عهد إلى حضرة صاحب السعادة ، أستاذنا الجليل ، أحمد لطفى السيد باشا فى رياسة لجنة امتحان الفلسفة لطلاب تخصص المادة فى الأزهر هذا العام .
وتخصص المادة هذا فرع من فروع التخصص فى الآزهر ، وينتسب إليه من أتم دراسة كلية من كلياته - وهى كلية أصول الدين ، وكلية الشريعة ، وكلية اللغة العربية - ومنح منها شهادة تسمى الشهادة العالية وبعد دراسة تدوم أربع سنوات ، يتقدم طالب هذا التخصص لامتحان يكون من مواده محاضرة تعين موضوعها له اللجنة التى تتولى مناقشته فيها بعد أسبوع من تسلمه الموضوع . وإذا نجح فى هذا الامتحان انتقل لعمل رسالة فى موضوع يختاره هو ويقدمها بعد فترة لا تقل عن سنة من نجاحه فى امتحان المحاضرة ، وإذا قبلت رسالته نوقش فيها أمام لجنة كلجنة المحاضرة هذه ، ثم يمنح شهادة تسمى عالمية مع لقب أستاذ .
وكانت الموضوعات التى عينتها اللجنة للطلاب هى :
١ - أصول المعتزلة وأثرها فى تطور علم الكلام . ٢ - فلاسفة الأسكندرية وأثرهم فى توجيه التفكير الاسلامي . ٣ - الغزالى بين الفلسفة والتصوف . ٤ - القياس بين المناطقة والفقهاء . ٥ - وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف . ٦ - الإله عند أرسطو وتأثر فلاسفة الاسلام بذلك
عقدت هذه الجلسات فى دار كلية الشريعة ، وكانت دروسا مفيدة ممتعة ، عولجت فيها هذه الموضوعات الفلسفية بإرشاد اللجنة علاجا قيما ، استفاد منه الطالب والمستمع فائدة طيبة ، تنفعهم فى أبحاثهم العلمية وحياتهم العقلية .
ولقد كان اهتمام الأزهر بهذه الجلسات اهتماما ظاهرا ، فلقد حضر فضيلة الأستاذ الإمام الشيخ المراعى شيخ الجامع الأزهر بنفسه فى الجلسة الأولى من هذه الجلسات . وحيا صديقه سعادة لطفى السيد باشا بكلمة لقبه فيها بمربى الجيلين ، الجيل القديم والجيل الحديث .
كما حياه الطلبة بكلمات لقبوه فيها بالمعلم الثالث ، وفسروا هذا الترتيب بأنه لم يكن إلا لأن الزمن قد أتى بسعادته
بعد المعلم الأول أرسطوطاليس ، والمعلم الثاني ، الفارابى . وكان الضغط على هذه الجلسات شديدا جعل الطلاب يطلبون من امامهم الأستاذ المراغى إيجاد قاعة كبرى المحاضرات
وكان جو هذه الجلسات يرتفع فوق ما عرف عن الروح الأزهرى من خصائص ، متجها إلى البحث الفلسفى كما ينبغى أن يكون .
سمعت بعض المحاضرين يجهر فى حرارة قائلا : " لن أغتفر للغزالى تكفيره للفلاسفة " وهذه كلمة رجل حر جرىء ، ما كنا نسمع بمثلها فى الأزهر من غير أن يرتفع الضجيج والعجيج .
ومعنى هذا أن الأزهر أخذ التفكير فيه يتجه نحو حريته واستقلاله ، وإن الازهر قد اخذ يكسر هذه القيود التى غله بها رجال من قبل ، وان الأزهر الذى يعمر قلبه بالإيمان بالله سبحانه وتعالى اخذ برضي عقله ويخضع كل شئ لبحث العقل حتى العقل نفسه ، وأخذ يتسع صدره لكل شئ حتى للكلام عن الإله عند أرسطو .
وهذا مما جعل مربى الجيلين ، أو مما جعل المعلم الثالث حضرة صاحب السعادة أحمد لطفى السيد باشا ، يهنىء الازهر بهذا التقدم الباهر الذى لمسه فى هذه الجلسات الست حيث يقول :
" أنا أحمد هذه الفرصة التى هيأها لى صديقى الأستاذ الإمام الشيخ المراغى لأغتبط بلقيا كم ، وأرى عن كثب تقدم الأزهر هذا التقدم الباهر الذى لمسته فى هذه الجلسات الست . وأسارع إلى تهنئتكم وأساتذتكم ، وتهنئة صديقى الأستاذ الإمام بهذا التقدم الكبير . لست غريبا الآزهر بهذا المقدار الذى تظنون ، فان اتصالى به لم ينقطع منذأ كثر من خمسين عاما ، حين كنت طالبا فى مدرسة الحقوق ، وحين كان الأزهر لا يزال - حتى بعد
السيد جمال الدين وتلاميذه - تغشاه غاشية من سلطان هذه القاعدة :
ومن يقل بالطبع أو بالعله فذاك كفر عند أهل المله
وحين بعثت من مرقدها تلك الفكرة العباسية القديمة " من تمنطق فقد تزندق " وحين كانت علوم الجغرافيا والتاريخ والحساب وما إليها تسمى بالعلوم الحديثة ، وحين كان أستاذى الامام محمد عبده يحتال لأرضاء الأزهرين بأن يسمى علم الطبيعة " علم خواص الأشياء التى أودعها الله فى الأجسام ! ! " كذلك كان ، وكذلك صدر قانون مدرسة القضاء الشرعى ، إلى أن قال : لا أريد أن أطيل عليكم فشيو خكم الكبار يحدثونكم بهذا الجمود الذى كان . أما اليوم فاننا نتكلم عن إله " أرسطو " وهو كما كان يرى فكرة لم يخلق شيئا ولا يعلم شيئا أصلا إلا ذاته . فهو يجهل هذا العالم ومافيه حتى دوران الكواكب ، وهو على هذا المحرك الأول الثابت ، الذى لا يتحرك ، والذى يتحرك إليه العالم بشوق كما عبر ابن سينا ، أو بالحاجة كما عبر أرسطو . وهو واحد أحد لا أكثر من هذا . بل لقد صرح فيما يعد الطبيعة بأنه ليس واحدا ولا متعددا وبأنه فوق العدد تنزيها له .
فما معنى هذا ؟ معناه أن الأزهر انتقل من حال إلى حال كبقية كائنات العالم ، ولكم أن تسموا هذا استحالة أو نموا كما تريدون ، ولكنه ليس فسادا طبعا
وإذا كان لى أن أتقدم برجاء من على منبر " الثقافة " الغراء إلى فضيلة مولانا الأستاذ الامام المراغى شيخ الجامع الأزهر فهو أن يعمل على ترجمة المصادر للفلسفة وما يتصل بها . والله ولى السداد والرشاد .

