الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 187الرجوع إلى "الرسالة"

سجين شيلون، للشاعر الانجليزى لورد بيرون

Share

إلى الذين لايلويهم شىء عما يعشقون من حرية        -    ( المعرب )

تمهيد    كتب بيرون هذه القصيدة الجميلة فى فندق سنير فى قرية بالقرب   من لوزان ، حيث عاقته رداءة الجو عن متابعة سيره ، وقد أثار   مرأى ذلك الحصن العتيق ( شيلون ) فى قلبه ذكرى فرنسوا  دى بونفاود الذى سجنه فيه دوق سافرى من أجل مبادئه  الجمهورية عام ١٥٧٠ م وقد جعله بيرون بطل هذه الأقصوصة الخيالية الرائعة .

-١-                                                                                    لقد علق الشيب بشعرى ولكن لم تلده السنون ، كذلك لم تبيض رأسى فى ليلة كما تبيض رؤوس الرجال بغتهم الرعب ، وتقوست ساقاى ، وإن لم يك ذلك عن جَهْد ، بل لقد صدِئتا فى سكون موبق مُهْلك ، إذ كانتا نهب الدَّمار فى سجن مظلم تحت الأرض

وكان حظى  فى هذه الدنيا حظ أولئك الذين لا يجدون فى أرضها مضطربا ، ولا فى سمائها مسرحا ،إذ كان ذلك عليهم محرما على أن ما ألاقيه ، إنما هو من أجل عقيدة أبى ! أجل ،  من أجل تلك العقيدة أقاسى الأصفاد وأغازل الموت طالبا يده !

ولقد قضى ذلك الأب نحبه مستشهدا على خشبة الصلب ، في سبيل مبادئه ، التي لم يكن لينثنى عنها ، وفى سبيل هاتيك المبادئ عينها ، يجد أبناؤه مأواهم فى ظلمات السجن

كنا سبعة ، نحن الذين تراهم الآن واحدا فحسب ، ستة فى الشباب وواحداً فى المشيب ، انتهوا جميعا كما بدأوا فخورين بما صبه الاضطهاد على رؤوسهم من نقمة .

ألقى بواحد فى النار ، وهلك اثنان فى الميدان ، حيث طبع الدم عقيدتيهما بخاتمه ، وذهبا كما ذهب أبوهما فى سبيل الله الذى أنكره أعداؤهم ، وألقى بالثلاثة الباقين فى غيابة السجن حيث لم يعيش منهم سواى أنا ... حطامهم الباقى

-٢-                                                                               هنالك فى سجن " شيلون " ذلك السجن العتيق العميق، . توجد سبعة أعمدة أقيمت على النمط القوطى. سبعة أعمدة ضخمة شهباء،  تتراءى كالحة على بصيص منبعث من شعاع كئيب سجين ، شعاع من أشعة الشمس ضل طريقه ، فسقط من خلال الشقوق فى الجدار الضخم على أرض السجن ، وأخذ يزحف فوق تلك الأرض الرطبة المبللة كأنه خيال المذَنَّب انعكس فى مستنقع

فى كل عمود من تلك الأعمدة علقت حلقة . وفى كل حلقة ربطت سلسلة .آه . يا لهذا الحديد من آكل ، فهاهى ذى أسنانه لايزال أثرها فى ساقى ولن يزول ذلك الاثر إلا بزوال هذا النهار الجديد ، الذى تتأذى به الآن عبناى وتتألمان ، لأنهما لم تريا الشمس هكذا تشرق منذ سنوات لا يسعنى حصرها ، فقد نسيت عددها وغاب عن وعي تعاقبها الثقيل ، منذ أحنى آخر إخوتى رأسه وفارق دنياه ، وأنا بجانبه لا تزال تدب فى جسمى الحياة !

-٣-                                                                               أوثقوناكلا فى عمود من تلك الأعمدة الحجرية وكنا ثلاثة معا ، ولكن كل فى بمعزل عن أخويه ، ولم نك نستطيع أن نتحرك خطوة واحدة ، ولم يك يتسنى لأحدنا أن يرى وجهى الآخرين ولولا ذلك الضوء الشاحب الأغبش الذى جعل كُلَّا منا غريبا فى عين أخيه: وهكذا كنا معا وإن كنا فى الوقت نفسه منفردين ، كانت أيدينا مغلولة مربوطة ، ولكن قلوبنا كانت تذوى من الحزن .

على أننا مع ما كنا نقاسيه من حرمان أنفسنا من عناصر الحياة الصافية وجدنا بعض العزاء أن كنا نستطيع أن نتحادث ويسمع كل منا كلام أخويه فيسرى كل عن الآخرين بما ينشد من أمل جديد أو بما يذ كر من أسطورة قديمة أو بما يتغنى به من نشيد حماسى من أناشيد البطولة

ولكن هاتيك التعلات واأسفاه قد تسربت إليها فى النهاية برودة المكان ، وصار لأصواتنا رجع كئيب موحش هو الصدى المرتد من أحجار ذلك السجن ، صارت أصواتنا حبيسة ضعيفة ، ولم تعد كما كانت بالأمس طليقة مليئة . ربما كان ذلك وهما ، ولكننى لم أعد أتبين فى تلك الأصوات أصواتنا السوالف .

-٤- وكنت أكبر هؤلاء الثلاثة ، وكان على ان أشد أزر أخوى وأسرى عن قليبهما ، ولقد قمت من ذلك بأحسن ما استطعت ، وكذلك قام كل منهما بما وسعه

وتالله لقد حرك الحزن نفسى من أعماقها ، وبلغ الأسى منها كل مبلغ من أجل أخى الأصغر ، ذلك الفتى الذى أحبه أبى لأن  كان يرى فى جبهته جبهة أمه، وكان يرى في عينيه لازورد السماء

وفى الحق إنه مما يذكى القلوب أسى أن يرى مثل هذا الطائر فى مثل ذلك القفص . ذلك لأنه كان جميلا كالنهار حين كان يبدو لعينى من جمال النهار بقدر ما يبدو منه لأعين النسور الفتية المحلقة فى جو السماء ؛ كان جميلا كنهار القطب ، لا يرى الغروب حتى يتصرم صيفه ، ذلك الصيف الصاحى الطويل زمن ضوئه ، ابن الشمس المتشح ببياض الثلج .

كان أخى شبه ذلك النهار فى نقائه وبريقه ، وكان عذب الروح يفيض يالمرح ، ولا تعرف عيناه الدموع فى شىء ، اللهم إلا فيما ينال الآخرين من شقاء ، وهنالك تفيضان كما يفيض الغدير المنحدر من الجيل ، ولن يرقأ دمعه حتى يدفع ذلك الشقاء الذى أزعجه مرآه وأمضه

-٥- وكان الآخر مثله فى صفاء الروح ، ولكنه خلق محارباً مقداما ، فكان قوى البنية ، متين الأعضاء ، له من قوة الأرادة ما يتحدى به العالم فى ساحة الحرب ، وكان أشد ما يبهج نفسه أن يتاح له الموت فى طليعة الصفوف ، لا أن يذوى هكذا فى الأغلال .

ولقد أوهن روحه صليل تلك الأغلال حتى ذبلت كما تذبل  الزهرة ، ورايتها تتساقط شيئا فشيئا ، وفى الحق لقد نالنى مثل ما ناله ، ولكني تجلدت لأبقى على حشاشة هذا البيت العزيز الغالى، وقال أخى هدا صائداً يطارد الغزلان والذئاب على متون التلال ، ولذلك كان يرى فى هذا السجن أقبح هوة وفى تصفيد قدميه أسوأ عذاب .

-٦-                                                                                كانت تقع بحيرة ليمان تحت أقدام ذلك الحصن على عمق ألف دم . وكانت لججها تتلاطم وتعج حتى لتصل إلى رأسه وتجعل

قياس عمقه يبدأ من تلك الرأس البيضاء التى كانت تكتنفها الأمواج من جميع النواحي ، وتجعل مع الحائط من الحصن سجنين ؛ وتدعه كالقبر الحى !

وكان يقع القبو الذي ألقى بنا فيه تحت سطح البحيرة، وكثيراً                              ما سمعنا موجها فوق رؤوسنا يلطم الجدران بالنهار والليل،                          ولقد أحسست ثبج الشتاء يضرب القضبان في الريح العاصفة                                   ورأيته ينبعث صعداً نحو السماء الهانئة.

وعند ذلك ارتج الصخر وهو الصخر، وأحسسته يهتز وما                                  هو بالمهتز، ذلك أنى كنت حينئذ أستطيع أن أبتسم، أن أرى                 الموت الذي يطلقنى من هذا الأسر!

البقية في العدد القادم

اشترك في نشرتنا البريدية