الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 204 الرجوع إلى "الثقافة"

ست النساء (1)

Share

كان على قطر من أقطار الهند سلطان عظيم الشأن , له الجنود والبنود ، والقوة والسلطان ، والعز والجاه وكان عادلًا في رعيته ، يحسن سياستهم ، وتدبير أمورهم ؛ ويحب العدل ، ويمقت الظلم ، ويعرف تداخل الأمور ومخارجها ، ولكنه مظلم الروح ، مادي النزعة ، فاسد العقيدة ؛ يعبد الأصنام ، ويقدم لها القربان ، ولا يؤمن بثواب ولا عقاب ، ولا بخلود روح ، ولا بمملكة نفس ، وإنما الدنيا الحاضر ، واللذة المال والجاه ، والنعيم صنوف الترف .

وكان له " وزير روحي ، يهزأ بالأصنام ويحتقرها ، ويؤمن بالروح ومبادئها ، ويقر بالجزاء الأوفي ، ويعتقد أن السعادة في رضا الضمير ، والعمل الصالح ، وسمو النفس

عن السفاسف ، وأن للروح مملكة فيها النعيم والشقاء ، وأن نعيمها خير أنواع النعيم ، وشقاءها شر أنواع الشقاء .

ولكنه لا يجرؤ على مكاشفة السلطان بذلك لشدته وجبروته ، ولأن قلبه مغلق لا ينفتح لمثل هذه المعاني ؛ وكان يرثى لحاله كلما رآه يسجد للصنم ، ويسرف في الترف ، ويظن أن المجد في النفوذ والجاه ، والتغلب على ما جاورة من أقطار ؛ ويتحين الفرصة لنصحه وتفتيح قلبه ، ودعوته إلى روحانيته ، ولكن هذه الفرصة لا تسنح ، والسلطان يتمادي في تفاخره ، وخيلائـه وزهوه ,  وعزته وأنفته ورياسته واستطالته ، و يمعن في الخطة التي رسمها له آباؤه ، ويخضع لعرف زمانه وإلفه .

وأخيراً حدثت المعجزة : طلب السلطان من الوزير في ليلة أن يخرجا متنكرين لتفقد أمور الرعية ، كيف يعيشون ، ويشقون أو يسعدون ؛ فطافا ما طافا ، ورأيا ما سرهما أحياناً وساءهما أحياناً ، حتى وصلا إلي ظاهر المدينة ، فرأيا - على بعد - بصيصاً من نور ، فقصداه فرأيا عجبا .

لقد تخفيا فلم يشعر بهما أحد ، وتخيرا مكاناً يريان منه كل شئ ، ولا يراهما أحد .

رأيا دمنة قذرة منتنة الرائحة ، بجانبها مأوي كأنه مغارة ، فرشت فيه ثياب مهلهلة ، تنبعث منه أبخرة متعفنة ، يضيئه سراج من خرقة بالية غمست في زيت كأنه دري ، وفيه جرة لا يعرف لونها من قذَرها ، وسلة من خوص فيها كسر جافة ، وعيدان من فُجل وكراث -  وفي داخله رجل وامرأة ، أما الرجل فمشوه الخلقة ، يلبس ثوبًا مرقعاً ويجلس على ثوب مثله ، وعلي رأسه شملة ممزقة ، وعلى فخذه قصبة شد عليها عود ، وهو ينقر عليها نقراً غير متزن ولا منسجم ، ويغني بشيء يشبه الشعر وليس بشعر ، يتغزل فيه بصاحبته وجمالها ، وفتنتها وسحر عيونها ، وورد خدودها ، ولطف قوامها ، وأنـها أجمل من رأت عينه ، وأنـها فتنة الدنيا ونعيم الحياة .

وأما المرأة فشوهاء مقوسة ، لا تري عينها من قداها ، ولا تعرف لون ثيابها من ألوان رقعها ، قد أمسكت بيدها غربالاً بالياً ، وشدت عليه جلداً غير مدبوغ ، واتخذت من ذلك دُفاً تتابع به نغمات صاحبها , وتناغم عليه نقرات عوده ، فإذا انتشيا قاما ورقصا . فإذا أتـما دورهما حياها بطاقة من فجل ، وردت تحيته بطاقة من كراث ، وهي في كل ذلك تدعوه بسيد الرجال ، وهو يدعوها بست النساء :

هو - والله ما رأيت مثل جمالك هي - ولا والله ما رأيت مثل حسنك هما - ما أجزلها نعمة ، أدامها الله علينا !

وقف السلطان والوزير مبهوتين من هذا المنظر ، متعجبين مما فيه هذان الصعلوكان من فرح وسرور ، ولذة وحبور .

السلطان - في حياتي ما رأيت مثل هذا ، وما أظنني في عز سلطانى -  ونعيم ملكي ، وأيام شبابي ، ومجالس لهوي مع وفرة أسبابي ، وتمكني من الوصول إلي كل ما أشتهي - قد بلغ مني السرور مبلغ هذين الحقيرين .

وأظن أنهما على تلك الحال كل ليلة ، فما الذي يمنعهما ؟ هل يمنعهما تأثر في أطراف المملكة ، أو شغب الجند وطلبهم الأرزاق وضيق الدخل ، أو النظر في المظالم ، أو مشاكل الخاصة ومشاكل العامة ، أو تدبير المال ، أو محاسبة العمال على أعمالهم وأموالهم ، أو النظر في شكاوي الناس وتدبيرها ، أو ما يجد كل يوم من مسائل معقدة ، داخلية وخارجية ، أو بريد يرد أو بريد يصدر ؟ لا شئ من ذلك . قد قطعا عنهما أسباب الهم ، فانقطع عنهما الهم !

لقد غاظني - أيها الوزير - منهما غرورهما ، كيف يعدّان بؤسهما نعيما ، وشقاءهما سعادة ، ونقمتهما نعمة ، وقبحهما جمالاً ، وغربالهما دفاً ، وخشبتهما عوداً ، وفجلهما وكراثهما زهراً ، ثم يسألان من الله أن يديم عليهما نعمته !

لأنتقمن منهما انتقاماً يسلبهما نعمتهما ، وينغص عليهما عيشهما.

الوزير - وماذا تنوي أن تعمل يا مولاي العظيم ؟ السلطان - أريد أن أشقيهما بالنعيم ، وأعاقبهما بالترف ، وأبعث فيهما السخط بالرضا ، وأذيقهما ألم الفقدان بلذة الوجدان ؛ إنهما لم يريا الجمال فسعدا بالقبح ، ولم يسمعا الموسيقي فطربا من الغربال ، ولم يأكلا المــــــــــــــــــرقق فاستطعما الكسرة .

سأعذبهما عذابًا لم يعذبه أحد ، وسأستخرج منهما غرورهما بالخيال فأُشهدهما الحقيقة ، وسأنزع منهما الأوهام فأريهما الواقع ، وسأقص جناحهما الذي يطيران به إلي السماء ليلتصقا بالأرض .

رسول الله وآله وصحبه أجمعين . أما بعد ، فانه وصل كتابك وأنت تهدد فيه بكثرة جيوشك ، وعدد أبطالك . فنحن أرباب السيوف وما قتل منا فرد إلا جددناه ، ولا بغي علينا باغ إلا دمرناه ، ولو رأت عينك أيها المغرور حد سيوفنا وعظم حروبنا ، وفتحنا منكم الحصون والسواحل ، وتخريبنا ديار الأواخر منكم والأوائل ، لكان لك أن تعض على أناملك بالندم ، ولا بد أن تزل بك القدم في يوم أوله لنا وآخره عليك ، فهنالك تسيء ، الظنون " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ". فإذا قرأت كتابي هذا فتكون فيه على أول سورة النحل : " أتي أمر الله فلا تستعجلوه " وتكون على آخر سورة ( ص ) : " ولتعلمن نبأه بعد حين " وتعود إلي قول الله تعالى وهو أصدق القائلين : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع الصابرين " .

وبعد تبادل هذه الخطابات " المدرعة " لم يبق إلا الهجوم . فأمر لويس جنوده بالنزول إلي البر في مكان قريب من دمياط . وتقدمهم وكيل البابا يحمل صليباً كبيراً ومن ورائه لويس يخفق اللواء المقدس فوق رأسه . وفي اليوم التالي وقع أول تصادم بين الفريقين . ولم يكد يرخي الليل سدوله حتى تخاذل قائد المدينة ، ووقع في نفسه أنه سوف يحيق به وبرجاله وعيد لويس التاسع وتهديده فتخلى عن واجبه ، وترك المدينة بمن فيها وما فيها ، وتعلق بأذيال الفرار . وتبعه عرب بني كنانة الذين عهد إليهم الملك الصالح بالدفاع عن هذا الثغر . وحرج الأهالي خلفهم لا يلوون على شيء ، وقد خلفوا وراءهم ما ظلوا يكدسونه في ديارهم الشهور الطوال . وخلا وجه المدينة للصليبيين ، فدخلوها آمنين واستولوا علي ما فيها غنيمة باردة . وكانت فاتحة تبشر بالخراب المحيط ، لولا قوة قلب الملك الصالح وثقته بنفسه ، على الرغم من ضعف جسمه وما كان يعانيه من ويلات مرضه . فإنه جمع أمره ، وأعاد صفوف جيشه ، وكانت عنده فرقة خاصة من معاليكه المختارين أضافها في

هذه الأزمة إلي بقية جنوده . وألقي بالجميع في وجه الصليبيين . ولكنه لم يعش ليري نتيجه حزمه ، فان المنية اختطفته من الميدان والناس أحوج ما يكونون إلي رأيه وحكمته . وبقيت شجر الدر وحدها لتواجة هذا الخطر المحقق الذي لم يكن تهديده قاصراً على شخصها ولا علي بلادها فحسب ، بل كان يشمل أقطار العالم الإسلامي جميعه .

تورانشـــــــــــــــاه :

وكان غيات الدين تورانشاه - ابن الملك الصالح - يومئذ في الشام حيث تركه أبوه قبل عودته إلي مصر ، فبدأت شجر الدر بأن اخفت خبر موت الملك الصالح عن الناس . وكانت تذيع كل يوم إلي الجيش أوامر الملك مبصومة بخاتمه ومكتوبة بخط شبيه بخطه . ثم جمعت الأمراء والأعيان وأبلغتهم أن الملك الصالح يأمرهم بمبايعة ابنه غياث الدين ، فبايعوه ، وكانت قد أنفذت الرسل سراً لاستدعاء الأمير من سوريا فأقبل مسرعاً . وكان الصليبيون قد بلغوا المنصورة وأوشكوا أن يدخلوها لولا مماليك الملك الصالح ، الذين وقفوا في وجه أعدائهم مستميتين في الدفاع حتى خارت قوي الفريقين ، وأصبحا في حال من الإعياء لا تمكن واحداً منهما من أن ينقض على غريمه فيضربه الضربة القاضية . .

وفي هذه الظروف الحرجة وصل غياث الدين وجنوده فاشتد به عزم المسلمين وهاجموا أعداءهم في البر والبحر ، وأوقعوا فيهم الهزيمة ، واستولوا على سفنهم التي كانت في النيل . فانقطعت مواصلات الصليبيين بين دمياط والمنصورة وارتد جنودهم عن القتال هاربين ، فتعقبهم المسلمون وركبوا أفقيتهم ، وقتلوا منهم من قتلوا ، وأسروا عشرات الألوف . ووصل لويس في اثناء فراره إلي تل صغير فاعتصم برأسه هو ومن معه من رجال حرسه ، وتنبه إليه المسلمون فأحاطوا به وحاصروه ، فلم ير الملك بدا من التسليم . فأخذوه إلي المنصورة في قيد من حديد .

سآخذ هذين المغرورين فأدخلهما قصري ، وألبسهما من ثيابي ، وأطعمهما من أكلي ، وأشهدهما مجالسي ، وأبسط لهما من سطوتي ، وأسبغ عليهما جاهاً من جاهي ؛ وسأشعرهما بلذة حياة كحياتي ، وسأُري المرأة كيف يكون جمال الرجال ، وأُرى الرجل كيف يكون جمال النساء ؛ وسأقيمهما في ذلك كله أياماً حتى يتعوداه ويألفاه ويتطبعاء ، ثم أردهما إلي حالهما ، فما يهنآن بعيش ، ولا يشعران بنعيم .

الوزير - أخشى - يا سلطاني العظيم - أن تكون في لذائنا وسرورنا ، واعتباطنا بجاهنا ، واستمتاعنا بصنوف شهواتنا ، وفرحنا بما حولنا ، مغرورين غرور هذين المسكينين ! وأن يكون فيمن حولنا من رأوا لذتنا فاحتقروها ، وضحكوا من غرورنا كما ضحكنا من غرورهما ، واستصغروا الموائد الفخمة تمد ، والجواري الجميلات تخــــــــــــطر ، والملابس المترفة تعرض ، والموسيقي الراقية تصدح ، والجنود والبنود والأعلام تحمل شارتنا ، وتأتمر بأمرنا ، والذهب والجواهر تسيل سيلا ، والتحف والخيرات تنهال انهيالا ، وتنظر إلي ذلك كله نظرنا لمأوي الصعلوكين ونعيم المسكينين .

السلطان - شامخاً غاضباً مستكبراً - وهل تعلم على وجه الأرض مملكة أعز من مملكتنا ، أو سلطانًا أوسع من سلطاننا ، أو بلداً أكثر نعماً من بلادنا ، أو نعيما وترفاً أبهي من نعيمنا وترفنا ؟

الوزير - لا - يا سلطاني العظيم - ولكن هناك قوم ليس لهم مملكة في الأرض ، ولكن لهم مملكة في السماء ، ليسوا في مكان واحد ، ولكنهم أفذاذ متفرقون في العالم كله ؛ عشقوا الحق فاحتقروا الباطل ، واعتقدوا وراء هذا العالم الظاهر كمالاً مطلقا تتشوق الروح إليه وتسعى للاتحاد به . ودلهم النظر علي أن كل إنسان

يطلب بطبعه سعادته ، ولكنهم رأوا اللذائد الحسية عُرضة للزوال ، وهي تفقد قيمتها بتكرارها ، وتحمل في طياتها منغصاتـها ، والإفراط فيها يضعفها ، وهي - مهما عظمت - تصعد وتهبط ، وتجيء وتذهب ؛ وهي تعتمد علي الإحساس ، والإحساس قلب ، وما دامت تعتمد على الحس فهي تعتمد علي الخارج ، والخارج مهما كان في يدنا فليس ملكنا ، وإنما هو كالريش في مهب الريح - من أجل هذا بحث هؤلاء الحكماء عن سعادتهم في داخل أنفسهم ، ورأوا أن الجاه والعز والسلطان لا تساوي شيئا في جانب أن يجد الإنسان نفسه ؛ وأن الأكل الشهى ، والملبس الأنيق ، وصنوف اللهو والترف ، تسقط قيمتها إذا وزنت برضا النفس ، وراحة الضمير ، وسمو الفكر . ومعرفة الحق ؛ تلك فانية وهذه خالدة ، وتلك تجري عليها أحكام السلع من بيع وشراء ، وسرقة واغتصاب ؛ أما هذه فجلّت عن أن تمتهن في مبادلة ، أو أن تنالها بسوء ، أو يعتريها الفناء ولا بالموت .

تعشقوا الفضيلة وهاموا بها ، وكانت لذتهم الأولى ، اغتنوا أو افتقروا ، نعموا أو عذبوا ؛ فهم في فقرهم يسعدون وفي عذابهم ينعمون !

أهم ما يشغلهم أن يعرفوا نفوسهم ، وقد تطلبت منهم تلك المعرفة أن يعرفوا أبدانهم وعقولهم وروحهم ، وعلاقة نفسهم ببدنـهم ، وعلاقة العالم بنفسهم . وفي ضوء هذا حددوا مطالبهم في الحياة ، ووسائل طلبهم ، وما يأتون وما يذرون ، ووقفهم ذلك المنظر على عالم من المعارف لا تنتهي ، ولذائذ روحية لا تحد .

وكان نهاية بحثهم وتفكيرهم الإيمان بإلــــــــه فوق المادة هو خالق هذا العالم ، وقد استدلوا بوحدة العالم - مهما اختلفت مظاهره السطحية - على وحدة خالقه ، واتصلت نفوسهم به فاتخذهم أمناء وحيه ، وسفراء بينه وبين خلقه .

النهاية التاريخية :

وأسكر هذا النصر تورانشاه ، فانسحب بعد المعركة إلي مكان قريب من فارسكور ، وجمع رجاله وغلمانه الذين أحضرهم معه من الشام ، فأسكنهم قصراً فخما شيده على ضفة النيل ، ورفع إلي جانب القصر برجا خشبياً عالياً خصصه لنفسه وممارسته لذاته . وانغمس في عيشة داعرة ونسي الصليبيين وشئونهم . وكان يكره المماليك ويستنكر اشتراكهم في شئون الدولة . وأحس زعماء المماليك بأنه يريد بهم شراً فأوجسوا منه . وكان هو لا ينفك بذكرهم في مجالسه بكل سوء ، ولا يستنكف أن يجاهرهم بعدوانه . فجلس ذات ليلة للشراب في وسط ندمائه والشموع موقدة أمامه ترفع رؤوسها المتصفضة ، فزين له الشراب أن يستل سيفه ويهوي علي هذه الشموع تقتيلاً وتحطيماً وهو يقول : " هكذا أفعل بالبحرية (1) ويسمى كل واحد منهم باسمه .

وذاعت هذه القصة ، وانتقلت إلي أسماع المماليك ، فلم يستطيعوا عليها صبراً وسنحت لهم فرصة الانتقام حين                                                                                        دب الخلاف بين تورانشاه وشجر الدر على أموال الملك الصالح وجواهره ؛ إذ أرسل الملك المعظم يطلبها لنفسه ، فلم تجبه زوجة أبيه إلي طلبه ، فأغلظ لها وهددها ، فداخلها منه خوف كثير . وكاتبت زعماء المماليك تغريهم به فثاروا عليه . وغدر به أحدهم على ما أوردناه في صدر هذه الكلمة ، فضربه بسيفه ولكنه لم يقض عليه . وعاد الملك إلي رجاله وهو يصيح : " من جرحني ؟ " - قالوا : "الحشيشة " -  يريدون أن الذي جرحه أحد الحشيشين الباطنية - فقال : " لا والله إلا البحرية ! والله لا أبقيت منهم بقية ! " واستدعي المزين ليداوي يده فقال البحرية بعضهم لبعض : " فمموه وإلا أبادكم ! " . فدخلوا عليه

بالسيوف وهرول هو نحو البرج يريد أن يحتمي فيه والمماليك من خلفه يطلبونه . ولكنه أغلق الباب من دونهم ، وصعد إلي قمة البرج يلتمس النجاة هناك ، وخصومه يقفون من حوله كما تحيط الكلاب بالهرة إذ تعتصم برؤوس الشجر .

وضاقت الدائرة على تورانشاه واشتد الخناق فصاح بالمماليك يطلب الأمان فلم يجد من يعطف عليه في محنته . ولم ير حوله إلا كل مبرق مرعد وإلا كل مرغ مزبد . فتوسل وتضرع ، ولم يكن جواب ذلك عندهم إلا أن طلبوا إليه تسليم نفسه أو يعملوا على إحراق البرج وهو فيه . ونظر تورانشاه فإذا مجموع المماليك قد تكاثرت وأصبحت تموج بهم ساحة القصر ، فرأي النار دون ما يمكن أن تصيبه به هذه الجموع لو أنه سلم نفسه لها . فتركهم يشعلون النار في البرج ، وظل ينتظر المعجزة السماوية التي تكشف عنه هذا البلاء العظيم حتى أحدقت  ألسنة اللهب أخيراً وأخذت تنوشه من كل جانب . فألقي بنفسه في النهر فرمى الناس بأنفسهم خلفه وفي أيديهم سيوفهم المشهورة ، ووقف الباقون على الشاطئ يسددون سهامهم نحوه ، وهو لا يزال يلتمس النجاة من كل هذه الميتات التي تطلبه من فوقه ومن تحته . فلما بدأ مطاردوه ينالونه بأطراف سيوفهم صار يناديهم بقوله :

دعوني أخرج من مصر . إني لم أظلمكم إلي هذا الحد لتعذبوني كل هذا العذاب " !

ولكن أحداً لم يستمع لهذا النداء . وما زالوا به حتي قطعوه بالسيوف وتركوه على جانب النهر أشلاء متناثرة حيث بقيت رمته ثلاثة أيام لا يتجاسر أحد على دفنها حتى انتفخت وتهتكت . .

ويقف الإنسان أمام هذه النهاية الرهيبة ليتساءل ماذا جني تورانشاه في حياته ليستحق هذه الميتة الشنيعة ؟ لتكون هي سنة الله مع كل من لا يرعي حرماته ويتخذ إلـهــه هواه ؟

فلما وصلوا إلي ذلك احتقروا الأصنام ، ورأوا أن عبادتها - يا سلطاني العظيم - لا تليق إلا بالسذج ومن لا عقل لهم ، فأعرضوا عنها ، وعبدوا إلـهــهم الذي دلتهم عليه نفوسهم ، ووجدوا لذتـهم الحقة في تفكيرهم في إلههم وفي أنفسهم ، وفي العمل وفق ما اعتقدوا من حق ، وما آمنوا من مبادئ .

وهؤلاء القوم إزاء اللذات الحسية ، وأعراض الحياة الدنيا من عز وجاه وسلطان ، صنفان مختلفان تبعاً لاختلاف مزاجهم ؛ فأما قوم فأعرضوا عن هذه اللذائد جملة ، فلا الأكل يستغويهم ، ولا النساء تستهويهم ، ولا أي شيء من متع الحياة يغريهم ، ولا يهمهم إلا أن يعيشوا في أنفسهم لأنفسهم ، وليس هؤلاء خير الطائفتين ؛ وأما الآخرون فرأوا أن لا بأس من لذائذ الحياة بقدر , ولا بأس من عز وجاه وسلطان يستخدم في تحقيق العدل وحمل الناس على الخير ، وهؤلاء نظرهم أصح ، والخير على أيديهم أتم ، وهم أصلح للحياة ، وأصلح للقيادة ، وهم أسعد من الأولين إذ يستتمتعون بجمال العالم ، وبالخير يجري على يدهم ، وبشعورهم أنـهم قوة في توجيه العالم وإسعاده .

أولئك - يا سلطاني العظيم - ينظرون إلي اقتصارنا على اللذائذ الحسية نظرنا إلي لذائذ هذين المسكينين ، ويرثون لحالنا رثاءنا لحالهما ، ويجدون الفرق بيننا وبينهم أبعد من الفرق بيننا وبينهما ، ولا يودون يوما أن ينزلوا إلي درجتنا ، وأن يكون حظهم حظنا ، ويحمدون الله على ما أوتوا ، ويسألونه السمو إلي الدرجات العلا .

السلطان - متى عرفت هذا المذهب واعتقدت هذا الرأي ؟

الوزير - من زمن طويل . السلطان - فما الذي منعك أن تذاكرني به في حينه مع طول صحبتك ، ومظاهر إخلاصك ؟

الوزير - والله ما تركت الحديث عنه ضناً بك ، ولا سوء ظن بمقدرتك وقوة ذهنك ؛ ولكني علمت أن الحديث في هذا الشأن لا يتأتي إلا عند مواتاة الفرصة وانشراح الصدر ؟ وأيقنت أن الأمر خطير ، فالنفس مولعة بما ألفت ، حريصة على ما ورثت ، ولا تعدل عنه إلا بعزم قوي ، ونية خالصة ، وجهاد طويل ، وهمة عالية في تعرف الحق واعتناقه ؛ فلما سنحت الفرصة ، ورأيت كل شئ حولنا صالحاً لمحادثتك ، ونفسك مستعدة لمذا كرتك ، أفضيت بالأمر إليك ، راجياً الله توفيقك .

السلطان - ما أعجب كلامك ، ولست أذكر أن قد ورد على سمعي مثله - إنه ليفتح آفاقاً للفكر ، ومجالاً للنظر . لقد آمنت بمبادئك في جملتها ، ولكن تفاصيلها تحتاج إلي منهج يرسم ، و خطط تعد ، ندرسها من غير ان تتأثر بإلف ، ونبحثها من غير تقيد بتقليد ، حتى نصل إلي النهاية ونبلغ الغاية .

أم تكون هذه طريقة المجتمع في الاقتصاص من كل من يؤتي الملك فلا يحسن سياسته ؟ أم هي عبرة الدهر يعلم بها بنيه كيف تكون عاقبة الطغيان . وإن الإنسان ليطغي أن رآه استغني ؟ أم هي صيحة فيمن لم يعوا بعد قول القائل :

وليس كثيراً ألف خل وصاحب

وإن عدواً واحداً لكثير ؟

في الحق إن الإنسان لجدير أن يرد هذا المورد في آية واحدة من كل هؤلاء ، فما بالك بمن وفقه الشيطان إلي الجمع بينها كلها ؟

نسأل الله أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائه .

اشترك في نشرتنا البريدية