إذا كانت الطبيعة ، أو الوجود ، أو العالم المادى ، أمرا ابتدائيا ؛ والعقل ، أو الفكرة ، أمرا ثانويا ، ومشتقا من غيره . وإذا كان العالم المادى يمثل الحقيقة الموضوعية ، مستقلة عن الذهن البشرى ، فى حين أن العقل إن هو إلا انعكاس لهذه الحقيقة الموضوعية ، فانه يترتب على ذلك أن حياة الجماعة المادية ، وكيانها ، هى كذلك أمر ابتدائى ، فى حين أن حياتها الروحية أمر ثانوى ، ومشتق من غيره ، وأن حياة الجماعة المادية حقيقة موضوعية مستقلة عن إرادة الإنسان ، فى حين أن حياة الجماعة الروحية ان هى إلا انعكاس لهذه الحقيقة الموضوعية ، أو انعكاس للوجود .
ومن ثم فعلينا أن نلتمس مصدر تكوين الحياة الروحية للجماعة ، ومنشأ النظريات الاجتماعية ، والآراء والنظم السياسية ، فى ظروف الحياة المادية للجماعة .
ولقد فشل أكثر أصحاب (( المدن الفاضلة )) لأسباب عديدة ، منها أنهم لم يدركوا الدور الابتدائى الهام الذى تلعبه ظروف الحياة المادية للجماعة فى تطور المجتمع . أنهم اتخذوا المذهب المثالى ، ولم يؤسسوا حركاتهم العملية على
حاجات تطور حياة الجماعة المادية . إنما أسسوها على قواعد مستقلة عن هذه الحاجات ، بل ومناقضة لها .أسسوها على (( خطط مثالية )) و (( مشروعات عامة )) لا صلة بينها وبين حياة الجماعة الواقعية .
إن قوة حركة لينين الماركسية وحيويتها تنحصر فى أنها تقيم نشاطها العمل على حاجات تطور حياة الجماعة المادية ، ولا تفصل نفسها البتة عن حياة الجماعة الواقعية
وعلينا الآن أن نوضح هذا السؤال : ما معنى ( ظروف الحياة المادية للجماعة ) عند أصحاب مذهب المادية التاريخية ؟ تلك الظروف التى تتشكل بها صورة المجتمع ، وافكاره وآرائوه ونظمه السياسية ، وما إلى ذلك . ما هذه الظروف المادية وما أهم خصائصها ومميزاتها ؟
ليس من شك فى أن فكرة ( ظروف الحياة المادية للجماعة ) تشمل أولا وقبل كل شئ الطبيعة الطبيعة التى تحيط بالجماعة ، أى البيئة الجغرافية ، وهى من ظروف الحياة المادية التى لا غنى عنها والتى لا تتغير ، والتى - بطبيعة الحال - تؤثر فى تطور المجتمع . ما هو الدور الذى تلعبه البيئة الجغرافية فى تطور المجتمع ؟ هل البيئة الجغرافية هى القوة الرئيسية التى تعين صورة المجتمع ، ولون النظام الاجتماعى ، والتحول من نظام إلى آخر .
إن المادية التاريخية تجيب عن هذا السؤال بالنفى لا جدال فى أن البيئة الجغرافية ظرف دائم لا غنى عنه من ظروف تطور المجتمع ؟ ولا جدال فى أنها تؤثر فى تطور المجتمع ، ونهض بمستواه أو تهبط به ولكن تأثيرها ليس بالحاسم القاطع ، لأن تغير المجتمع وتطوره يسير بسرعة تزيد نسبتها كثيرا على سرعة تغير البيئة الجغرافية وتطورها؛ ففى مدة ثلاثة آلاف عام سادت أوربا ثلاثة نظم اجتماعية مختلفة : أولها النظام الاشتراكى البدائى ، ثم نظام الرق ، ثم نظام الإقطاع بل لقد ساد فى شرق أوربا ، فى اتحاد روسيا السوفيتية نظام رابع . مع أن الظروف الجغرافية فى هذه الفترة فى أوربا لم تتغير البتة أو تغيرت تغيرا طفيفا لا تأبه به الجغرافيا . وهذا أمر طبيعى ، لأن أى تغير له خطره فى البيئة الجغرافية يحتاج إلى ملايين الأعوام ، فى حين أن بضع مئات من السنين أو الفى عام تكفى لإحداث تعديل هام فى نظام الجماعة الإنسانية .
ويترتب على ذلك أن البيئة الجغرافية لا يمكن أن تكون السبب الرئيسى ، أو السبب الذى يعين التطور الاجتماعى . لأن ما يبقى ثابتا لا يتبدل خلال عشرات الآلاف من السنين لا يمكن أن يكون أهم الأسباب فى تطور ما يتبدل تبدلا محسوسا خلال بضع مئات من السنين .
ولا مراء فى أن الظروف المادية لحياة الجماعة )) تشمل كذلك نمو السكان وكثافتهم ، لأن السكان عنصر هام من عناصر ظروف حياة الجماعة المادية . ولا يمكن أن تتوفر الحياة المادية للمجتمع بغير عدد معين من الناس . فهل نمو السكان هو القوة الكبرى التى تحدد صفة النظام الاجتماعى
تجيب المادية التاريخية عن هذا السؤال بالنفى . لا جدال فى أن نمو السكان له أثره فى تطور الجماعة ، ولا جدال فى أنه يسهل أو يعرقل التطور . ولكنه ليس القوة الرئيسية فى تطور الجماعة ، وليس أثره فى التقدم هو الأثر الاكبر . لأن نمو السكان وحده لا يفسر لنا لماذا
يحل نظام اجتماعى معين - دون غيره - محل النظام السائد ، ولماذا أعقب نظام الرق - دون غيره من النظم - النظام الاشتراكى البدائى ، ولماذا أعقب نظام الاقطاع نظام الرق ، وأعقبت الرأسمالية الاقطاع .
إذا كان نمو السكان هو القوة التى تحدد التطور الاجتماعى لتتبع ذلك أن غزارة السكان تؤدى إلى رقى النظام الاجتماعى .ولم يكن الأمر كذلك فيما انقضى من التاريخ ، فإن غزارة السكان فى الصين أربعة أمثال ما هى عليه فى الولايات المتحدة ، ومع ذلك فلا شك فى أن الولايات المتحدة أرقى من الصين من الناحية الاجتماعية ، لأن الصين ما زالت تخضع لنظام شبيه بنظام الاقطاع ، فى حين أن الولايات المتحدة بلغت أرقى نظام رأسمالى من زمان بعيد ، وكثافة السكان فى بلجيكا تسعة عشر مثلا منها فى الولايات المتحدة ، وستة وعشرين مثلا منها فى روسيا السوفيتية ، ومع ذلك فالولايات المتحدة أرقى اجتماعيا من بلجيكا ، واتحاد روسيا السوفيتية يتقدم جيلا تاريخيا بأسره على بلجيكا ، لأن بلجيكا يسود فيها النظام الرأسمالى ، فى حين أن النظام السوفيتى قد تخلص من هذا النظام وأقام فوقه نظاما اشتراكيا .
ويترتب على ذلك أن نمو السكان لم يكن ، ولن يكون ، القوة الرئيسية فى تطور الجماعة ، القوة التى تحدد لون النظام الاجتماعى وصورة المجتمع .
وللقارئ أن يسأل : ماذا عسى إذا أن تكون القوة الكبرى فى ظروف الحياة المادية المعقدة ، القوة التى يتشكل بها المجتمع ، والتى يتلون بها النظام الاجتماعى ، والتى تحدد تطور الجماعة من نظام إلى نظام .
هذه القوة - عند أصحاب مذهب المادية التاريخية - هى (( طريقة الحصول على وسائل العيش )) الضرورية لبقاء الإنسانية ، أو هى (( طريقة انتاج الأشياء المادية )) - المأكل والملبس ، والوقود ، وأدوات الانتاج ، الخ -
وهى الأشياء التى لا غنى عنها لحياة الجماعة وتطورها .
لابد للناس لكى يعيشوا من طعام ولباس ومأوى ووقود ، وغير ذلك . ولكى تتوفر هذه الأشياء ذات القيمة المادية ، لابد للناس من إنتاجها . ولا بد لهم لكى ينتجوها من أدوات الانتاج التى يخرجون بها الغذاء والكساء والمأوى والوقود ، الخ . . . أى لابد لهم من القدرة على إنتاج هذه الآلات وعلى استخدامها .
إن (( آلات الإنتاج )) التى تصنع بها الأشياء ذات القيم المادية ، و (( الناس )) الذين يديرون هذه الآلات وينتجون الأشياء المادية ، بفضل خبرتهم فى الانتاج ومهارتهم فى العمل - هى العناصر التى تتألف باتحادها قوى الانتاج فى المجتمع .
غير أن قوى الإنتاج ليست سوى وجه واحد من أوجه الانتاج ، وهى الوجه الذى يمثل العلاقة بين الأفراد من ناحية والأشياء وقوى الطبيعة من ناحية أخرى ، الأشياء والقوى التى يستغلونها فى انتاج الماديات ، وثمة وجه آخر من أوجه الانتاج ، وهو علاقة الفرد بالفرد فى عملية الانتاج ، ولنطلق عليها اسم (( علاقات الانتاج )) للأفراد . إن الناس يكافحون الطبيعة ويستغلونها فى إنتاج الأشياء المادية ، لا وهم فرادى ، ولكن جماعات . وإذا فالانتاج هو فى جميع الاوقات وتحت كل الظروف إنتاج (( اجتماعى )) . والأفراد - وهم ينتجون أشياء لها قيمة مادية - يتبادلون العلاقات ، وقد تكون هذه العلاقات تعاونا بين الأفراد المتحررين من الاستغلال ، وقد تكون سيادة وإخضاعا ، وقد تكون غير ذلك .
ولكن مهما تكن صفة علاقات الانتاج ، فهى دائما وفى كل نظام عنصر من عناصر الإنتاج لا يقل أهمية عن قوى الانتاج فى المجتمع . يقول ماركس : (( يتوقف الانتاج على الطبيعة كما يتوقف على علاقة الأفراد بعضهم ببعض . فالناس ينتجون بالتعاون بطريقة معينة وبتبادل
النشاط . ولكى يستطيعوا الانتاج تقوم بينهم علاقات وروابط معينة ، ولا يتم استغلال الطبيعة - أو الانتاج - إلا فى حدود هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية )) .
ومن خصائص الانتاج أنه لا يقف عند نقطة معينة فترة طويلة من الزمن ، إنما هو دائما فى حالة تغير وتطور . ومن خصائصه كذلك أن تغير طريقته يستدعى حتما تغيرها فى النظام الاجتماعى بأسره ، وفى الآراء الاجتماعية ، والأفكار والنظم السياسية . إنه يستدعى إعادة بناء النظام الاجتماعى والسياسى بأسره . وفى مراحل التطور المختلفة يستغل الناس طرائق الانتاج المختلفة ، أو قل إنهم يسلكون فى الحياة مسالك مختلفة ؛ ففى الجماعة البدائية طريقة ما للانتاج ، وفى ظل نظام الرق طريقة أخرى ، وتحت النظام الاقطاعى طريقة ثالثة وهكذا . ويقابل ذلك اختلاف فى النظام الاجتماعى ، وفى حياة الأفراد الروحية ، وفى آرائهم ونظمهم السياسية .
ومهما تكن طريقة الانتاج فى المجتمع ، فان المجتمع يصاغ على صورتها ، وكذلك تصاغ أفكاره ونظرياته وآراؤه ونظمه السياسية . ونستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن طريقة تفكير المرء صورة من طريقة حياته . ومعنى ذلك أن تاريخ تطور الجماعة هو قبل كل شئ تاريخ تطور الانتاج أو تاريخ طرائق الإنتاج التى يتلو بعضها بعضا خلال القرون ، أو تاريخ تطور القوى الانتاجية وعلاقات الانتاج بين الأفراد .
ومن ثم فان تاريخ التطور الاجتماعى هو فى نفس الوقت تاريخ منتجى المواد المادية ، أو تاريخ الطبقات العاملة ، التى هى القوى الرئيسية فى عملية الانتاج ، والتى تقوم بانتاج المواد القيمة اللازمة لبقاء المجتمع .
ومن ثم ، فإذا كان علم التاريخ سيصبح علما حقيقيا ، فلا بد له ألا يخضع تاريخ التطور الاجتماعي لأعمال الملوك والقواد ، وإنما ينبغى له قبل كل شئ أن يكرس نفسه
لدراسة تاريخ منتجى الأشياء المادية ، أو تاريخ الطبقات العاملة ، أو تاريخ الشعوب .
ومن ثم فان مفتاح دراسة قوانين تاريخ الجماعة ، لا يوجد في عقول الرجال ، أو فى آراء وأفكار الجماعة وإنما يوجد فى طريقة الانتاج التى يمارسها المجتمع فى أية فترة تاريخية ، أى فى الحياة الاقتصادية للمجتمع .
ومن ثم فان الواجب الأول على علم التاريخ أن يدرس قوانين الانتاج وأن يكشف عنها ، وهي قوانين تطور القوى الانتاجية وعلاقات الانتاج ، أو قوانين التطور الاقتصادى للمجتمع .
ومن ثم فاذا كان حزب العمال يريد أن يصبح حزبا حقيقيا ، يجب عليه قبل كل شئ أن يعرف قوانين تطور الانتاج ، أو قوانين التطور الاقتصادى للمجتمع .
ومن ثم فلكى لا يخطئ حزب العمال فى السياسة ، ينبغى له عندما يرسم خطته ويعين نشاطه العملى أن يبدأ المسير أولا من قوانين تطور الإنتاج ، أو قوانين التطور الاقتصادى للمجتمع .
وخصيصة أخرى من خصائص الانتاج هى أن تطوره والتغيرات التى تطرأ عليه تبدأ دائما بتغير وتطور القوى الإنتاجية وآلات الانتاج . ولذا فان قوى الانتاج هى أكثر عناصر الانتاج حركة وثورة تتغير القوى الانتاجية للجماعة وتتطور أولا ، ثم يتبع هذا التطور وذلك التغير تتغير العلاقات الانتاجية والعلاقات الاقتصادية بين الأفراد ؛ ولا يعنى هذا بطبيعة الحال أن علاقات الانتاج لا تؤثر فى تطور القوى الانتاجية ، أو أن هذه القوى لا تعتمد على تلك العلاقات . هذه تؤثر فى تلك ثم تعود فتتأثر بها ، أى أنهما تتفاعلان . و نلاحظ فى هذا الشأن أن علاقات الانتاج لا يمكن لفترة طويلة أن تتخلف وراء قوى الانتاج أو أن تناقضها ، وكذلك قوى الانتاج لا تتقدم إلى أقصى ما تستطيع إلا إن سايرها تقدم فى علاقات الإنتاج .
واليك مثالا لم تساير فيه علاقات الانتاج القوى الانتاجية : ذلك هو الأزمة الاقتصادية فى الدول الرأسمالية ؛ وذلك لأن الملكية الراسمالية الخاصة لوسائل الانتاج لا تتفق البتة والصفة الاشتراكية لعملية الانتاج وللقوى الانتاجية . وقد انتهى ذلك بأزمة اقتصادية قد تؤدى إلى تحطيم قوى الانتاج . وهذا الخلاف - من ناحية أخرى - يتكون منه أساس الثورة الاجتماعية التى ترمى إلى تحطيم علاقات الانتاج القائمة وإلى إيجاد علاقات جديدة للانتاج تتفق ونوع القوى الانتاجية .
وعلى نقيض هذا المثال ما يحدث فى الاقتصاد القومى الاشتراكى فى روسيا السوفيتية ، حيث تساير علاقات الانتاج نوع القوى الانتاجية . هنا تقابل الملكية الاشتراكية . لوسائل الانتاج عملية الانتاج الاشتراكية ، ولذا فالروسيا لا تعرف الأزمات الاقتصادية ولا انهيار قوى الانتاج .
ولقد عرف التاريخ خمسة ضروب أساسية للعلاقات بين الأفراد فى عملية الانتاج : الشيوعية البدائية ، ونظام الرق ، ونظام الاقطاع ، والرأسمالية، والاشتراكية - وهى أحدثها وأرقاها

