وكما أن دولت تكبر من سافو كذلك (علي رشدي) لا يصلح لجان، فليس هو بالشاب الريفي القوي، وليس بالجميل الذي يجعل إحدى النساء تصرخ: (يا للفتى الجميل) وهو مع هذا كان بعيداً عن الشخصية بعداً تاماً إذ كان عبداً لتعاليم المخرج حتى كأنه يحاول أن يبرز لنا عزيز عيد الشاب في صباه لا جان جوسان
قلت إن الشاب كان ريفياً قوياً جامد العواطف؛ فقد كان يجلس إلى مكتبه بينما سافو أمامه على كرسي فلا يتحرك إليها في تلهف بل يبقى مكانه يقرأ، وهكذا عكس ما أبرزه علي رشدي فقد كان في الفصل الأول متظرفاً ضعيفاً حتى كأنه باريس، بل وأكثر من ذلك كانت تبدو لنا منه جوانب الخنوثة وكان اهتمام علي بالإلقاء والصناعة أكثر من اهتمامه بإبراز احساساته وما يضطرم في نفسه من مختلف العواطف. ولست أسوق دليلاً أكبر من موقفه في الفصل الثاني حيث الفارق كبير بينه وبين منسي وعباس. وكذلك في الفصل الرابع ترى الصناعة واضحة يكشفها إلقاء عباس الهادئ الحزين الذي يؤدي بعاطفته
أكتفي بهذا اليوم وسأتحدث عن بقية الممثلين والترجمة كما أتحدث عن رواية المعجزة،

