تممة ما نشر فى العدد الماضى - -7- ذكرت أن أقرب الأخوين إلى مكانى تساقطت نفسه وذوى عوده , وكذلك ذكرت ان قلبه القوى انصدع وانسرقت قوته عزفت نفسه عن الاكل وعافته , ولم يك ذلك لماكان عليه من قبح ووحشية ، فقد آلفنا طعام الصيد ورضنا أنفسنا عليه .
أبدل ما كنا نشربه من لبن تجود به غمات الجبل , بماء أتوا به من الخندق , وكان الخبز الذى يلقى إلينا على حال احسنا معها كان دموع الموثقين البائسين قد سقته فالانته الاف السنين , منذ ألقى الانسان ببنى جنسه أول مرة فى الأصفاد كما يفعل بضوارى الوحوش !
ولكن ماكان ليضيره ذلك أو ايضيرنا ، لم يكن ذلك ما اذاب قلبه وفت فى عضده , فقد كانت روح اخى من ذلك الطراز الذى تتسرب إليه برودة الموت حتى ولو كان في قصر , إذا حيل بينه وبين شعاب الجبال وجوانبه الحادرة . وليت شعري لم اخفى الحقيقة وأوجل النطق بها .لقد لفظ أنفاسه
رأيته يموت ولكن واحسرتاه لم أستطع أن أسند رأسه , لا ولم أستطع أن أمسك ييده وهى تموت ولا بعد أن همدت فيها الحياة , لم أستطع شيئا من ذلك ولو انى تنزيت فى الحديد وحاولت عبثا أن أفك السلاسل وأجعل أصفادى شطرين . لفظ أخي أنفاسه ، ففكوا سلاسله وحفروا له لحدا قليل العمق ،وقد جعلوه هكذا قريب القرار فى مثل تلك الارض الباردة أرض ذلك القبو
ولقد توسلت إليهم أن يمنوا على بسلوة لنفسي فيدفنوا جثمانه فى بقعة يقع عليها ضوء النهار و هي فكرة سخيفة , ولكنها اوحت إلى نفسي أن قلبه الذى فطر على الحرية لن يجد حتى فى
ضجعة الموت راحة فى مثل ذلك السجن *** وكان أولى بى أن أكفي نفسي عناء هذا التوسل , فما اغنى عني منهم شيئا , إذ ضحكوا فى برود ثم وسدوه وسدوا عليه حيث سجنوه ، وهناك رقد ذلك المخلوق الذى أجزلنا له الحب تحت اأرض منبسطة لاينبت فوقها عشب , ترتكز فوقها السلاسل المفرغة والأغلال نصا ملائما لذلك الاغتيال !
-8- ولكن الآخر ، ذلك الفتى الحبيب الذى كان يشبه الزهرة ، ذلك الذى أعززناه منذ أن رأت الوجود عيناه ، ذلك الذى كان يحمل صورة امه فى وجه صبوح . ذلك الطفل الذى تحب فيه الطفولة جميعا ، ذلك الذى كان أحب وأعز خيال إلى أبيه الشهير ،
والذى أصبح فى السجن آخر ما بقي لاعنى به ، والذى كنت من آجله اجهد أن أبق على حشاشة نفسى ، عسى أن يقلل ذلك من شقائه وعسى أن تتاح له الحرية يوما ما ؛ أقول حتى ذلك الأخ أيضا ، ذلك الأخ الذى ظل إلى ذلك الوقت محتفظا بروح ذاتية . أو موحاة ، غلب على نفسه فى النهاية ورأيته يذبل كما تذبل الزهرة على غصنها يوما بعد يوم
*** يا إلهي ! إنه لما يبعث الرعب فى القلوب , أن نرى الروح البشرية تنطلق مولية فى أية صورة وفى أى موقف , ولقد رأيتها من قبل تنطلق فى دم مسفوح , ورأيتها فى البحر التأثر تجاهد الموج المنتفخ القاذف , ورأيت المضاجع المحتضره مضاجع الذين اسرفوا على أنفسهم يشيع فيها الهذيان من شدة الهول , رأيت ذلك كله وما حوى من صور مرعبة , ولكن رزنى فى اخى كان فاجعة .
**** لم يصحب موته هول مما أسلفت ، وانما أسلم روحه مستيقنا غير معجل ، وتساقظت نفسه ومضى هادئا وادعا ، أكثر نعومة وفى نحو له ، وأبرز جمالا فى ضعفه ذهب غير دامع المقلتينولكنه عطوف رؤوف ، حزين على من خلفهم وراءه سار للموت وفى وجنتيه نضرة بدت كانها تهزا بالقبر! ولقد ذهبت صبعتها فىرقة وهدوء كما يتلاشى فى السماء قوس الغمام ؛ سار وفى عينيه بريق يكاد و مضه يضىء ذلك القبو ****
مات لم أسمع له غمهمة ولا أنة تحسر على هذا الذى انتابه قبل أوانه لم أسمع سوى كلمات قليلة عن حياة هي خير وأبقى ، . اشارة طفيفة الى الامل اراد بها ان يثير في نفسى إذ قد غرقت فى السكون , واحت بفقدان روحى فى ذلك القفر الذى عظم عندي عن كل قفر .
وأخيرا توانت وتضاءلت تلك التنهدات التى كان يحاول كتمانها ، تلك التنهدات المنبعثة من هزال نفسه المتلاشية
*** أصخت بسمعي ، ولكنى لم أسمع شيئا ، فصرخت اذ ذهب الهلع بلى ، فعدت فى وحشية المذعور ثم أدركت انى صرخت عبثا ؛ ولكن هلعى ما كان لينهه بزجر ، لذلك عاودت الصراخ وأحسبنى سمعت صوتا ، إذ ذاك فصمت سلسلتى فى وثبة قوية وأسرعت اليه ولكنني لم أجده!
وما فعلت سوى أن رحت أحدق فى تلك البقعة القاتمة ., وما احست سوى انى مازلت حيا وان رئتى تتنفسان ذلك الهواء الرطب اللعين هواء القبو .
وهكذا انكسرت تلك الحلقة التي كانت تصلني باللانهاية , والتى . كانت تربطني بتلك السلالة المضمحلة التي انحدرت منها : انكسرت فى ذلك المكان المهلك تلك الحلقة الوحيدة آخر الحلقات وأعزها جميعا لدى . وبات اخواي احدهما تحت الارض والاخر فوقها وكلاهما لا ينبض فيه عرق
*** أخذت بيدى تلك اليد التى تدلت هامدة , ولكن يدى واحسرتاه كانت مثلها في برودتها ، ولم اعد اجد فى نفسى القوة لان اتحرك او أناضل ، ولكنى على الرغم من ذلك أحسست أنى مازلت حيا .
وتملكنى ذلك الشعور المضطرم الذى لا يقر , ذلك الشعور الذى يكون مبعثه ادراكنا أن الشىء الذى أوليناه محبتنا لن يعود آبدا الى ما كان عليه . وليت شعري لم عجزت عن أن أضع حدا لتلك الحياة ؟ لم يعد يربطنى بالأرض أمل . ولكن ظلت لي فيها عقيدتى وهي التي حالت دون أن أقتل نفسى.
-9- وأما ما كان من أمري بعد ذلك ، فلست أتبينه تماما .لا أذكر سوى التى فقدت شعور أولا بالضوء ثم بالهواء ، وأخيرا بالظلة نفسها . لم أعد أفكر فى شىء أو أحس شيئا ، ووقفت حجرا بين
الاحجار . كنت كالصخرة الجرداء يغشاها الضباب ، إذ لم يكن حولى سوى الفراغ والكابة والظلام . لم يعد ثمة ليل ولا نهار : حتى ولا ذلك النور البغيض نور القبو الذى كان ينفر منه بصرى الكليل ، لم يبق إلا الفراغ الذي فتى فيه الكون كله فلا أحس سواه ، والوجود الذى لا يرتبط بمكان فى معناه !
لم يعد ثمة سماء ولا أرض ، ولم يعد ئمة ثبوت ولاتحول ولا زمن ولا خير ولا شر ، لم يكن هناك سوى السكون ، والتنفس الذى لايبعث حركة فلا هو إلى الحياة ولا هو إلى الموت . كنت فى بحر من الجنود الراكدتغشاه الظلة ، لا تدرك له نهاية ، ولا يسمع فيه صوت ، ولاتحس فيه حركة !
-١٠- طافت بعقلي بغتة بارقة من النور , كانت غناء حلوا تغنى به طائر , غناء انقطع ولكنه ما لبث ان عاد ؛ ولقد كان اجمل سجع سمعته الاذان ! طربت له اذناي حتى دارت عيناى تتبعان هذه المباغتة السارة , فى تلك اللحظة لم تستطيعا ان تريا انى حليف
الشقاء , ولكن حواسى عادت فى خطا كئيبة إلى طريقها التى ألفتها , ورأيت جدران القبو وارضه تدور فتلتف حولى فى بطء كما كانت من قبل , ورايت ذلك البصيص المنبعث من الشمس يزحف كما كان يزحف من قبل بيد انى رأيت ذلك الطائر فى تلك الكوة التي دخل منها الشعاع يقف مشغوفا أليفا كما لو كان فوق شجرة , بل أكثر ألفة مما لو كان هنالك . كان طائرا جميلا
ذا جناحين أزرقين وغناء جم المعاني ؛ ولقد خيل إلى أنه تغنى بتلك المعاني جميعا من اجل ! وما وقعت عيناي من قبل على طائر مثله ولن تريا بعد شبيها له أبدا . وبدا لي كانما كان يعوزه إلف كما كان يعوزنى إلف , ولكنه لم يصل إلى نصف ما كنت فيه من وجد ووحشة . وكذلك بدا لى أنما قد جاء ليهبنى حبه , على حين لم يبق لى من يهبنى ثانية مثل ذلك الحب . ولقد جعلتنى هذه البشرية
المنبعثة من حافة القبو أشعر ثانية وأفكر , ولست أدري أكان أطلق سراحه حديثا , ام انه كسر قفصه وجاء ليطل على قفص ! ولكنى ايها الطائر الجميل وقد عرفت معنى الاسر لن استطيع أن أريده لك ! وليت شعري لعله زائر من الفردوس تنكر فى جناحين !
وكذلك أني كنت أفكر أحيانا انه ربما كان روح اخى هبطت . إلى . ولتغفر لي السماء تلك الفكرة , تلك اللحظة التي جعلت أذرف الدمع وجعلتنى ابتسم ، ولكنه فى النهاية ولي بعيدا عني ،
وإذن فقد كان من بنى الفناء ؛ شرفت ذلك حق المعرفة . وإلا فما كان ليذرنى هكذا فى وحده أحسستها ضعفين : وحدة كنت فيها كما يكون الجسد فى أكفانه , أو كما يكون السحاب المنعزل ذلك السحاب الفريد الذى يترامى فى اليوم الضاحى حينما تكون نواحي القبة صافية كلها فييدو فى الجو كعبوس لا موجب لظهوره والسموات طلقة والأرض فى بهجة
-11- طرأ على حالي نوع من التغير إذ أصبح آسرى ذوى رحمة ؛ ولست أدري ماذا جعلهم كذلك وقد ألفوا مناظر الشقاء ، ولكن ذلك ماحدث , بقيت سلسلتى المكسورة منفصمة الحلقات ،
وكانت الحرية عندى أن أتجول فى صومعتى من جانب إلى جانب , وأن أقطعها طولا وعرضا ، وأن أطأ أرجاءها جميعا . وأدور حول كل عمود ، ثم أعود إلى حيث بدأت , لا أتجنب وأنا أطأ الأرض بقدمى إلا ذينك القبرين العاريين : قبر اخوي . ذلك أننى كنت اذا ظننت أن وطاة على غير قصد منى قد أهانت مضجعهما الخافض , ينبعث نفسى لاهثا كثيفا . وينقلب فؤادى المتحطم ضريرأ عليلا .
-12- تسلقت الحائط ولكنى ما اردت الهروب . فقد غال الردى كل من كانوا يحبوني من البشر ، ومن ثم صارت الارض كلها عندى سجنا اكثر سعة مما أنا فيه ، لم يكن لي ولد ولا والد ولا ذو قربى ، ولا شريك فيما الاقي من شقاء .
ذكرت ذلك فاغتبطت به لأن فكرى فى هؤلاء قد أورثنى الجنون , ولكنى كنت أتطلع إلى تسلق الجدار حتى النوافذ التى تعترضها القضبان . كما كنت اتطلع إلى ان أصوب بصرى مرة أخرى فى هيام إلى تلك الجبال الشاهقة
-13- ورأيتها لما تزل على ما كانت عليه , فلم تنل منها يد التغيير كما قالت منى فى الاغلال ورأيت الثلج الذى يكلل هاماتها منذ آلاف السنين كما رأيت البحيرة الواسعة الطويلة اسفل منها , ونهر الرون الازرق فى اشد فيضه ؛ وسمعت جارف السيل يتلاطم ويندفق فوق الصخر المتشقق والجذوع المتحطمة , وأخذت عيناى المدينة النائبة البيضاء المنازل , كما لمحت القلاع التى تفوقها ابيضاضا
تجرى مسرعة ؛ ثم وقع بصرى على جزيرة صغيرة تراءت حتى إلى أنا باسممة , ولم يلع سواها امام ناظري ؛ جزيرة صغيرة خضراء ظهرت كانما لايزيد عرضها على ذلك إلا قليلا , قامت فيها ثلاث شجرات باسقات ، وكانت تهب عليها نسمات الجبل وتجرى بجوارها المياه ، كما كانت تنمو فوقها زهرات جميلة اللون عاطرة الانفاس .
ورأيت فيما رأيت السمك يسبح إلى جدران السجن ! ولقد بدأ للعين مرحا : وحداته وجماعاته ؛ وأبصرت النسر يركب متن . الريح الهاتجة , ويخيل إلى أني لم أره من قبل فى مثل تلك السرعة . وعندئذ اخضلت عيناي بدمع جديد وتبليل خاطرى , ووددت لو انني لم انطلق من تلك السلاسل , ولما نزلت أحسست كأن الظلمة فى ماواى الكدر تقع على كآنها حمل ثقيل كانت كانها القبر ينطبق على من جهدنا فى خلاصة ,. واحس بصرى وقد انقلب الى هكذا محزونا كأنه يطلب راحة كراحة القبر .
.-١٤- ولست أدري كم لبثت بعدها فى ذلك القبو , ربما كانت شهورا أو أعواما أو أياما . لم أخص لها عددا ولم ألق اليها بالا . ولم يك ثمة من أمل يرفع عيني ويمسح عنهما القذى المحزن . وأخيرا أقبل الرجال
ليطلقونى من الأسر , فلم أعن أن أعرف ماسبب هذا ولا حفلت اين أذهب , فلقد تساوى فى النهاية عندى الفكاك والقيد . وتعلمت ان صالح علي الياس نفسى . ولذلك حين أقبلوا يطلقوننى وحين القيت جميع السلاسل جانبا , أحسست أن تلك الجدران السميكة قد صارت إلى معتكفا وأصبحت على وقفا ؛ وكأنى شعرت نصف شعور
ساعتئذ أنهم أتوا ينتزعونى من وطن ثان . لقد اتصلت بينى وبين العناكب أسباب الصداقة ، وكنت أراقب عملها الدائب ، كما كنت أرى الجرذان فى نور القمر . وليت شعري ماذا يدعو إلى أن أحس انني دون هؤلاء جميعا ؟ !لقد صرنا ألافا جمعتهم وحدة المكان وكنت أنا فيهم ملك الجميع ، ولي الحول أن أقتل انى شئت
ولكنا تعلمنا أن نعيش معا هادئين ، وذلك لعمري من مجيب الأمور ! فى ذلك السجن توثقت الألفة بينى وبين الأغلال ذاتها . وهكذا ينتهي بنا طول الاعتماد إلى ما نصير اليه فهأنذا الذى لاقيت مالاقيت قد تنهدت حينما عادت حريتى إلى !
