الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 329الرجوع إلى "الثقافة"

سحر مصر

Share

مشاهد ومشاعر جدتها لا تبلي . إن  سحر بلادنا قد تألفه فلا تراه ، وترينا لياه عين الغريب ...   ...  ...

٣ - أبو الهول :

ذات يوم ، عند الغروب ، رأيت طائرا يحاول أن يلعب مع أبى الهول ، كان الطائر شبيها بالخطاف ، Swallow صدره وردى اللون داكن مع لمعة من زرقة فى مكان ما من جناحه . وعند ما جئت إلى حافة الحوض الرمل حيث يجثم أبو الهول ، وأشرفت عليه من حيث خوفو نفسه قد يكون أشرف منذ قرابة أربعة آلاف عام قبل مولد المسيح ، كان أبو الهول والطائر وحدهما لا ثالث معهما ، طار الطائر إلى أبى الهول وطفق ينحرف لاعبا يمنة ثم يسرة ، ويعلو حينا ويهبط حينا ، ويعود دائما إلى ذلك المغناطيس الذى اجتذبه والذى يمسك يحاول أن يستخلص عنه آثارة من علم ، وراح يقف فى الهواء الذهبى وسنظر بعينيه اللامعتين فى تينك العينين الحجريتين الشاخصتين إلى ما بعده ، إلى ما بعد أرض مصر ، إلى ما بعد دنيا الناس ،

إلى ما بعد الشمس ، إلى آخر آفاق الأبدية ، وأخيرا هبط الطائر على رأس أبى الهول ، ثم على أذنه ، ثم على صدره ، وعلى الصدر راح يمشى فى قفز رشيق ، ناظرا إلى أعلى ، ينتفض كل جسمه على ما يظهر برغبة ملحة فى أن يفهم . وفجاة بسط جناجيه وطار كالسهم عبر الرمال والمياه إلى حقول الذرة وإلى القاهرة .

وذوى ضياء الشمس الغاربة ، واشتمل الشفق ثم خبا ، وأرخى الليل الإفريقى الصافى سدوله ، وعاد إلى القاهرة حجاج أبى الهول كما فعل الطائر ، جاءوا كما جاء الطائر ، وكما جاء غزاة مصر ، كما جاء الإسكندر المقدونى والبطالمة ، وكما جاء الرومان والمماليك والترك والفرنسيون والإنجليز .

هم جاءوا ... وهم ذهبوا

وأخذ ذلك الوجه الهائل يقتم كلما أطبق الظلام ، وسار داكنا كوجه فلاح ، كوجه ذلك الفلاح الذى أفضى إليه بأسراره ولم يتلق منه سرا فى مقابلها ، ثم صار أسود كوجه نوبى ، وزاد الليل من هول صمته المخيف وعدم اكتراثه المطلق ، وفى الظلام خلتنى أسمع مشية الموتى ، مشية المحاربين من الذاهبين ووقع حوافر خيولهم ، وهم يتقاطرون على الرمال أمام ذلك الشئ الذى لا يقهر ويحسبون أن قهروه . ثم أطبق السكون ، ثم سمعت طقطقة خفيفة هى لا شك وقع حوافر حمار جاء هابطا من عند الهرم ، واستمرت حتى بلغ أبا الهول ثم سكتت وأطبق السكون . وذكرت الأسطورة القائلة : إن مريم ويوسف والطفل الطاهر حطوا رحالهم يوما هنا فى سفرهم الطويل ، وإن مريم أرقدت المسيح المتعب بين مخلبى أبى الهول لينام ، لكن أبا الهول لم يكن ليحفل حتى بالمسيح .        من عجب فى تاريخ البشر أن خطرت فكرة أبى الهول الإنسان ، ولقد كان إبرازها فى الحجر عملا عجيبا ، لكن مجرد تخيلها كان أعجب ، إن البعض قد يعيب أبا الهول ،

قد يقول إن رأسه من الخلف يبدو من بعيد مثل " عش غراب " ضخم نما فى الصحراء ، وإن خديه منتفخان أكثر مما يحسن ، وفيه غليظ الشفتين ، وإنه من بعض المواضع يشبه " البلدج " لكن ماذا بهم ؟ إن فى خلق أبى الهول آية من خيال بارع ، والذي ابدعه نظر أبعد من مصر ، وأبعد من الحياة ، تصور الأبدية وانعدام الزمن وجلاهما فى تمثال .

          كأنى باللحد ينظر إلى أبى الهول فلا يؤمن قلبه فحسب ، بل يجد دليلا حسيا على خلود الروح وإنك لتعود إليه مرارا فتزداد فى كل مرة هياما بسكينته المترفعة وانغماسا فى الطمأنينة تفيض منه كما يفيض من الشمس الضياء ، وانت إذ تنظر إليه توشك أن تدرك ما هى اللانهاية ، وأن ترى الغاية التى يجرى إليها عالم المحدود كما يجرى إلى البحر النيل العظيم .

    وكما ينمو إعجابك بأبى الهول تراك تستشعر تدريجيا عظمة أهرام الجيزة . هى على عكس هرم سفارة المدرج الذي يبدو حتى من قريب كأنه جبل صغير ، كجزء من الأرض القائم عليها . أما أهرام الخبزة فتبدو ما هى ، زوائد منشآت اخترعها واصطنعها الانسان وتحدث عن عظمته . وهى على روعتها كعنصر من المنظر الذهبى الناعس وقت الغروب ، أجدها أروع ما تكون بالليل وهى سوداء تحت النجوم . كم ليلة جلست فيها على الرمال عن بعد ورحت أنظر اليها خرجت خيالى دائما وفى ازدياد . فعميق سكونها ورفيع بساطتها تبلغان الأوج عندما تخفى التفاصيل فلا ترى غير اشباح سود سامة تبلع النجوم . هنا يبلغ هيامك حد الوله كالذى صلى فقال : " ليس الله بحاجة إلى صلاة منى وأنا الذى بحاجة إلى الصلاة " . تلك البساطة توحى بحشد من المشاعر والأفكار . يقول جاى دى موياسان : " ربما كان فن المعمار أغنى الفنون فى الذوق والروعة

المبهمة والأفكار " كم هو صادق هذا القول وأنت تنظر بالليل إلى الهرم الكبير . إنه إذاك يتنفس سحرا . ثم هذه قاعدته العاتية تذكرك بالتيه الذى فى داخله ، بالمنزلق الطويل بعد الثقب الذى منه ولجت ، بخطوك الحذر فى ليله الحار السرمدى ، بعثرانك على أحجاره الملساء . بالثقل الساحق الذى خلته يجثم على قلبك وأنت تتسلل فى جوفه حذرا ، بشعورك أنك حبست إلى الأبد وأن تنينا اختطفك وخبأك من أنوار مصر البهيجة ، بوقفتك فى الحجرة التى فى وسطه وتصورك بحره الحجرى وانت الغائص الجرىء ألقي نفسه فى قراره باختياره . . . ثم هاهما عيناك تصعدان قليلا قليلا مع حوائطه التى تتقارب رويدا رويدا ، ثم هاهما تبلغان النقطة السوداء التى هى القنة ، هنالك كنت وقفت مع " أبو " الذى يقضى نصف عمره على الحجر الأخير ، وكنتما حللتما ضيفين على الشمس ، وجلستما تستحمان فى الأنوار والنسيم . وكنت نظرت فرأيت الابل والناس كأنهم ذباب ، ورأيت القاهرة لطخة رمادية اللون ، ورأيت جبال المقطم كئيبا أعلى قليلا من الصحراء ، ورأيت مسجد محمد علي كفنجانة مقلوبة ، وفى الحضيض من دونك ينام الموتى فى مقبرة أبى الهول بأحجارها الشاحبة ورمالها وتخيلها وجميزها ، ذلك الجميز الذى كان عبد لأنه الجسم الحى من هاتور ، ورأيت إلى ناحية مياها نائمة فيها جزر صغيرة كأكف حسان مصر اللطاف ، وإلى ناحية الصحراء تمتد كما يقول الأعراب إلى مسيرة ألف يوم .

تلك القاعدة وتلك القنة اى وحى فى اختلافهما وأى سر ؟ أى جمال خالد وقور فى الخط الأسود الواصل ما بينهما ، ذلك الخط الذي صار الآن عددا رقيقا فى زرقة ليل كلون القميص المفرد على جسد فلاح . ذلك الخط خليق أن يعلو بك من الثرى إلى النجوم .

اشترك في نشرتنا البريدية