الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31 الرجوع إلى "الثقافة"

سبيل المدنية

Share

قل من الناس من يشك في أن الإنسان دائم الرقى من الهمجية إلي الحضارة .  ولكن كثيرا من أعلام المفكرين - ومنهم روستو لا يرون هذا الرأي ، بل إنهم لينالون في نقيضه ، ويعتقدون أن الانسانية تنحدر من سبيل الخير إلي سبيل الشر ، وأن " العصر الذهبى " قد انقضي من زمن بعيد ، حينما كان الانسان الأول يعيش عيشة ساذجة بسيطة ، يسود فيها السلم ولا يعرف القتال . ويري آخرون أن الانسانية تارة ترتفع وتارة تهبط ، وأن خط الحضارة لا يستقيم ولا يتصل ، أن المدنية تظهر حينا وتختفي حينا آخر . وقد يتفق هذا الرأي الأخير وسير التاريخ ، لأن نور الحضارة لا يشرق في كل مكان ، ولا يدوم على مر الزمان . وهناك من يري أن المدنية صفة شخصية تتميز بها الافراد دون الجماعات ، وسواء أصح رأي أولئك أو هؤلاء فليس تعريف المدنية بالأمر الهين اليسير

ومهما يكن من شيء فلا شك أن هناك فارقا بين الإنسان كما يعرفه في غرني اوربا مثلا والإنسان في أواسط أفريقيا ؛ فما أهم ما يمز الجماعة الأولى ؟ يناقش ٧ - هذا الموضوع في كتابه " المدنية " وتحب أن نعرض هنا موجزا لرأيه ، وما وصل إليه من نتائج .

يتساءل هل الحضارة هي في احترام ملكية الآخرين ؟ أجل ، إن الحيوان لا يعرف لغيره حقا ؛ ولكن الانسان المتوحش يعترف بحق الامتلاك ، وقد يكون هذا الحق وسيلة من وسائل الحضارة ؛ ولكنه لن يكون سممتها المميزة ، فان هنود امريكا الشمالية كانوا

يجهلون السرقة ، حتى غزاهم الجنس الأبيض - وهو أعلي منهم حضارة - فأخذوها عنه وتفشت بينهم .

ومن النساء من يرين أن مقياس الحضارة في أمة من الأمم هو المكانة التي تبوؤها المرأة فيها ولكن المرأة بين قبائل ) البو شمن ( في افريقيا و ) القدا ( في جزيرة سيلان تتمتع بمركز لم تنله في أثينا في عصر ارسطو . ولكثير من الشعوب المتأخرة اخلاق جنسية ممتازة ، فهي تنظر إلي الفاحشة بعين السخط ، وتحكم على الزاني بالرجم . ولا يتروج الرجل في غابات البرازيل بأكثر من امرأة واحدة ، مع أن أفلاطون صاحب الذهن الجبار قد أباح الإشتراكية في المرأة . ولم يكن العفاف فضيلة عند فولتير وديدرو وغيرهما ممن يؤمنون بفلسفة اللذة . وكان سقراط وشكسبير ورةليل وقيصر ونابليون يحبون حياة فيها كثير من الدنس

وتري جماعة أخري من النساء أن الحضارة لا تتم إلا إذا أصبح لكل فرد - رجلا كان أو امرأة - حق التصويت . ولكن شكل الحكومة ليس من ضرورات الدنية فقد نجد الديمقراطية بين المتبررين ، بيديها كانت أثينا في أوجها أوليجاركية تقوم على خدمة العبيد الذين لا يملكون إبداء الرأي . وكانت فرنسا في القرن الثامن عشر - عصر النور - حكومة مستبدة .

أم هل المدينة هي الوطنية ؟ إن هنود أمريكا الشمالية معروفون بحبهم لبلادهم . وقد زار الولايات المتحدة مرة رجل من جزائر فيجي ال ٢ - وهي ما تزال في طور البداوة - ثم عاد إلي بلده ، فسأله أهله وذووه : ماذا

رايت ؟ فقال : رأيت عجبا ! ثم أخذ بعدد مزايا أمريكا على بلده ، فقتله السامعون غيرة منهم على وطنهم

ويقول أصحاب المذهب الرواقي ، وتتبعهم في رأيهم كثرة من الناس : إن العالم لا يرفي إلا إذا اتحد في أمة واحدة " لأن أمة لن تفوز في حرب إلا إذا خسرت الأخرى ، ولن تنتصر دون أن توقع بغيرها شرا " كما يقول فولتير .

ويقول أصحاب العلوم إن المدنية هي الخضوع المطلق القانون الطبيعة الطبيعة ، وشعارهم "خل سبيل الطبيعة" . ولو أخذنا برأيهم هذا لكانت مملكة الحيوان والنبات هي المثل الأعلي للحضارة ، لأنها تترك الطبيعة وشأنها . ويزعم أصحاب هذا الرأي أننا أفسدنا الطبيعة الطبيعة لأننا لم نسمح للأصلح أن يبقى ، وأنا لن نأخذ بأسباب المدنية حتى نهمل الضعيف ونعترف بأن القوة هي الحق ، وأن الأرض لعباد الله الصالحين . وليكن هذا صحيحا ، ولكن من هو الأصلح ؟ هل هو القوي بناء أم المتوقد ذكاء ؟ إن الإنسان الضعيف قد تغلب في كفاح الحياة علي ) المأموق ( العظيم ، ولقد كان يعيش على الأرض في عصر الجليد الحيوان الضخم والحيوان الهزيل ، فانقرض الأول واستطاع الثاني بحيلته أن ينجو من قوة البرد ، وأن يتناسل ويتكاثر . إن رأي الطبيعي لا يحتمل الجدل ، لأن الطبيعة تجري بالفعل مجراها ، ولا يعيش من الحيوان والإنسان إلا أصلحه . وإن كان الإنسان يعترض سبيل الطبيعة فان من " طبيعته " أن يعترض سبيلها ، ومن الخير أن يعترض سبيلها ، لأن الغرض من الحياة ليس مجرد الحياة ، ومن واجب الإنسانية أن تتجه وجهة أسمي من بقاء النوع وحسب ، وأن تحمي الضعفاء النابغين ، والأذكياء الناسين . إن كان معني الحضارة أن تفسق الجماعة على خير تسق للعيش المجرد ، فلقد بلغت إذا جماعة النمل والنحل أوج الحضارة !

اجتمع مرة لفيف من المثقفين وأخذوا يتجادلون فى مغني الحضارة ، فرآها بعضهم في التوحيد ، ورآها آخرون في الاشتراكية وآخرون في الرقى الآلي ، وآخرون في تقدم الفنون والآداب ، واخذ يفتد بعضهم بعضا ، وكان من بينهم ضابط كبير ، تقدم إليهم برأيه قائلا : " لقد ازردهر الفن والأدب في اليابان مئات السنين ، ولكنا لم نسمع قط أن اليابان أمة متحضرة حتى اشتبكت مع الروسيا في حرب ضروس ، فهزمنها وخرجت من الحرب ظافرة وكان يشير بهذا إلى أن التفوق الحربى هو معيار المدنية . ولو صح ما زعم لسكان البرابرة الذين اجتاحوا الامبراطورية الرومانية والتثر الذين قضوا على الحضارة العربية أرفع مدنية من أولئك وهؤلاء .

ويعرض Bell الكثير من صفات المدنية المزعومة ، ويقتدها واحدة بعد الأخرى لشيوعها بين البرابرة المتوحشين . ويحاول أن يلتمس سمة تتسم بها الأمم المنحضرة وحدها دون غيرها . والجماعات المتحضرة فى التاريخ عنده ثلاث : أثينا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد ، وإيطاليا في عصر الهضة ، وفرنسا في القرن الثامن عشر حتي الثورة الفرنسية . فما هي الصفة المشتركة التى تنفرد بها هذه الجماعات ؟ هي عنده " تقدير الفن " و تحكيم العقل " .

فتقدير الاتينيين للفن معروف مشهور . وتروي الميتولوجيا اليونانية أن مثالا أخذ مرة يعذب فتاة تعذيبا مبرحا ، ويشوه خلقتها تشوبها شديدا ، فرفع ذووها امره إلي القضاء ، وسيق المثال إلى ساحة العدل ، واتهمه القاضي بتهمة التعذيب ، فقدم دفاعا عن نفسه تمثالا دقيقا صنعه للفتاة الشائهة ، فظفر من فنه ببراءته . وكان الاثنينيون يضحون بالراحة في سبيل الجمال ، ويبذلون كل مرتخص وغال في سبيل إحياء فن التمثيل . وكثر

الشعراء والمصورون والفلاسفة في إيطاليا في عصر النهضة ، وكانت ) فلورنس ( تعتبر رفائيل وميخائيل انجلو المثل الأعلى لعبقريتها ، ويرفعون رجال الفن فوق الملوك والأمراء . وكانت فرنسا في القرن الثامن عشر تقدر جمال الأدب القديم فشاع فيها المذهب الكلاسيكي ، وكان اغنياؤها ينفقون المال والوقت والجهد في جمع الصور والتأنق في كل ما يلبسون وما يأكلون .

وكانت هذه الفترات التاريخية الثلاث تقدر اللذة العقلية وتأخذ بتحكيم العقل ، وتؤمن بأن كل ظاهرة تخضع لقوانين المنطق والعقل . وكان من نتائج ذلك أن فكر الأثينيون في معني الخير وفي طبيعة المادة ، وأن تسرب مذهب الشك إلي قلوب الفرنسيين في القرن الثامن عشر . ولا يتسني هذا للقبائل المتوحشة ، لأن تنازع البقاء لديها شديد ، والحياة عسيرة تقضي عليهم بالخضوع للغريزة دون العقل . إن الإسكيمو في ذلك الزمهير الفارس ليؤثر سمكة مشوية علي بيت من الشعر ، ورجل الغاية بفر من الحيوان المفترس ولا يجد وقتا للتأمل والتفكير . إذا حكمت عقلك أمنت الهوي ، وأمنت الخرافة ، وأمنت التعصب ، وأمنت الزهد ، وأخذت من لذة الدنيا بمقدار ، وكبحت الشهوة إلي حد . جاء في محاورات أفلاطون أن جماعة من الأدباء أقاموا لواحد منهم وليمة كبيرة تكريما له لفوزه في حلبة الشعر . فتناولوا من الطعام ما لذ وطاب ، ثم سأل سائل منهم : " هل ترون أن نواصل الشراب ، ونستمع إلي المغنيات ، أو أن ترفع الكؤوس ونصرف الفتيات ، ثم نختار موضوعا نتجادل فيه ؟ " فأخذ الجميع بالرأي الثاني ، لأنهم تناولوا من الشراب ما يكفيهم . وفي هذا تري وزنا دقيقا للذة الحسية واللذة المعنوية . ثم شرع الحافلون يتبادلون الرأي ، وكان " الحب " موضوع نقاشهم وبدرت منهم ألفاظ جريئة ونكات غير بريئة . وذلك لأنهم جماعة مثقفة تقدر الحب وتقدر الفكاهة . والفكاهة

الرفيعة سخرية من مطامع الناس الدنيئة ، ومما يقيم له الناس وزنا من توافه الأمور .

وبعد هذا بتساءل Bell: هل يريد الإنسان المدنية ؟ وما سبيله إليها إن أراد ؟ من الفلاسفة أمثال روسو من يقول بالرجوع إلي الطبيعة ، ولكن ) هوز ( يصف حياة الإنسان الأول وصفا ينفرنا منها . فلنعمل إذا علي النهوض بالإنسان إلي مستوي رفيع . ولكن كيف السبيل ؟ يري الكاتب أن من واجبنا - إن صح منا العزم على النهوض - أن نخلق في الأمة طبقة ممتازة نهيئ لها جوا خاصا تتوفر فيه أسباب العيش ، كي تحيا حياة نموذجية نسعي جميعا إلي احتذائها . هذه الطبقة ينبغي أن تفرغ طيلة العمر ، وأن لا نكلفها بعمل ما ، وأن تتوفر لها حرية الفكر . وهو لا يريدهم أن يرشدونا بالدرس والمحاضرة ولكن بالقدوة والمثال . وإذا قلت إن هذه الطبقة موجودة بيننا بالفعل ، فتذكر أنها إنما تقوم على الثروة والميراث ، ولا تقوم على التفوق وحسن الاختيار ، إنما تريد أرستقراطية الذكاء لا أرستقراطية المال . فليتعهد أولو الأمر بتربية الأبناء النجباء تربية رفيعة ، حتى إذا كملت مواهبهم تركوا بين الناس مثالا يحتذي . ولا يتنافي وجود هذه الطبقة الممتازة ، المثالية والاشتراكية ، فالإشتراكيون لا يضنون بالمال على المدارس والمعامل ، فلتكن هذه الجماعة من بين هذه المؤسسات . وقد أشار رينان إلي ضروره هذه الطبقة من قبل ، ولكنه أراد أن يسند إليها الحكم . ويخالفه في ذلك Bell الحكم يفسد النفس البريئة ويملأ بتبعاته أوقات الفراغ . كان في فرنسا في القرن الثامن عشر أرستقراطيتان : أرستقراطية الحكم ، وأرستقراطية الحضارة . وكانت الثانية تظفر بتعضيد الأولى وتأييدها ، ولا يري الكاتب مانعا من عودة هذا النظام . وهو لا يقصر هذه الطبقة المتازة على الرجال دون النساء ، بل يري أن تقوم الدولة بالإنفاق على طبقة

من خيار السيدات، تكون وظيفتهن أن يخالطن الرجال من طبقتهن كي يحفزوهن إلى زيادة التأنق في فنون الحياة.  ولا يرى أن يرتبط هؤلاء النسوة رباط الزواج، لأن الزوجية عمل يصرف المرأة عن متابعة الثقافة ، وتربية الأبناء جهد تبذل المرأة في سبيله جمالها . وقد فطنت أثينا إلى ضرورة هذه الطبقة من النساء فكان فيها جماعة ولم يكن -كما قد يحسب القارئ- .hetaerae عاهرات ساقطات، وإنما كن يتذوقن الجمال ويحسن فنون الحديث. وعرفت فرنسا كذلك هذه الطبقة في القرن الثامن عشر، فكن يردن (الصانونات) ويتألقن في المجامع.

ويرى Bell أن نكثر من استعمال الآلات كي يتوفر الفراغ للناس عامة، وأن نعمل على قلة السكان كي يرتفع مستوي العيش. ولما كانت كل جماعة لا تخلو من السفلة الأدنياء، فلا مندوحة من وجود رجال لحفظ النظام، يكون عملهم حماية المدنية، لا فرضها على الناس فرضا، لأن المدنية لا تقوم على استبداد الحاكم بمقدار ما تقوم على إرادة الشعب.

أما بعد، فهذا عرض موجز لرأي Bell في المدنية تقدمه للقراء، ، ولا نقول إما نوافقه عليه أو تخالفه فيه، ولكنه يثير في الذهن الشك والتفكير.

اشترك في نشرتنا البريدية