كان محصول الزيتون فى تلك السنة وافرا غزيرا، وكانت الأشجار قد رفت وازدهرت، وبالرغم من أن السماء أضبت حينا من الزمن، فقد أجنت الفاكهة، وكان للوللو زرافا ضيعة قد طاب زرعها، وعظم محصولها، وعرف لوللو أن الجرار الخمس القديمة المصنوعة من الخزف اللامع والمحفوظة فى قبو النبيذ، لا تكفى الزيت المستخرج من هذا المحصول، واحتاط للأمر، فأوصى بعمل جرة أكبر حجما لتكون بمثابة الأم للجرار الخمس الآخرى .
ولا حاجة إلى الإفاضة فى ذكر المناقشة التى دارت بين دون لوللو زرافا وبين الخراف، فمن الصعب أن نجد إنسانا لم يشتيك معه فى معركة، ولأنفه سبب كانت ترتفع عقيدته، ويصيح بخدمه ويأمرهم بإسراج بغلته، ويسرع إلى المدينة ليقيم الدعوى، وقد كاد يقنى قلاده وما جمع من العشب كثرة ما أنفق فى المحاكم وما دفع للمحامين، وكانت تنتهى قضاياه بقيامه بدفع نفقات الطرفين، وكثر تحدث الناس بأن مستشاره القصائى الذى كان يراه فى كل أسبوع مرتين على أقل تقدير مل رؤيته، فأهدى إليه كتيبا يحوى خلاصة القوانين، لكى يرى بنفسه ما له وما عليه قبل أن يقدم على إقامة الدعوى.
وكانوا يقولون له قبل ذلك إذا اختلف مع أحد الناس لكى يثيروا غضبه : " أسرح البغل "، ولكنهم الآن أصبحوا يقولون له : " راجع قانون الحبيب " ، وكان يرد عليهم قائلا : " سأفعل ذلك وأريكم " .
وتسلم الجرة التى دفع لها ثمنا أربع فلورينات، ووضعها فى السقيفة التى كان يعصر بها العنب، حتى يستطيع أن يخلى لها مكانا فى القبو بعد بضعة ايام، ولم تكن هناك جرة أجمل منها صنعا، وكان مما ينقبض له الصدر أن يراها
الإنسان موضوعة فى ذلك المكان القذر الذى كانت تنبعث منه روائح عصير العنب الفاسد، والعفونة التى تنشأ فى الآماكن المحرومة من الضوء والهواء .
وكان قد مضى يومان على ابتداء جنى محصول أشجار الزيتون، وكاد يجن جنون دون لوللو، فقد تولى الإشراف على الرجال الذين كانوا يجمعون الفاكهة من الأشجار، وراقب كذلك الرجال الذين جاءوا بالبغال المحملة بالسماد المزمع وضعه على جانب المثل لزراعة حقل من حقوله فولا، وشعر بأن ذلك مما لا يستطيع إدارته رجل واحد، وحار فى أمره، وظل يسب ويلعن، ويرغى ويزيد، وينذر كل من يغضبه بالويل والثبور، وقد وضع على رأسه فالنسوة بيضاء صغيرة، وشمر أردائه، وفك أزرار قميصه من أعلاء، وأخذ يعدو هنا وهناك، وقد تصبب عرقا، واحمر وجهه . وأرسلت عينه نظرات كنظرات الذئب .
وفى ختام اليوم الثالث قصد ثلاثة من الفلاحين الغلاظ الأجلاف ذوى الثياب القذرة والسحن المنكرة إلى السقيفة، فوقفوا مشدوهين حيال منظر الجرة الجديدة، وقد شطرت شطرين، وتيقنت كأن أحد الناس قد أمسك بها من جبهتها البارزة وشقها بسكين حاد .
- آه يا لله ! أنظروا ! أنظروا ! كيف حدث ذلك ؟ . - ماذا سيكون حينما يعلم دون لوللو بذلك ؟ الجرة
الجديدة ! أى شي يدعو للرثاء والإشفاق ! وكان أول الثلاثة أشد خوفا من رقيقية، فاقترح عليهما أن يقفل الباب كما كان، وأن يتسللوا فى هدوء، ولكن ثانيهم عنفهم بشدة قائلا :
- هذه فكرة سخيفة، ومثل هذا لا ينفع مع دون لوللو، وسيقلب عليه الاعتقاد بأننا نحن الذين كسرنا الجرة، لا، إننا سنظل هنا جميعا .
وخرج من السقيفة وصاح بأعلى صوته : دون لولاو !
دون لوللو ! . ولما جاء المزارع وراي ما حل به من الضرر ثابت تأثرته وغلت مراجله ، وأمسك بمعنى أحسد الثلاثة ، ودفع إلى الحائط ، وزعق قائلا : " وحن دم المذراء لتدفع من ثمن هذا ١١ " .
فوثب الإئفان الآخران مهناجين ، وهجما على دون لو وجذباء بعيدا ، فحمول غضبه إلى نفسه وأخذ بدق الأرض يقدميه ، والتي بفلنسوته على الأرض ، واطم خديه ، وبكى الحسارته بكاء من لجمع في قريب له :
" الحرة الجديدة ! الحرة التي دفعت أربع فلورينات نقد لها ! ا يمكن من نفسها ؟ لابد ان أحد الناس قد أكل فله الحقد والحسد فكسرها " .
ولما رأي الفلاحون أن ثورة غضب سيدهم قد هدأت بعض الشئ أخذوا يعزونه وسهون عليه الامر ، ويقولون إن الجمرة يمكن اصلاحها ، وإن الكسر الذي اصابهما ليس كسرا خبيثا ، وإن الجبهة المشقوقة ما تزال قطعة واحدة ، وإن اللحام البارع يستطيع أن يصلحها وبعيدها جرة جديدة كما كانت ، وإن زي دماليكي هو الرجل الذي يصاح للقيام بذلك ، فقد اخترع نوعا من اللاط عجيب التركيب سحري الأثر ، فإذا استعمل في الصاق الجزء بن الفصوا ابن عادا منها سكين تماسكا متبنا ، بحيث لا يمكن ان بنفصلا حتى لو استعملت المطرقة ، واقترحوا عليه استدباءه .
وظل دون لول طويلا معرضا عن الأستماع إلي نصبحتهم ، فقد كان يري انه ليس هناك قاعدة ، وان كسر الحرة لا يشعب ، ولكنه في الهابة قبل اقتراحهم ، ووصل زي ديما إلي برعوسولي في صباح اليوم التالي ، وقد حمل على ظهره صلة بها الأدوات اللازمة لصناعته . وإذا به رجل شخص ، ملتوي المفاصل منتفخها ، كانه جذع زيتونة دقيقة شرقية ، وكان بلوح انه لابد من استعمال الكلاليب في فه لانتزاع الكلام منه ، وكان السخط والا كتاب يتيمتان من طمته المشتوءة الزربة ، ورغما كان السبب
في ذلك تأله لان الناس لم يقدروا مواهبه مخترعا ، ولم يكن قد سجل اختراعه بعد ، ولذا كان ريد ان يتخذ من نجاحه سبا لإذاعة شهرته . وفي خلال ذلك كان يشعر بضرورة الاحتياط حتى لا يقف أحد على سر الاختراع
وباده دون لوللو قائلا بلهجة المتشكك المرتاب : " أرني الملاط الذي تستعمله " وذلك بعد أن ظل يحدجه ببصره من فرعه القدمه مدة دقائق .
فرفض زي دعما ذلك بأن هز رأسه هزة وقورة متالية :
- سنري نتيجة استعماله . ولكن هل يكفي لتماسك الجرة
فوضع زي ديما سلته على الأرض وأخرج منها حزمة حراء مكونة من من مندبل قطني كبير قد بلى من كثرة الاستعمال ، وتلفف حول شئ ، واخذ ينشر مطوبه بعناية نامة ، والجميع حوله رقبون حركاته بانتباء ، واخيرا رزت من ثنايا المنديل نظارة قد تكسر جانباها وربطا بخيط ، فأثار ذلك عاصفة من الضحك ، ولم يلتفت زي دعما إلي ذلك ومسح أنامله قبل أن يتناول النظارة وبعضها في تؤدة ووقار على عينيه وببدأ خصه للجرة ، وبعد إجراء الفحص قال : " يمكن صلاحها ،
فقال دون لوللو : " ولكني لا أثني بالملاط وحده ، ويلزم تقوية الالتحام بإثبات المسامير فهب زي ديما ووافقا ووضع سلته على ظهره وقال : " إني ذاهب لشأني " .
فأمسك دون لوللو بذراعه وقال : " أنت ذاهب ؟ ذاهب إلي أبن ؟ لست أحسن أخلاقا من الخنازير : انظروا إلي هنا الصلوك الذي يحاول التشبه بالملوك السيد ! الا تعلم ايها الاحيمق ابي اريد أن اضع زيتا في هذه الحرة وان الزيت ينضح ؟ وكيف تكتفي بالملاط وحده ؟ لا بد من الملاط والمسامير ، وأنا الذي أفصل في هذا الموضوع " .
فأغمض زي دعما عينيه وزم شفتيه وهز راسه ، وهكذا
كان جميع الناس لا يقيمون له فرصة تجربة اختراعه وإثبات قوة الملاط وحده.
وقال : " إذا لم تعد الجرة خيرا مما كانت " . فانطلق دون لوللو قائلا : " لا أريد أن أسمع كلمة واحدة ، سأدفع لك عن الملاط والمسامير، فكم تريد ثمنا لذلك ؟"
- إذا استعملت الملاط فقط . - ما أشد لحاجتك وأكثر عنادك، لقد قلت لك
إنى أريد المسامير، وسأنفق معك على الشروط بعد الانتهاء من العمل فليس عندى وقت لأضيعه.
ومضى إلى عمله وملاحظة رجاله .
وشرع زى ديما فى عمله وقد استشاط غضبا، وكان كلما أحدث ثقبا يتزايد غضبه ويشتد تبرمه وسخطه، ولما أتم هذه العملية ألقى بمثقابه غاضبا إلى داخل السلة، ثم أخذ زروبته واستدعى أحد الرجال لمساعدته.
ولما رآه الرجل مكتئبا حزينا قال له : " هون عليك يا زى ديما وهش وبش ! وفتح زى ديما العلبة الموضوع بها الملاط ورفعها نحو السماء كأنه يقدم قربانا لله لأن الناس يرفضون الاعتراف بقيمة ملاطه، ثم أخذ يلصقه بأصبعه حول الجزء المنفصل من الجرة، ثم أخذ الزردية والمسامير الحديدية وزحف إلى داخل جوف الجرة وأمر المزارع أن يمسك بالجزء المنفصل وأن يدنيه من سائر الجرة، وقبل أن يثبت المسامير صاح من داخل الجرة قائلا : " شد ! شد ! شد بكل قوتك ! وها هى تلتحم وتتماسك كما ترى، فلمن الله الذين لا يصدقوننى ألا نرى أنها قد عادت كما كانت وأنا فى داخلها ! اذهب وقل ذلك لسيدك ! فقال المزارع متهدا : " على السادة يا زى ديما أن يصدروا الأوامر وعلينا نحن الطاعة، فضع المسامير، ضع المسامير"
وأخذ زى ديما فى تثبيت المسامير فى الثقوب مستعينا بالزردية، واستغرق ذلك ساعة من الزمن، وتصبب عرقه وهو فى داخل الجرة، وكان فى أثناء العمل يندب سوء
حظه وما يلقاه من التين وقلة التقدير، وظل المزارع إلى جانبه يواسيه ويجامله.
ولما أتم زى ديما عمله قال له : "ساعدنى الآن على الخروج " .
ولكن الجرة بالرغم من اتساع جوفها كانت ضيقة المتق، وهو أمر لم يلتفت إليه زى ديما ولم يلحظه لأنه كان متكدر الخاطر ثائر النفس، وحاول جهده الخروج فلم يوفق فى ذلك، ولما رآه المزارع فى هذه الحالة وقف مغريا فى الضحك إلى جانب الجرة دون أن يفعل شيئا ! وهكذا اصبح زى ديما حببيسا فى الجرة التي أصلحها، ولم يكن هناك سبيل إلى إخفاء تلك الحقيقة، وهى أنه لا سبيل إلي إخراجه إلا بكسر الجرة !
وسمع دون لوللو الضحك والجلية فأقبل مسرعا، وكان زى ديما ينفث فى داخل الجرة كالثور الغاضب . وصاح زى ديما من داخل الجرة : " أخرجنى إكراما لوجه الله ! إنى أريد الخروج ؟ أسرع إلى نجدتى " . وكان دون لوللو قد أخذته الدهشة وحار فى أمره، ولم يستطع أن يصدق أذنيه . ماذا ! أنت فى داخل الجرة ! قد أثبت فيها المسامير وأنت داخلها ؟ .
ثم دنا من الجرة وصاح بزى ديما : " أى مساعدة أستطيع أن اقدمها لك الآن ؟ وما الذى تقصده بذلك أيها الأحمق الأفون ؟ حاول الخروج ! مد ذراعك وحرك رأسك، ثم فى رفق وتؤدة وأعد المحاولة ؛ وكيف صاغ لك أن تفعل ذلك بنفسك ؟ وماذا يكون من أمر جرتى " . ثم التفت إلى الحاضرين قائلا : " احتفظوا بهدوئكم، لقد أدير برأسى، حافظوا على هدوئكم، هذه مسألة ليست لها سوابق، أسرجوا البغل " .
ومر على الجرة بأصبعه وقال : " لقد عادت الجرة كما كانت فانتظر قليلا" وأمر خادمه بإعداد البغلة، وحك جبهته بأصابعه حكا قويا، واسترسل بقول : " أمر عجيب !
ولست أدرى ما هو خير سبيل، إنها ليست جرة وإنما هي رجس من عمل الشيطان، وجرى إلى الجرة لتقينها قائلا : " لا تتحرك، لا تتحرك " وكان زى ديما فى داخلها قد تملكة غضب شديد وأخذ يجاهد كالحيوان المتوحش فى المصيدة.
- إنها لقضية طريقة تلك القضية التى سيفصل فيها محامى، ولا أستطيع أن أفصل فيها بنفسى، فأين البغلة ؟ أسرعوا بإعدادها ؟ فسأذهب إلى المحامى مباشرة وأعود أدراجى، وعليك أن تنتظر فى هدوء وثبات، فمن اللازم أن أراعى حقوقى، وسأقوم بما على من واجبات والتزامات، وخذ أنت هذه الليرات الخمس لقاء عملك ألا يكفى هذا ؟ . فصاح زى ديما: " إنى لا أريد شيئا، أريد الخروج وحده" .
- ستخرج ولكن على أن أدفع لك أجر عملك، فخذ هذه الليرات الخمس .
وأخرج النقود من جيب صداره والقى بها فى الجرة ثم استفسر فى صوت يبدو فيه الاهتمام الشديد : " هل تناولت طعاما ؟ أتريد خبزا وشبئا آخر لنأكله ؟ ماذا ؟ انت لا تريد شيئا ؟ سأقوم بواجبى إذا قدمت لك ذلك " . وأمر بإحضار الطعام وركب بغلته وذهب إلى المدينة والذين لاحظوا حركاته وهو يركض البغلة ظنوه ذاهبا إلى مستشفى المجاذيب ليقيم به .
ولحسن الحظ لم يقض زمنا طويلا فى حجرة انتظار المحامى، ولكن كان عليه أن ينتظر مليا بعد أن أخير المحامي بالمسألة، فقد أغرق الرجل فى الضحك حتى تضايق دون لوللو الذى كان لا يجد فى المسألة ما يدعو إلى هذا الضحك، فقال للمحامى غاضبا :
- اسمح لي أن أقول لك إننى لا أرى ما يثير الضحك، والأمر بالقياس إليك ليس فيه ما يضر، ولكن الجرة من ممتلكاتى.
ولكن المحامي استمر فى الضحك وطلب منه أن يعيد على مسامعة القصة كما وقعت حتى يستطيع معاودة الضحك . - لقد وضع المسامير بالجرة وهو داخلها، وماذا تريد يا دون لوللو ؟ أتريد أن يظل الرجل فى داخل الجرة حتى لا تخسر شيئا ؟ .
فصاح دون لوللو وقد ضم قبضتيه : " ولم أخسر الجرة ! ولماذا أفقد نقودى وأصير أضحوكة للناس ؟ " .
فقال له المحامى أخيرا : " ولكن ألا تعرف ما يسمى ذلك ؟ إنه يسمى الحبس الجائر " .
الحبس ؟ ولكن من الذى حبسه ؟ لقد حبس نفسه فما ذنبى ؟ .
فأفهمه المحامى أن المسألة تثير قضيتين : الأولى أن على دون لوللو أن يطلق سراح سجينه فى الحال إذا كان لا يريد ان يحاكم من أجل تهمة الحبس الجائر، والقضية الثانية أن هذا اللحام عليه تيمة الخسارة التى سببتها سخافته وقلة براعته.
فقال دون لوللو فرحا مسرورا : " إذا عليه ان يدفع لى ثمن الجرة ؟ " .
فأجابه المحامى : " تمهل قليلا، وتذكر أنه لا يدفع الثمن باعتبارها جرة جديدة !؟ " .
-ولم لا؟. - لأن الجرة كانت مكسورة كسرا سيئا . - مكسورة ! لا سيدى، إنها الآن خير مما كانت
وهو نفسه يشهد بذلك، وإذا كسرت ثانية فليس من الميسور إصلاحها، وسأخسر الجرة يا سيدى .
فأكد له المحامى أن هذه المسألة ستراعى، وأن على اللحام أن يدفع ما تساويه الجرة فى حالتها الراهنة، وأشار عليه أن يحضر الرجل نفسه ليقدم تقديرا لقيمتها فى بادىء الأمر، وخرج دون لوللو من عنده مسرورا وأسرع فى العودة إلى ضيعته .
ولما رجع فى المساء وجد العمال يقيمون حفلة حول الجرة المسكونة، وكان زى ديما لم يهدأ ثأثره فحسب، بل أخذ يستمتع بهذه المخاطرة ويرضى عن إقامته فى داخل الجرة، واستطاع أن يقابل ذلك بالابتسام والفكاهة التى يعرفها البائسون .
وأمر دون لوللو الحاضرين بالابتعاد وانحنى على الجرة وقال : " هلو ! الست مبسوطا ؟ " فأجاب الرجل : " عيشة ممتعة فى الهواء الطلق ! إنها خير من منزلى " .
- يسرنى أن أسمع ذلك، وأريد الآن أن تعلم أن هذه الجرة كلفتنى اربع فلورينات وهى جديدة، فكم تساوى قيمتها الآن ؟ .
فسأله زى ديما قائلا : قيمتها وألا بداخلها ؟ فضحك الفلاحون الأجلاف .
فصاح بهم دون لوللو : " اسكتوا . إما أن يكون ملاطك نافعا، وإما أن يكون غير ذلك، وليس هناك احتمال ثالث، فإذا كان غير نافع فأنت غاش دمى، وإذا كان نافعا فلابد أن يكون للجرة فى حالتها الراهنة قيمة، فما هى هذه القيمة ؟ ) إنى أريد تقديرك لها " .
فأجاب زى ديما بعد أن فكر قليلا : " إليك ردى، لو كنت تركتنى أصلحها بالملاط وحده - كما أردت لما كنت حبست فيها، ولعادت لها قيمتها الأولى بلاشك، ولكن هذه المسامير قد اتلفتها، وأفقدتها قيمتها، فهى لا تساوى الآن سوى ثلث قيمتها الأصلية "
- أي أنها تساوى فلورينة واحدة وثلاثة وثلاثين سنتيما - ربما أقل من ذلك ولا يمكن أن يكون أكثر . فقال دون لوللو : " حسن، عدنى بأن تدفع لى هذا المبلغ " .
فأجاب زى ديما كأنه لم يفهم المقصود : " ماذا ؟ " فقال دون لوللو : " سأكسر الجرة لأطلق سراحك، وقد أخبرنلا المحامى أن عليك أن تدفع قيمة الجرة حسب
تقديرك، أى فلورينة وثلاثة وثلاثين سنتيما " . فاستضحك زى ديما وقال : " أنا ادفع! أحب إلى أن أبقى فى داخلها حتى أهنك "
وبصعوبة أخرج من جيبه غليونا قصيرا قدرا وأشمله وأخذ يدفع بالدخان من عنق الجرة
ووقف دون لوللو عابس الوجه، فإن فكرة امتناع زى ديما عن طلب الخروج من الجرة لم تخطر على باله، ولا على بال محاميه، فماذا يصنع ؟ وقد هم بطلب إسراج البغلة، ولكن الليل أقبل، فقال : " أو هو، أنت تريد أن تتخذ جرتى دار إقامة ؟ إنى أشهد الناس على أنك تسكنها، وترفض الخروج منها لكى تفلت من دفع الإيجار، إنى مستعد لكسر الجرة، ولكنك تصر على البقاء بها، ولذا سأتخذ الإجراءات القانونية ضدك فى الغد، لأنك تحتل جرتى احتلالا غير شرعى، وتمنعنى من حق التمتع باستعمالها "
فأرسل زى ديما نفسا آخر من أنفاس غليونه وقال فى هدوء: "لا يا سيدى، إلنى لا أريد منمك بحال من الأحوال، أتظننى هنا لأنى أريد ذلك ؟ دعنى أخرج، وأنا أذهب إلى سبيلى مسرورا، أما الدفع فهنيا ما لا يكون يا سيدى " .
فغضب دون لوللو وهم يركل الجرة، ولكنه كقلم غيظه فى الوقت المناسب، ثم قال : " ولكن من الذى أخطأ، أنا أم أنت ؟ أتنتظر منى أدفع ثمن خطئك ؟ تستطيع أن تهلك جوعا فى داخلها، وسترى أينا الرابح " . وانصرف ناسيا الليرات الخمس التى قذف بها فى الصباح إلى داخل الجرة، وكان أول ما فكر فيه زى ديما هو إنفاق هذه النقود فى إقامة حفلة ساهرة مع الفلاحين الذين سمعوا على قضاء الليلة فى المزرعة بالهواء الطلق، وذهب أحدهم إلى الحانة المجاورة ليستحضر اللازم بها، وكان القمر يجلو
الظلمة، باهر الضياء، ولذا كانت الليلة مضيئة مناسبة للقصف واللهو.
وبعد ساعات استيقظ دون لوللو من نومه على ضجة تصم الأذان، ولما نظر من الشرفة رأى فى ضوء القمر رجاله وهم يسكرون ويعربدون ويرقصون حول الجرة، وزى ديما فى داخلها يغنيهم بأعلى صوته .
ولم يستطع دون لوللو فى هذه المرة أن يكبح جماح نفسه، وانطلق كالثور الهائج، وقبل أن يستطيعوا منعه ركل الجرة ركلة شديدة، فبدأت تهوى فى منحدر واستمرت فى طريقها . وقد كادت جماعة الفلاحين تجن من السرور والطرب، حتى اصطدمت بشجرة زيتون، وتناثرت أجزاؤها، وخرج منها زى ديما منتصرا فائزا.
