الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الثقافة"

سحر العيون. . .،

Share

من قديم والاشجار والآزهار والأطيار والنجوم ، قد مدت خيوطا منها إلي قلب الانسان فأسرته ، فشعر شعورا ساذجا بجمال السماء والأرض وما فيهما .

ولكنه في عهده الأول قد شغل بتحصيل القوت ، والتغلب على البيئة القاسية ، فلم يلتفت إلي الجمال إلا لماما ؛ فلما غلب البيئة ، وتيسرت له وسائل العيش ، وجد من الزمن ما يكفي للتغزل في الطبيعة ومناغاتها .

هام بالجمال وفتن به ، وتفتح قلبه له وهاجت مواطنه نحو ؛ فلم يكفه ان يرشف الجمال في سمت وسكون ، بل دعته العاطفة الهائجة نحو الجمال ان يميز عنها ، فكانت الموسيقى والرقص والأغاني والحفر والتصوير ، وكان الأدب - وبعبارة أوق كان نوع من الأدب - وعدت هذه كلها فنوبا جميلة ، لأنها تعبر عن الجمال ، ولأنها في ذاتها جميلة

شغف الإنسان بالحسن يتبعه ، فوجده في الزهور ، ووجده في البحار والأنهار ، ووجده في الطبيعة على فطرتها ، ووجده ، في الإنسان نفسه . وما اشك في ان الحب الذي كان بين آدم وحواء ، كان منشؤء ما قرأ آدم في حواء من جمال الأنوثة ، وما قرأته حواء في ادم من جمال الرجولة!

كان الإنسان الأول ينظر إلي الجمال جملة ، كما ينظر إلي العالم جملة ، وإلي كل شئ جملة ؛ فلما تقدم به الزمان ،

أخذ ينظر إلي الأشياء تفصيلا ، وإلى الجمال كذلك تفصيلا . وبعد أن كان يعجب بالطبيعة ، أخذ يعجب بالشمس مثلا ثم اخذ يعجب بالشمس في شروقها وغروبها ، ثم أخذ يعجب بالشمس تغرب في البحر ، وهكذا.

وكذلك كان شأن الإنسان مع الإنسان ، أعجب به جملة ، ثم أخذ يبين مواضع الجمال فيه تاريق ، فدلته المقارنة على شروط الجمال في الأعضاء ، وهداء الذوق الفطري إلي إدراك صفات الجمال في كل عضو ؛ فالرشاقة في القد ، والأسالة في الخد ، والتلع في الحيد ، والدلف في الأنف (١) ، والفلح في الأسنان ؛ إلي آخر ما هنالك .

لعل اجمل الأحياء الإنسان ، ولعل أجمل ما في الإنسان عيناه ، فإذا كان لكل شئ خلاصة فخلاصة الإنسان عينه ، هي مستودع سره ، وهي النافذة التي يطل عنها غيره على ما في اعماق نفسه ، وهي الترجمان الذي يعير أصدق تعبير عما يجول في نفسه من عواطف . تعد وتوعد ، وترغب وترهب ، وترسل مرة شواظا من نار ، ومرة شابيب من عطف وحنان ، تقسو وترحم ، وتنعم وتؤلم ، وتصل وتصد ، وتقبل وتنفر ، وتعجب وتحتقر ، وهي في كل موقف من هذه المواقف تتخذ لها وضعا يناسبه ، وشكلا يوئمه ؛ تتلون ولا تلون الحرباء ، وتتشكل ولا تشكل الحسناء ، في الأزياء هي للمرأة أقوي سلاح ،

وفي روايات الحب أمهر لاعب ، وفي مرسح الغزل أشهر ممثل ، وفي ميدان الأدب أبرز جائل وصائل .

وفي الحق أن لغتنا العربية من أكثر اللغات وفا للمين ، واعترافا بقيمها ، وتسجيلا لدقيقها وجليلها . لقد وضعوا لكل جزء من أجزائها - مهما دق - اسما بل أسما ، لا أطيل يذكرها ، ووضعوا بيانا لما يستحسن في العين من الصفات ، وسموا كل نوع من الجمال باسم ، فقالوا : " عين طمياء" إذا كانت رقيقة الحفن ، و " عين نجلاء " إذا كان جمالها في سعتها ، " وعين حوراء  " إذا كانت جمالها في نشدة سوادها وشدة بياضها ، " وعين رعجاء " إذا كان جمالها في لونها وسعتها معا ، إلي اخره .

ثم التفتوا إلي شئ دقيق جدا يغبطون عليه . وهو اختلاف النظرات ؛ فعبروا عن كل نظرة بعبارة ؛ فقالوا " رتوت إليه " إذا ادمت النظر في سكون طرف ، و "سارقته النظر" إذا نظرت إليه نظرا خفيا ، و " نظر شزرا " إذا نظر إليه بمؤخر عينه نظر الغضبان ، و " شفته " إذا نظر إليه نظر المبغض او المتعجب ، و " ازلقه ببصره " إذا نظر إليه نظرة متسخط ، و " رايتهم يتقارضون النظر " أي ينظر بعضهم إلي بعض نظرة عداء ، إلي غير ذلك.

وكما غنيت اللغة بالعين وما يتصل بها ، غني بها الأدب كذلك ؛ فمنذ طالعنا الأدب العربي ، رأينا الشعراء يعجبون بالعين ويتغزلون فيها ، من عهد امرئ القيس إذ يقول : " وعين كمرأة الصناع تديرها " - إلي حافظ إبراهيم إذ يقول :

غضب جفون السحر أوقار هي    سيما يخشى تزال الجفون

وإلي ما شاء الله ان يكون من الشعراء .

وكما كان الناس ينظرون إلي الجمال جملة ، ثم أخذوا ينظرون إليه تفصيلا ، كذلك مؤلفو الأدب -كانت تأليفهم الأدبية شاملة لكل شئ ، وكان عرضهم للجمال لا يقتصر على شيء دون شئ ، ثم رأينا نزعة في التأليف جديدة ، ترمي إلي التخصص في الجمال ، والتخصص في جمال شئ بعينه . فراينا صلاح الدين بن ايبك الصفدي يعجب بالحال ويفرد له تأليفا يسميه " كشف الحال علي وصف الحال " ولم يكن موفقا في هذه التسمية ، بل كان قليل الذوق ، فما يصح في باب الجمال أن يسمي شئ يكشف الحال

وجاء شمس الدين النواجي ففقن بحمال العذار ، وألف في ذلك كتابا سماء " خلع العذار في وصف العذار ولم يكن في هذه التسمية أكثر توفيقا من صاحبه.

ولكن مؤلفا ثالثا جاء فغضب من هذين الاسمين النابين ؛ كما غضب من ان يلتفتا إلى الخال والعذار ويهملا العيون ؛ واين جمال الحال والعذار من جمال العيون ؟ فألف كتابا في العيون سماه " سحر العيون"  فكان أكثر توفيقا في الاسم والمسمى .

من الأسف أني اعثر علي اسم مؤلفه ، ولكنه في ثنايا الكتاب يقول : " انشدني صاحبنا الشيخ الدين محمد بن أبي بكر القادري المولود سنة ٨٢٤ " . فمؤلف الكتاب إذا - من أدباء القرن التاسع الهجري ؛ والظاهر أنه مصري ، لأنه يروي في ثنايا الكتاب أحداثا مصرية ، وأمثالا عامية مصرية .

أراد في هذا الكتاب أن يذكر كل ما يتصل بالعيون ، وأراد مؤلفه أن يكون في العيون طبيبا ، وفقيها ، واديبا ؛ وكان خيرا له وللناس ان يكون ادبيا فقط ، فما احراء وقد خصص كتاب للعين ، ان يخصص نفسه لأدب العين

فمن العسير ان يجمع إنسان بين المهارة في الطب ، والمهارة في الأدب .

على كل حال كان في قسمه الاول طبيبا ، عرض للعين وشر حها ، ورسم نغ صورة طريفة ، ووضع في الصورة اسم كل طبقة من طبقاتها , وتكلم فيها بعرض من اعراضها ، وما يلائم من الأدوية لعلاجها ، حسبما عرف من ذلك في زمانه .

ثم انقلب ففيها ، فذكر دية العين في المذاهب المختلفة وكان لغويا فذكر مادة العين وإطلاقها واشتقاقها

وأهم ما في الكتاب قسمه الأدبى ، عرض في فصل منه ما وقع في الأدب من تشبيهات العين ، فمنهم من شبهها بالسهم ، وشبه فعلها به ، ومنهم من وصفها بالنبل ، أو بالخنجر ، أو بسنان الرمح ، أو بالسيف ، ومنهم من يشبهها بزهر القول ، ومنهم من يشبهها بالنرجس ، وقد حكي لنا ان بعض الادباء في زمنه اعترض على تشبيه العين بالنرجس لصفرة لونها ، وقال إن هذا لا يصح إلا ان تكون العين مملولة بعلة البرقان ، وأجاب بعضهم بأن بالمشرق نوعا من النرجس مكان الصفرة منه سواد ، وهو الذي يصح التشبيه به ، لا نرجس بلادنا ، أما ابن رشيق فقال : إن وجه الشبه في تشبيه العيون بالنرجس هو الفتور لا اللون ، كما قال ابن المعتز:

وسنان قد خدع النعاس جفونه

                 فحكى بمقلته ذيول النرجس

وهذا الفتور هو الذي يسمونه المرض ، وهو مرض خير من الف صحة ، كما قال ابن عباد :

ونظرن من خلل الستور بأعين

                   مرضي يخالطها السقام صحاح

ثم ذكر فصلا عرض فيه لما وقع في العين من التنكيت والأمثال ، فحكي لنا بعض النكت التي قالها المصريون علي

قضى القضاة بدر الدين محمود العيني ، من ذلك أنه لما تولي مشيخة مدرسة المؤيد مالت منارتها ، فقال فيه ابن حجر , وكان له خصما :

لجامع مولانا المؤيد رونق

                    منارته تزهر على الفجر والتزين

تقول وقد مالت علي تمهلوا

                    فليس على حسني أضر من العين

فأجابه العيني :

منارة كعروس الحسن إذ جلبت

                     وهدمها بقضاء الله والقدر

قالوا أصيبت بعين قلت ذا خطأ

             ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر

وحكي لنا أن  "العيني" لما جلس للقضاء دخل عليه رجل في دعوي فحكم عليه العيني ، فوقف الرجل يتكلم فجذبه الحاجب ، فادعي انه أصيب من ذلك في عينه فجعل يصيح: " أه يا عيني " وظل يسب بأقبح السباب ، وختم ذلك بقوله : " أه يا عيني" فقابل العيني ذلك بضبط نفس وحلم ، ولم يفعل معه شيئا .

ودخل فني ترن جميل العين على صديق المؤلف اديب فقال الفتي أريد أن تعلمني العروض ( كسر العين) فقال له الشيخ : افتح عينك

ثم حكي لنا امثالا مصرية عامية طريفة جاءت في العين كقولهم : " اعور قلعت عينه الصحيحة ، فقال : امسينا وامسى الملك فيه ؟ وقولهم : " حزينة ومالها عين ، اشترت مرآة بدرهمين " الخ.

وعرض لنا فصلا بديما موضوعه اختلاف مواقف الناس أمام العيون ، شهم من كان يعشق عين محبوبته ، فسمع تشبها للعبون بعيون الغزلان فأاء كثر من شراء الغزل لأن ، وتربيسها وتوليدها ، ومنهم من جمع قول ابن الروي :

وأحسن ما في الوجوه العيون

                      وأشبه شئ بها النرجس

فكان لذلك بكثر من زرع الترجس في حديقته.           ومن الناس من اردته النظرة الأولى ، وقال :

ما يفعل السحر والألباب في سنة

                          في الحال نفعله الأحداق والطرر

ومنهم من كانت تحييه نظرة وتميته نظرة ، كالذي يقول:

الوجه منك عن الصواب يضلني

                        واذا ضللت فانه يهديني

وتميني الألحاظ منك بنظرة

                       وإذا أردت ، بنظرة تحييني

ومنهم من عرته ما حالة غريبة ، وهو أنه غار من عينيه أن تتمتع وحدها بالنظر إلي المحبوب فمنعها النظر كالذي يقول :

إني لأحسد ناظري عليكما

               حتي أغض إذا نظرت إليكا

ومنهم من كان يربأ ان ينظر بعينيه إلي عين من يحب لأنه لا يستحق هذا الشرف . " قيل لبعضهم : اتحب أن تري عيني محبوبك ؟ قال : لا, قيل : ولم ؟ قال :

أنزه عينيه عن عيون مثلي ،

وبلغت الغيرة من دبك الجن الحمصى فقتل جاريته

وبكاها ، فقال :

فوحق نعليها ، وما وطئ التري

                           عندي أعز علي من نعايمها

ما كان قتليها لأني لم أكن

                       أبكي اذا سقط الغيار عليها

لكن بخلت على سواي بحسها

                       وأغار من نظر العيون إليها

وهكذا عرض لحالات الناس المتفاوتة ، وتصرفاتهم المختلفة إزاء الإعجاب بالعيون .

وانتقل من ذلك إلي "طيف الخيال" لأنه رؤيا العين في المنام . فذكر ما ابدع فيه الشعراء من ذلك ، وكيف تفننوا في معانيه ، كالذي يقول :

نصبت جفوني للخيال حبائلا

              لعل خيالا في الكري منه يسمح

وكيف إذا أغمضتهن ، بصيده

                     ومن عادة الأشراك للصيد تفتح

وكان البحتري من المكرثين في وصف الخيال المجيدين فيه ، ولكثرة ولوعه واشتهاره به ضرب به المثل فقيل " خيال البحتري" , كقوله :

إذا ما الكرى أهدى إلىّ خيالها

شفى لعله التّبريح أو نقع الصّدا

اذا انتزعته من يدي انتباهة

                  ظننت حبيبا راح مني أو غدا

فلم ير مثلينا ولا ير شأننا …

نعذّب أيقاظا وننعم هجّدا

ومن أظرف ما قيل في طيف الخيال قول كشاجم :

لقد بخلت حتي يطيف مسلم

                        على وقالت رحمة لتحيي

أخاف علي طبقي إذا جاء طارقا

                   وناداك ان يلقاه طيف رقيبي

وانتقل من ذلك إلي ما تلاعب به الشعراء من الحوار بين القلب والعين ، فالقلب يعتب علي العين انها جرت عليه الويل ، والعين تعتب عليه انه هو الذي دفعها إلي النظر بما أمل وطمع :

يقول قلبي لطرفي إذ بكي جزعا

                    تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا

فقال طرفي له فيما يعاتبه

                    بل أنت حملتني الآمال والطمعا

حتي إذا ما خلا كل بصاحبه

                  كلاهما بطويل السقم قد فنها

نادتهما كبدي لا تتعبا فلقد

                   قطعتماني بما لاقيتما قطعا

وختم الكتاب بباب طويل فيما ورد في العين من الشعر الرقيق مرتبا علي حروف المعجم . وذكر في أكثر ما اختار سنة مولد الشاعر ووفاته .

"ونلاحظ ان اكثر اختياره من الشعر الحديث الذي قيل في العصر العباسي الثاني وما بعده ,كما نلاحظ ان كثيرا مما اختاره في العيون لمعاصريه كان غزلا في عيون الاتراك

يفيقولون أحيانا : " من الترك لم يترك بقلب بقية" وأحيانا : (من ال خاقان له لفتة *واحيانا : " من غسل بافث نافث) مما يدل على أن المصريين أعجبوا بعيون الاتراك ، وكانوا إذ ذاك هم الحكام ، وقصورهم ملأي بالمماليك منهم .

وبعد فهذا الكتاب معرض فني من اغني المعارض ، وهو معرض مختص ، ليس فيه - على سمعته وكثرة ما يعرض فيه إلا العيون واشكالها ونظرائها ، لو وقع في يد فني صناع ، لابدع في تصويره ايما إبداع ، وكم في كنوز السلف من روائع!

اشترك في نشرتنا البريدية