الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302الرجوع إلى "الثقافة"

ستالين القائد

Share

كان ستالين قد أعدته أمه كما يكون واعظا يبشر دين المسيح ، فخرج من مدرسة الكنيسة ثائرا يبشر بمذهب كارل ماركس الشيوعي ، وينحرف إلى طريق الثورة ويسجن ويبقى ، ويعود من المنفي ليبدأ سيرته لأولي ، وليسجن وينفى من جديد .

ولم يكن عجبا أن تأخذ هذه الثورة بيده إلي قمة النفوذ والسلطان ، حيث يستقر في مقر القياصرة قيصرا غير متوج ، بسط إرادته  في سدس الكرة الأرضية مساحة وما يعادل عشرها سكانا ولكن المجب حقا أن يصبح هذا الرجل العجيب عبقربا في الحرب كما كان في الثورة ، وقائدا مظفرا فيها كما كان زعيما مبرزا .

ووجه العجب ، أووجه الإعجاب ، أن ستالين لم يدرس فنون الحرب في مدارسها ، ولم يلتحق بالجيش طول حياته . ولكن دلته مواهبه الممتازة على مواطن الفن في أمور الحرب فحذقها ، وطبق دروس الحياة العملية على الأمر الواقع فلم يخطئ الحساب ، وقادته بصيرته النافذة إلي مواطن القوة أين تكون فاستغلها ، وعلى مهابط الضعف أين تقع فتكبها ؛ وهكذا نقل ميدان الحياة إلى ميدان الحرب ، وصب فيه عصارة مواهبه وتجاربه فأطاعت ، واستطاعت أن تجعل منه المنظم والقائد المنتصر .

كانت الثورة أول دروس الحرب التي تلقاها ستالين ، فقد كان عليه أن يدير المظاهرات والاضطرابات ويديرها ، وكان عليه إذن أن يعمل حساب الشرطة وفرسان الفوزاق ، وكيف يعتصم منهم إذا هاجموه ، وكيف ينتصر عليهم إذا هاجمهم .

وقد اشتبك فعلا مع الشرطة في معارك كثيرة أثناء قيام هذه الاضطرابات ؛ وقد انتصر عليها في معركتين هامتين :

كانت الأولى في سنة ١٩٠١ . وكان قد قاد مظاهرة من العمال في باطوم ، وظفرت الشرطة ببعض المتظاهرين وقبضت عليهم وسجنتهم ، فما لبث ستالين أن قاد مظاهرة أخري اشتبك بها مع الشرطة في معركة حامية حتى استخلص المسجونين .

وكانت الثانية في شهر مايو سنة ١٩٠٥ حينما دبر مع صديقه ( كامو ) خطة للاستيلاء ، على أوراق نقدية مرسلة إلي بنك تقليس ، وفي الموعد المحدد ، وبينها كانت الأوراق في طريقها إلي البنك تحرسها قوة من القوزاق ، برز كامو في زي ضابط واشتبك مع القوة الحارسة ، وقتل هو ورفقاؤه ثلاثة من رجالها ، وفاز بالمال .

وفي سنة ١٩٠٥ انتظمت روسيا كلها ثورة جامعة ، وكان ستالين إذ ذاك في القوقار ، واستطاع القوقازيون بتدبيره أن يزيحوا مظاهر الحكم القيصري من بلادهم ثلاثة أشهر ، فكانت هذه الثورة هي أولى الحركات الحربية العامة التي أدارها ستالين ، كما كانت الدروس الأولى التي تلقاها في فن الحكم .

وقد أدرك لبنين - وكان في المهجر - عقب هذه الثورة أن الثورة العامة قد صارت وشيكة ، وأن على الحزب الشيوعي أن يمهد وأن يستعد لها ، فأوحى إلي ستالين أن بجند الرفاق ، وأن يوفدهم إلى زميله كراسين ليتولى أمر تدريبهم عسكريا ، وكان هؤلاء الرفاق النواة الأولى للجيش الأحمر .

وجاءت ثورة سنة ١٩١٧ التي أطاحت بعرش القياصرة ، فكان هؤلاء الرفاق هم سبب هذه الثورة ، ولكن كبر نسكى اختلس الحكم من رجال الثورة هؤلاء ، حيث كان لبنين في المهجر ، وستالين في المنفي . فلما عاد ستالين دير حملة عسكرية وجهها إلي حكومة كبرنسكي ، فأزاحها سريعا دون أن تراق الدماء

وإلى حسن تدبير ستالين الدقيق المحكم في هذه الحملة ، لم يتمكن كبرنسكي من أن يثيرها حربا أهلية ثانية

تقضي علي الثورة ، وعلى نتائجها .

وقامت بعد ذلك الحرب الأهلية ( ١٩١٧-١٩٢٠ ) بتحريض من الألمان أولا ، وبتشجيع ومساعدة الحلفاء ثانيا ؛ فإن الألمان كانوا قد وعدوا الأوكرانيين بمساعدتهم في إنشاء حكومة مستقلة ، وكان الألمان يزحفون إذ ذاك صوب (كبيف ) ، فأصدر الزعيم الأوكرانى (رادا ) نداء دعا فيه إلى مساعدة الألمان لطرد الشيوعيين من أرض ( الوطن ) ، واستجاب الأوكرانيون لنداء الزعيم ، وألف الجنرال كاليدين جيشا من فلول الجيوش القيصرية ، وقام فوزاق الدون يؤيدونه ، وبذا بدأت الحرب الأهلية .

وخرج الألمان من الميدان لأنهم كانوا قد عقدوا مع البلشقيك معاهدة برست ليتوفسك في 331918.

ورآها الحلفاء فرصة سائحة للتدخل كما يجبروا ألمانيا على الحرب في جبهتين ، وليفضوا على البلشفية قبل أن يمتد خطرها .

واستطاع الحلفاء ، أن يشنوها على البلشقيك حربا حامية تلاحقهم أخطارها من كل صوب ؛ ففي الجنوب جيوش كاليدين وقوزاق الدون . فلما سحقهم القائد البلشقى ( ايفيسنكو )  عاد القوزاق فتجمعوا تحت قيادة ( كرانسوف ) ، وظهر جيش الجنرال دينكين كذلك - وكان هذا قائدا موهوبا - يقود جيشا قوبا مجهزا ، فاستطاع أن يتقدم إلي أن حاصر تسارتيزن ( ستالينجراد ) ولم يفلح فورشيلوف في الدفاع عنها فأخلاها .

وفي هذا الوقت ظهر جيش الأميرال حكوشاك في الشرق ، وانسابت كذلك جيوش الخلفاء من ثغر مورمانسك . وقد نجح ( بلوخر )  في أن يبدد جيوش حكوشاك ، ولكن دينكين زحف صوب موسكو ، حتى شارفها ؛ وكان ستالين يتولى القيادة في هذه الجبهة ، وهي أخطر الجبهات ، ليواجه أخطر القواد وأخطر الجيوش . وأدرك ستالين أنه لا يستطيع مواجهة دينكين على طول

الجبهة فكان يجمع جيوشه في نقطة واحدة يراها أضعف النقط في خط جيوش دينكين ، ويضرب بها ضربة قاصمة ، ثم يفرق جيوشه على طول الجبهة لتقاوم ما استطاعت ، ثم يجمعها مرة أخرى ليختار نقطة ضعف أخري بضرب فيها ضربة ثانية ، وهكذا حتى أضعف جيوش دينكين واضطره إلى الانسحاب .

ولكن الخطر ظهر من جديد ، فقد جهز الحلفاء جيشا جديدا ، ولوا قيادته الجنرال ( يودونسين ) ، وفي الوقت نفسه كان ( دينكين ) قد أعاد تنظيم جيشه ، وزحف يؤيد بودونتسين ، ووجهتهما معا بتروغراد ، وفي مواجهتهما ستالين أيضا ؛ وبينها كان الجيشان الزاحفان يستعدان للمعركة الحاسمة فجأهما ستالين وبدد شملهما .

وكان ستالين في هذه المعركه قد خالف أوامر اللجنة المركزية وأوامر لينين ، التى كانت تشير بعدم اشتباك القوات البلشفية في ميدانين معا ، ولكن ستالين ، كعادته ، كان لا يتقيد بالأوامر ما دامت لا نتطابق مع الظروف ، وكان لا يتردد في مخالفتها محتملا المسئولية ، وهي مسئولية كبري لو أدت مخالفتها إلى وقوع ما كان يخشى وقوعه .

وعاد دينكين يكون جيشه من جديد ، فأعلن التجنيد العام في أو كرانيا ؛ ورأي البلشقيك أن يبدأ بالهجوم ، لكي ستالين أصر علي أن يمهلوه حتى يندمج الفلاحون المجندون حديثا في جيشه ، وليجعل منهم نقطة الضعف التي يهاجمها منه .

وفي الوقت نفسه أمد الجيش الأحمر بفرق الفرسان ، لأول مرة في تاريخه وباقتراح ستالين ، وولي قيادتها ( بوديني ) .

وأفي دينكين نجاحا في أول الأمر ، فقد زحف بقوانين من أوربل إلي كيرسك ، ومن هذه استولي على ) فوريز ( وصار علي بعد مائتي ميل من موسكو . ولكن ستالين ثم يلبث ان وجه بودبلي بفرسانه ليشتبك مع فرسان دينكين

بينما كان هو في الوقت نفسه بهاجم قوات دينكين من الناحية الضعيفة فيها حيث الجنود الجدد ، واستطاع ان بوقع في صفوفها الاضطراب . وهكذا ارتد دينكين نحو توفورسيسك ) مينا ، على البحر الأسود (

وكان على ستالين أن يتبع دينكين ، وكان ستالين عند ذلك في تسارعزن ، فكان طبيعيا ان يختار الطريق مدين البارين ولكنه أدرك أنه يقوم المستقيم القصير الممتد بين البلدين ، ولكنه ادرك انه يقوم في وسط هذا الطريق مناطق تعادي البلشفية ، وان اقصر الطرق إذن هو أسلمها ولو كان اطولها ، ولذلك اختار الطريق من تولا إلى نوفورسبات حيث تمر عناجم الدونز ويخاركوف ، وهما منطقتان بغشاهما العمال المناصرون للبلشفيك ، وهكذا قضى مهائيا على دينكين

عبد  ولكن الحلفاء أعدوا مع هذا جيشا آخر قويا بقوده فائد اخر موهوب كذلك هو الخبرال ورانجل ( ، فوكمات اللجنة التنفيذية إلى ستالن محاسبة هذا الخطر الجديد ،

وأعطته سلطة غير محدودة لا تخاذ ما يراه لازما . وتقدم ورانجل واستدرجه ستالين حتى بعد عن قواعده فانقض عليه وألحق به هزيمة قاصمة . وبهذا انتهت الحرب الأهلية .

وانتهت في شبه معجزة ؛ فالجيش الأحمر كان ففيرا في كل شئ ، في التدريب والعدة والقيادة ، وكان يسند ظهره إلى روسيا المنهوكة التي خربتها الثورات والحرب وفساد القيصرية ؛ بينما كانت الجيوش الأخرى غنية بكل شئ ، بالتدريب ، ويعتاد الحلفاء ومالهم اللذين لا ينفدان ، ويقواد حاذقين من أمثال دينكين وورائجل . ولكن هذا الفقر في الجيش الأحمر كان بكمله شئ واحد ، هو ستالين وصبره وإيمانه وثاقب بصره ، وحكمه العميق ، السليم على الأسباب والنتائج .

قال " كاجون نفتش " أيا منذ : " لقد كان كل شئ يدعونا إلي القرار ، ولكننا لم نفر لأن ستالين قال : سننتصر ! " أما أثر قيادته في هذه الحرب فموضوعه مقال آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية