الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 155الرجوع إلى "الرسالة"

سبعة ضد طيبة، (الدرامة الثالثة الباقية من مأساة أوديب)

Share

خلاصة الدرامتين المفقودتين: ولد لملك طيبة الملك لايوس طفل  جميل قالت النبوءة إنه إن عاش فسيقتل أباه ويتزوج أمه ويجر البلاء  على شعبه فأرسله الملك مع واحد من خدمه ليقتله ويتخلص بهذا من  شره، ولكن الخادم خشي عقاب السماء إذا قتل الطفل فعلقه من عقبيه  في شجرة وعاد إلى المدينة. ومر راعي غنم بذلك المكان فأحزنه بكاء  الطفل فأخذه وذهب به إلى ملك كورنثه الذي فرح به لعقم زوجته  وجعله ولياً لعهده وسماه أوديبوس   (أي ذا القدمين المتورمتين) .  وكبر أوديب وأقيمت حفلة راقصة في القصر وثمل المدعوون وحدث  أن أحدهم اصطدم في نشوة السكر بأوديب فلمزه في أصله وأنه ليس  ابن ملك كورنثه، فثار أوديب وأظلمت الدنيا في عينيه وترك من  توه قصر الملك وهام على وجهه في البلاد باحثاً عن والديه الحقيقيين. ولقي ركباً ملكياً في طريقه إلى دلفي فأمره القائد أن ينتحي ناحية   حتى يمر الموكب ولكنه أبى والتحم مع الجماعة في معركة فقتلهم جميعاً    وفيهم ملك طيبة - وبذلك تحقق شطر النبوءة الأول لأنة قتل  أباه - ثم سار إلى أن بلغ طيبة فوجد قومها في حيرة من مقتل الملك  ومن هولة بحرية فتكت بأهل المدينة لأنهم لم يستطيعوا تفسير حجياها،  وسمع أوديب أن مجلس المدينة قرر أن من يخلص الناس من هذه  الهولة فانه يصبح ملكا عليهم ويتزوج الملكة الأرمل، فذهب من فوره  فلقيها وحل حجياها وقتلها وصار ملكا على طبية وتزوج الملكة التي  هي أمه وهو لا يعلم - وبذلك تحقق شطر النبوءة الثاني - وحدث  وباء في طيبة فتك بأهلها فتكا ذريعاً وقالت النبوة إن الوباء لا يرتفع  عن حتى يقتل قاتل الملك لايوس. . . وأمر الملك بتحقيق مقتل  سلفه فثبت عنده أنه هو القاتل وأنه ابن لايوس هذا وأنه تزوج أمه  ونسل منها ولدين وفتاتين فجن جنونه وسمل عينيه وهام على وجهه  إلى الغابة لتقتله ربات الذعر جزاء له. . . أما ابناه فقد اقتتلا على العرش  واستنجد أكبرهما بالأرجيف أعداء طيبة فثار الشعب عليه. . . وفي  المعركة التقى الإخوان فقتل أحدهما الآخر وبذلك تحقق الشطر الأخير  من النبوة. . .

-  ١ - اختلف الإخوان، إتيوكليس، وبولينيسيز، بعد مقتل أبيهما  من أجل العرش، ثم اتفقا على أن يحكم كل منهما سنة، واتفقا  على أن يحكم إتيوكليس، الأخ الأكبر قبل أخيه. فلما حال

الحول وأراد بولينيسيز ارتقاء العرش بدوره، أبى أخوه؛ وألب  عليه الشعب، وأوغر صدور مجلس طيبة بما لفق على أخيه من  المفتريات. واضطر بولينيسيز إلى ركوب الأسنة، لما لم ير له  حيلة إلا ركوبها!

-  ٢ - ولاذ بملك آرجوس، أدراستوس، فحل به أهلاً ونزل عنده  سهلاً، واتفق الملك على أن يزوج الأمير ابنته، عل أن يرسل  جيشه العرموم على طبية لإذلالها، يقوده سبعة من أشد قواده

وعلم أتيوكليز بما دبر أخوه فهاج هائجه، وانطلق إلى شعبه  يدلهم على خيانة بولينيسيز، ويقدم لهم دليلاً جديداً   (على هذا  المارق الذي لفظه وطنه فلاذ بأعدائه يشترى الملك بالعبودية،  والتاج بالقيد الذي يعده لبلاده، وسعادته الوضيعة بشقاء طبية  بأسرها. . .)

-  ٣ - (إتيوكليز يحرض الجند على الأسوار) -  (يا أبناء طيبة! أيها القدميون الشجعان! يا ذادة  الوطن! الساعة خطيرة فانتبهوا، وإياكم وسنة من النوم تأخذكم  والعدو محدق بكم. إنه أن يكن نصر فمن الآلهة التي ترعاكم؛  فان تكن الأخرى، وحاشا أن تكون، فأنني، أنا إتيوكليز  ابن أوديبوس الشقي، أنا الرجل ملء الأفواه وملء الأسماع،  سأكون عرضة لحقنكم وسخطكم، لأنني لم أستطع الدفاع عن  ذماركم فلم أستحق محبتكم. وقانا الله عاقبة السوء، ودفع عن  طيبة هذا البلاء. يا أبناء الوطن! إن كل نَفَس يتردد فوق تلك  الأرض المقدسة حري بأن يشترك في الجهاد الأكبر، شيبكم  وشبابكم، كبيركم وصغيركم، قويكم وضعيفكم، كل ينفخ في  أخيه من روح الوطن، وكل تتدفق في عروقه دماء النخوة  حارة ترد بسواعدكم الغزاة العتاة المعتدين!. . . قد جدت الحرب  بكم فجدوا، ألا فافزعوا إلى أسلحتكم فردوا بها عادية الأشرار  عن وطنكم وعن آلهتكم، وعن أطفالكم، وأمهاتكم اللائي  أرضعنكم لتكونوا بعون السماء الكماة الحماة اللهاذم الصيد  الصناديد! اذكروا ما بعد النصر من عز وفخر، واذكروا ما بعد

الهزيمة من عار ودمار ومذلة وأَسار!! لقد حدث واعظكم وصفي  آلهتكم تيريزبازس، قال: إن قادة الأرجيف قد اعتزموا الكبسة  ليلتهم هذه، فمن لطيبة يا أبناءها غيركم!! هلموا!! تبوأوا مواقف  للقتال في كل شبر من أرضكم، وقفوا بالمرصاد لعدوكم، وسدوا  الثغور فأنها مفاتح بلادكم، واستلئموا في حديدكم ولا ينالُن  منكم غرة فتذهب ريحكم، وخذوهم من فوق حصونكم، ولا  تهولنكم كثرتكم فالسماء معكم، والآلهة من خلفكم. . . . . .)

-  ٤ - (يدخل رسول) -  (حيّا الله مولاي الملك! الأخبار يا مولاي! لقد  شهدت بعينيْ رأسي! الأرجيف يا مولاي في سبعة جيوش  جرارة، يقود كل جيش كميٌّ صنديد. لقد ذبحوا قرابينهم من  كل عجل جسد وثور سمين، وغمسوا أيديهم في الدماء، ثم تقاسموا  ليجعلن عاليَ طيبة الخالدة سافلها أو ليهلكن دونها. . . وكانوا  يا مولاي يرمقونها بعيون تقدح الشرر إذْ هم يأخذون مواثقهم،  وكانت شفاههم تتلمظ تحناناً ليوم النصر، وفي قلوبهم نار تسعر!  وقد عجلت إليك يا مولاي وإنهم ليعبئون صفوفهم، ويأخذون  أهبتهم، فخذوا عدتكم واثقفوهم قبل أن يقفوكم، ولتكن طيبة  كلها يداً واحدة، وإن لنا لَلْكَرّةَ بمعونة السماء. . . (يخرج الرسول)

-    (يا زيوس العظيم! يا مولاي! يا رب هذا البلد! احمه  من الأعداء، ولا تسلطهم عليه فيغتصبوا حريته، ويهدروا  كرامته! كن في عون عبادك من ذراري قدموس! إنهم  يخبتون لك ويصلون من أجلك!)

-  ٥ - ويشرف الطيبيات من أعلى الأسوار، فيرين إلى جحافل  الأعداء محدقة بمدينتهم فيتفزّعنْ فرقاً، ويتغنين بالآم الوطن،  ويرسلن أنشودة طويلة مبللة بالدموع من أجل طيبة، ويهتفن بالآلهة أن تنقذهن من ذل السبي وهوان الأسار، فما يسمعهن  إتيوكليز حتى يهرع إليهن

-    (ألا خَبّرْن أيتها المخلوقات اللائى لا يتحملكن قلب

ولا يُسر برؤيتكن طرف! أبمثل هذه الأصوات المنكرة تدفعهن  عن طيبة بلاء الأعداء!؟ أبهذا الصراخ وذاك العويل تكشفن  الغمة عن الوطن الحزين!؟ تالله إنكن عليه بهذا العواء الذي  يقذف الرعب في قلوب الجند! أتحببن أن تُحبَسْن ورجالكن  في عقور دوركن، وتكن بذاك قد دفعتن عن البلاد غائلة العدو  المحدق بنا جميعاً! مالكن تهرولن هنا وهناك باكيات منتحبات؟  إنكن إذن بلاء هذا الوطن وشقاؤه، ولَسْتُن أهله بل أعداءه!  إنكفئن إذن وخلين بين الرجال وبين واجبهم الأسمى من مجالدة  الأرجيف، والذود عن بيضة الوطن! إنكفئْن! لاسعت  بكن قدم؟!)

-  يا حفيد لايوس العظيم! إن قلوبنا لتنخلع من ضوضاء  هذا الجيش اللجب المحيط بنا؟!)

-    (أذن خبّرْن يا نساء طيبة! أإذا أحيط بالسفينة في  البحر اللجي ترك الربان سكانها وفزع إلى السارية لينجو من  الغرق؟!)

-    (بل نحن قد فزعنا إلى هياكل الآلهة أن تحفظنا من  الأسار، وصلينا في كل معبد من أجل رجالنا وأطفالنا!)

-    (بل صلين للآلهة أن تقي أسوار المدينة، وأن تنصر  أبطالنا على خصومنا! اهتفن بأبنائكن أن ادفعوا عن أوطانكم،  ولا تسمحوا لعدوكم أن يجوس خلال هذه المدينة! إنهم وحدهم  يقدمون القرابين من أرواحهم لهذه الديار! أما انتن فقرن في  بيوتكن، ولا تلقين الرعب في قلوب أبنائكن!! لقد كدتن  تفعمنها جبناً وترهقن سواعدهم ضعفاً وخوراً!)

-    (ويلاه! إن العدو يأخذ المدينة من أساسها! اسمع!) (أصوات شديدة وقرقعة) -    (أجل! وإن للمدينة لأبناءً كراماً، وإنها لقعقعة  سلاحهم تبيد صفوف الأعداء!) -    (بل هم الأعداء يجرعون أبناءنا غصص الموت!) -    (غصص موت تبيدكن جميعا! أُصمتن!) -    (أنت سبب هذا البلاء! كل هذا من أجل لباناتك!  أنت جلبتهم على طيبة بالخيل والرَّجْل!!) -    (يازيوس الجبار! أي شياطين بثثت في نفوس النساء؟)

-    (النساء التاعسات مثل رجالك الذين أشقيتهم!) -    (أصمْتن يا شقاء الوطن! لقد أزعجتن جنودنا  بأصواتكن!) -    (نصمت! آه! لنصمت بأمر الملك) -    (يا آلهة الأولمب رفقاً بطيبة! تقبلي صلواتنا من أجل  هذا الوطن! إني لن آلُو جهدا في تخير ستة من شجعان قادتنا  يدفعون قادتهم السبع. . . باركي يا سماء وانصري يا آلهة) (يخرج إتيوكليز)

-  ٦ - ويهوج الخورس بأناشيد يترجمن بها عن الفزع الذي  يروعهن من هذه الحرب، ثم يصلين من أجل طيبة، ويدعين  الآلهة، ويحضر إليهن رسول ممن شهد المعارك فما يوشك يصف  ما حدث عند البوابة من الطعن والضرب، والتكبكب  والانهزام، والهجوم والارتداد، حتى يجيء إتيوكليز فينفي كلام  الرسول، ويخبر أن القائد الطيبي فلانا قد دحرهم، ومزق  صفوفهم وخضد بأجناده شوكتهم. فإذا حدث الرسول عما كان  من نزال وقتال عند البوابة الثانية رد إتيوكليز فبالغ في شجاعة  الطيبين ثمة، وما أبدوا من صمود للهجمة، وصبر في موقف  الموت. . . وهكذا. . . فإذا بلغ الكلام عما كان عند البوابة  السابعة وذكر الرسول أن بولينيسيز نفسه هو قائد الأرجيف في  تلك الجهة امتقع وجه إتيوكليز واربد جبينه، وانعقدت فوقه  سحائب من الهم والفكر، ثم تلجلج لسانه بكلمة طويلة عن  مصائر هذه الأسرة الشقية التاعسة، وانطلق ليدافع عن البوابة  السابعة ضد أخيه بنفسه. غير مصغ إلى تحذير الخورس إياه.  ولا حافل بإمارات السوء التي كانت ترقص أشباحها في الميدان.

-  ٧ - ويتغنى المنشدات، فيذكرن الأحداث القدامى التي تنبأ بها  الكهنة في دلفي عن أوديب طفل لايوس، ويوجسْنَ خيفةً  أن يتم اليوم الفصل الأخير من المأساة.

وما يكدن يفرغن من تغنيهن حتى يدخل إليهن رسول يزف  إليهن بشرى نجاة طيبة وسلامتها! -    (نجاة طيبة؟ هل انتصرت جيوشنا يا صاح؟)

-    (كلا، ولكن انتهى كل شئ! لقد قُتِلا؟) -    (قتلا! من لعمركَ أيها الرسول!) -  (هدئن من روعكن يا سيدات! إتيوكليز وبولينيسيز!  لقد قتل كل منهما أخاه، ووضعت الحرب أوزارها!

وتكاد الفتاتان المنكودتان: أنتيجونى وإسمنيه، ابنتا أوديب  تصقعان لهذا الخبر، فهما أختا الأميرين المتحاربين، والبقية  الباقية من هذه الذرية الشقية، وسيتألف من شقوتهما أسود  فصل في المأساة.

-  ٨ - وترثي الفتاتان أخويهما رثاء باكياً حزيناً، وما تكادان  تفرغان حتى يدخل القائد العام لجيوش طيبة فيقول: -    (قضي الأمر وانكشفت عن طيبة غمة الحرب التي  جناها عليها المارق الأثيم. . . وسنفرغ الآن للاحتفاء بدفن  إتيوكليز، حبيب الوطن؛ وصفي الآلهة، وبطل الأبطال. . .  ستقف طيبة كلها عند قبره لتذرف عليه دموع المحبة والإخلاص  والحزن. . . أما الشقي بولينيسيز، فستنبذ جثته بالعراء، جزر  السباع وكل نسر قشعم. . . ستنوشه كلاب البرية بعد أن يجيف  وينتن، جزاء له على مروقه من حظيرة الوطن، وعقابا له على  لواذه بأعداء طيبة، وسوقه جيوشهم عليها يقتلون أبنائها  ويطفئون جذوة الحياة فيها. . . لن يبكي عليه أحد. . . ولن  يوقره أحد. . . ولن تؤدى له طقوس الموت لأنه لا يستحقها،  ولن يصب أحد على ترابه خمراً. . . اللئيم المنبوذ. . . بهذا قضى  عليه مجلس طيبة الأعلى، فليذق بغض ما قدمت يداه!!)

وما يكاد يفرغ حتى تثور ثائرة انتيجوني حزناً على أخيها وتقول: -  (ماذا أيها القائد؟ لن تقام الطقوس الدينية لأخي!  وسينبذ بالعراء تنوشه الكلاب البرية وذؤبانها؟ هاها!. . . أنت تحلم  ورجالك أعضاء مجلس طيبة يحلمون! بل أنا. . . أنا الفتاة العاجزة  أنتيجوني. . . أخت هذين التاعسين، وابنة ذينك الأبوين  البائسين. . . سأقوم لأخي بكل ما أباه عليه مجلسكم الموقر. . .  سأدفنه وسأهيل التراب على جسمانه، وسأضرب بقراركم عرض

الأفق! ولتفعل قوتكم بضعفي بعد ذلك ما تشاء! -    (أنصح لك يا فتاة أن تدعي لمجلس الأمة مصير هذه  المسئلة!) -    (بل أنا أنصح لمجلس الأمة ألا يأمر بما ليس في  مستطاعه!) -    (أحذرك، فهنا شعب نجا الساعة فقط من أهوال  الحرب، وهو لذلك لا يعرف الرحمة!) -    (ليكونوا غير رحماء؟ ولكن لابد !  مما ليس منه بد! سيدفن أخي برغم الجميع!) -    (وكيف؟ إنك تتحدين الدينة بأجمعها! انها تكرهه!) -    (لقد لقي حسابه من السماء، فلم يعد لأهل الأرض  حساب معه!) -    (ولكنه عرض الوطن للبوار قبل كل شيء!) -    (لقد أساء التصرف فيما لم يكن له فيه يدان! وسأدفنه  وحسبكم مني هذا. . . كفى. كفى!!) -    (أنت حرة. . . تفعلين ما تشائين. . . ولكنى سأمنع  الدفن بالقوة!)

ويتغنى المنشدات، ويصلى الجميع للآلهة

اشترك في نشرتنا البريدية