نشرت الصحف الصباحية الكبرى منذ أيام معدودات في خبر لوكالة الأنباء العربية من وشنجتن أنه قد أجريت في قسم الجراحة بجامعة شيكاغو عملية التخدير بالموسيقى قبل إجراء العمليات الحراحية للمرضي ، وقد دلت التجربة على نجاح كبير جدا ، حدا بالجامعة إلى اعتزام إدخالها بالعمليات الكبيرة لاستئصال السرطان وغيره من الأمراض .
هذا خبر صغير أكبر الظن أن كثيرا من القراء قد مر عليه مر الكرام ، فلم يثر في نفسه غبطة ولا ألما ، ولم يحرك على ثغره ابتسامة رضي أو ضحكة سخرية . ولكن الواقع أنه قد اعتبر فتحا عظيما وخطبا جسيما بالنسبة إلى الموسيقي والمرض ، ومع أن التخدير بالموسيقي قديم منذ عهد الفراعنة كما أشارت وكالة الأنباء العربية ، فإنه ليس إلا خطوة صغيرة بالنسبة إلى علاج الأمراض بالموسيقي ومواساة المرضى بها وتخفيف آلامهم وكربهم يوقعها .
وقد اتضح أن أنشودة المسرة لبتهوفن وشويرت تلائم المرضى بالانقباض النفسي والحزن ، كما اتضح أن قطعة لفاجنر تلائم مرضي الغضب السريع . وقد أجري بعض الأطباء الأمريكيين تجارب على قطعة فالكون ينوت من فاجنر ، فزادت حركة التنفس - وكانت تبلغ ثماني عشرة مرة - فصارت ثلاثين مرة ، وزادث سرعة النبض كذلك ؛ ولا غرو في هذا ، فإن لفاجنر قوة عجيبة على التأثير في النفس بموسيقاه التي قال عنها الشاعر الإيطالي جوفان سوياتينو " إذا كانت هنالك أشياء نراها بوجداننا واضحة جليلة ونحس بها كأننا نشاهدها وتضطرب لها نفوسنا كما تضطرب أمام أعاصير الحياة وعواصف الدهر فهي موسيقى فاجنر " .
وقد وصفها المؤلف الإيطالي ) شارل ستيفن ( فقال : " إنها هدير الأمواج المثارة وأصوات الرعود القاصفة وساعات الخريف الوادعة وليالي الصيف الجميلة الضاحكة وآلام النفس وأحزان الحب وكل ما في الحياة مما نحسه ونراه " .
وإن المتتبع لتاريخ الفلسفة الألمانية يجد أن شوبنهور قد تأثر أي تأثر بموسيقي فاحتر ، كما أنها اثرت في نيتشة فترة معينة من حياته ، ولكن هذه الموسيقى لم تكن تثير في نفس شوبنهور قوة وسطوة كما يقول نيتشة ، إنما كانت تثير في نفسه ارتخاء وإبطاء أشبه شئ " بالتخدير " ولذلك وجدنا على فلسفة شوبنهور مسخة ظاهرة من التشاؤم ، وظل التشاؤم يلازمه حتى أخرج فلسفة الموت وفلسفة الحب والموت .
ولكن الأمر ليس مقصورا على موسيقى فاجنر فحسب ، فقد أسفرت التجارب الطبية على أن قطعة شوبان Etude en sol Majeur وقطعة بتهوفن المعروفة Sonate pathetique تشفي كثيرا من الأمراض النفسية والجسمية وتؤثر في الدورة الدموية ، وذلك لأن أداة السمع هي الأذن ، ومن طبلة الأذن تمتد الأوتار العصبية إلي مركز السمع في الدماغ عن طريق الحبل الشوكي الممتد من الدماغ في سلسلة الظهر ، ومنه تتفرع جميع الأعصاب في الجسم وإليه ترجع . فهو الطريق الرئيسي لجميع الأعصاب ، وحميع النبضات الشعورية المسببة للشعور تمر فيه . وهذه الأوتار العصبية كالوتر الموسيقى تهتز اهتزازا فسيولوجيا مطابقا لاهتزاز الوتر للوستي فتحمل نغمه إلى مركز الأنغام في الدماغ
وتحدثنا الأساطير الإغريقية كثيرا عن سحر الموسي وعن أثرها في الإنسان والحيوان ، ومن هذه الأساطير أسطورة أورقيوس الذي استطاع بموسيقاه الساحرة وانغامه الرقيقة الوادعة أن يبعث السحر في الحيوانات ، فإذا الأسد بهدأ بعد ثورة ويأمن بعد فورة ويخفت زثيره شيئا فشيئا ويصبح كالحمل الوديع الهاديء ويقوده أورفيوس إلي حيث يريد ؛ وكان الإغريق كقدماء المصريين يلجئون إلى الموسيقى للتخدير وللتأثير في أعصاب المرضي ، وكان الفيلسوف يري أن معرفة الموسيقى واجب عليه ، فكان يؤلف في الفلسفة
والشعر والخطابة والموسيقي كذلك ؟ فأرسطوطاليس الفيلسوف المشهور أخذ من الموسي بنصيب موفور .
وكذلك كان الحال عند العرب ؛ فقد استعملوا الوسيقي في إراحة الأعصاب ومعالجة العلل والنوبات ، ويديهي أن موسي العرب لم تكن كموسيقي فاجنر أو بتهوقن السمفونية ، إنما كانت موسيقى لها آلاتها الخاصة ولها معداتها الخاصة . ولها بعد ذلك تأثيرها الخاص في النفس وسريانها الخاص إلى القلب .
وعن أبي بشر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر زا بالحبشة وهم يلعبون ويرقصون . فلم ينكر النبي عليهم ؟ وبهذا الحديث استدل الأئمة على جواز الرقص حيث خلا من التكسر ، وقد توانرت الأخبار بإنشاد الأشعار بين يديه بالأسوات الطيبة مع الدف وبغيره . وبذلك استدل الأئمة علي جواز الضرب بالدف ولو فيه جلاجل لأنه سبب لإظهار السرور .
وقد قال أبن عبد ربه في العقد الفريد ) إن الصوت الحسن يسري في الجسم ويجري في العروق فيصفو له الدم ويرتاح له القلب وتنتحي له النفس وتهتز الجوارح وتخف الحركات ، وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة ( .
ولقد اشتهر الخلفاء الأمويون والعباسيون عحب الغناء كما اشتهر العصر الأموي والعصر العباسي بكثرة المغنيات اللاتي كن يتفنن في الغناء تفننا ويتقن الإيقاع اتقانا شديدا . وتحدثا كثير من الأخبار أن الحلفاء كانوا عندما يضيقون بالحياة أو يعتل مزاجهم بأمرون بالمغنيين والعازفين ليصرفوا عنهم الهم والكرب ، وكان بعضهم يستمع إلي الغناء والموسيقي من وراه ستار ، والبعض الآخر يستمع إلي الغناء والموسيقى عن قرب ، فيهتز لها اهتزازا ويطرب منها طربا شديدا ، فيقبل على الحياة باسم الثغر رضي النفس منشرح الصدر يتوقد بالنشاط
وكان إبراهيم الموصلي وزلزل يزلزلان الأذان طربا كما يقول الأصفهاني في الأغاني ، وكان الخليفة الرشيد ومن قبله ومن بعده من الخلفاء العباسيين لا يالون جهدا ولا يدخرون وسعا في إسباغ العطايا والهدايا علي أهل هذا الفن من
مغنين وموسيقيين على نحو ماجاء في ضحي الإسلام للدكتور أحمد أمين بك
وقد ذكر ابن خلدون فضل الموسيقي فقال ) إن النفس عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب بلا شك ، نصب مزاج الروح نشوة بسهل معها الصعب ويزيد ذلك تأثيرا إذا كانت الأصوات متناسبة ، ولأجل ذلك يتخذ العجم في مواطن حروبهم الآلات للوسيقية فيحدو المغنون بالسلطان في موكبه بآلاتهم ويعنون فيحركون نفوس الشجعان بضربهم للاستماتة ( .
" فابن خلدون في هذه النبذة يبين فضل الموسيقى في الحروب ، وليس هذا بخاف علينا منذ خلق المجتمع إلي يومنا هذا ، وهو - وإن لم يفطن إلي الناحية الطبية في تاثير الموسيقي فإنه قد استطاع أن يبين لنا فضلها بحجة نفسية وظاهرة اجتماعية ، ولكن إخوان الصفا قالوا في إحدي رسائلهم ) من الألحان والنغمات ما يسكن سورة الغضب وعل الأحقاد ويكسب الألفة والمحبة ( وهذه النظرة من إخوان الصفا تشبه إلي حد ما نظرة ابن خلدون ، ولكن فيها النزعة الروحية والغاية النفسية .
وكان الفارابي الفيلسوف المعروف يستخدم آلة موسيقية يستطيع أن يثير بها الضحك كما يثير بها الكاء ويلعب بها على أوتار القلوب ، كما كان ابن سينا يشفي بعض المخبولين بسحر الموسيقى .
ولا تزال الموسيقى حتى عصرنا هذا مجنية لكثير من السعادة ومبعدة لكثير من الشقاء وممهدة للشفاء من كثير من العلل والأمراض .
وقد ذكر الدكتوران الفرنسيان بيناي وكورتياي أن اكثر الأنغام تقوية للدم اكثرها ألفة ، وأن النبض يزداد سرعة عند ما تعزف الألحان المرحة ، على عكس الحال عند عزف الألحان الموسيقية الجدية التي تضيق الأوعية الدموية . وقد تقل عن أوميروس وبلوطرخس وتيوفرست أن الموسيقى تشفي من الطاعون . وذكر بونيت وكرخر أنها تشفي من السل والنقرص وألم المفاصل وداء الكلب ؟ وقد نصح الدكتور بيناي مريضة كانت تشكو من نوبات
) البقية علي صفحة ٢٤ (
صرعية يشتد فيها صراخها ويزداد احمرار وجهها ويتصبب عرفها وتتهدج أنفاسها ، بالاستماع إلى الموسيقى التصويرية الهادئة وقراءة الشعر ، فنجحت التجربة ، وكانت النتيجة مرضية .
وإن من يتبع تاريخ الموسيقى منذ القدم يجد أثرها في العلاج واضحًا ؛ فكان الملك شاول ملك إسرائيل قد تحيطه روح السوء ، فكان داود يضرب له بالعود فيجد روحًا وسعادة في ذلك . واستعملت الوسيقى عند المصريين القدماء في الطقوس الدينية ورفع السحر والشعوذة والتخدير، وكذلك الحال عند الصينيين وفيلسوفهم كنفوشيوس .
وقد وجدت بين نقوش قدماء المصريين فوق آثارهم رسوم كثيرة عن الآلات الموسيقية والوترية ، ويتضح منها أنهم كانوا يستخدمونها في الحروب ، وفي الأفراح ، والأعياد ، وعند الحصاد.
ويحدثنا التاريخ أن الملك فيليب الخامس أحد ملوك إسبانيا أصابه مس من خيال ، فكان لا يعتني بمظهره ولا بملبسه ، وصدرت عنه بعض الأفعال التى عدها كثير من خلطائه وخاصاته مضيعة لهيبة الملك ذاهبة بوقاره وجلاله ، ولكن زوجته كانت تعلم أشد العلم هيامه بالموسيقي وشغفه
بسماعها وتلهفه على الاستمتاع بها ، فاستدعت الموسيقار المشهور ( قارنبلي ) في مدريد وأقامت له حفلاً عظيمًا. فطرب الملك من سحر الموسيقى وأخذته النشوة ، فاستطاع قارنبلي أن يملى رأيه عليه في رقة ولطف . وأن يدعوه إلى العناية بمظهره وملبسه ؛ فما يصبح الصباح إلا ويقبل الملك على شئون بلاده ، طلق المحبا ، وضاء الأسارير ، بهى المنظر ، ساحر الهندام .
وقد ذكر الدكتور تبشنسكي أحد أطباء بطرسبرج أنه عالج بالموسيقى طفلة تبلغ أربع سنوات كانت تخاف الظلام والأشباح ، وكان الطبيب الأمريكي ليونار كوركنج يعالج مرضاه بطريق السمع والبصر ، أي أنه كان يضع مسمعتين متصلتين بالحاكى في أذني المريض ، ويضع أمام بصره حجابُا أبيض تتراءى عليه صور جميلة من الفانوس السحري .
ولكن الموسيقى ليست مقصورة على الأصوات الصاعدة من الآلات الموسيقية ؛ فللطبيعة موسيقى جميلة تتمثل في خرير الموج وصفيف الشجر وتغريد الطيور وزقزقة العصافير ونسمات الهواء ؛ وقد كتب الشاعر الإنجليزي بليك: " إن في وسعى أن أصوغ من موسيقى الطبيعة نغمة حلوة يلذ لسكان السماء أن يستمتعوا بها...! " .

