الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 381الرجوع إلى "الثقافة"

سحر مصر، لروبرت هتشنز

Share

٧ - الكرنك : إن للآبنية لشخصيات ، فمنها ما يفتن كما تفتن النساء الحسان ، ومنها ما يخلب كطفل غرير سحر سذاجته لا يقاوم ، ومنها ما يشبه الغزاة رجال الدم والحديد ، ليس في حشاهم المرحمة مكان ، قدوا من قسوة وإصرار ، وهذه تملأ النفس رهبة يمازجها إعجاب بالقوة كامن في جبلة الإنسان .

ومنها ما يستنزل علي القلب شايب سلام ، ومنها ما يناجي فطرة النفس في روعة رفيعة كما تفعل الموسيقى ويحيل القلق إلي اطمئنان ، ومنها ما يداعب هيام النفس بالمجهول فتستجيب له في نشوة وارتعاش ، ومنها ما يبكي مع الموتي وما يضحك مع الأحياء . والسائح المصعد في النيل يلتقي بالكثير من هذه الشخصيات على اختلافها ، فهو محزون كما حزنت في دندرة ، وهو حالم في النور بأبيدوس ، وهو متأمل في الأقصر تحت المئذنة الصغيرة المستدقة تلقي بالنداء إلي الصلاة فتتبعها الكنيسة بدق ناقوس ، وهو شارد في " مكان التفكير " لرمسيس الثاني عند المارد الجبار الذي كان يوما أكبر تماثيل مصر ، وهو متعبد في إدفو ، وهو مأخوذ بعظمة التفوق في الدير البحري ، وفي أنس الوجود يؤخذ به إلي عالم رقيق سحري . كل يثير فيه شعورا وكل يحيله إلى حال . وفي الكرنك ما شعوره وما حاله ؟ اهو محزون أم مفكر ؟ أهي دهشة أم نشوة ؟ .

سمعت مرة سيدة عجوزا في قبعة عريضة وأشياء اخري تناسب مصر اكثر مما تناسبها ، نصف الكرنك في جملة فتقول بلهجة اسكتلندية : " إنه لطيف حقا " وهنا تخطئ الإسكتلندية العجوز ، فليس الكرنك بالشئ اللطيف ، وليس بين معابد مصر فيما اعرف ما يمكن وصفه بأنه

" لطيف" والكرنك لا تحيط بأوصافه كلمة أو كلام . منذ عهد بعيد رأيته ذات ليلة في أضواء زاهية من أجل الخديو . كان جلاله الذي امتهن يصطبغ بألوان وردية وخضرة وزرقة رصاصية ، وأبراجه تسطع في زيف من ذهب ، وجمهرة تماثيله ومسلاته وعمدة تتحول من أطياف أحلام وظلال غسق إلي أشياء صلبة صادمة استجابة لإرادة أقزام قساة قائمين بين جدرانه . وها أنا بعد سنين عديدة اراه لأول مرة في هداة نور القمر بعد ان شهدت مغرب الشمس من أعلى أبراجه . ذلك مشهد أغلي مما شهد الخديو كنت بأطياف الجو أسرح البصر في مهبط المساء بالفيافي الشاسعة ، وأمامي نيل يلتمع ، ومن دوني القرية الريفية عهدي بها في النهار مغيرة شعثاء ، فإذا هي الآن في حلة من ذلك الخفاء اللين المخملى الذي يتولد في السماء تحت النخيل ، وعلى الطريق الآتي منها إلى الكباش الحارسة أبد الدهر أمام باب المعهد مشي جمل أبيض يركبه صبي صغير في رأسه طاقية ضيقة بيضاء . كان الصبي يشدو مغنيا !

أثراه كان يغني لجلال مغرب الشمس أم لجلال آمون ( الواحد الخفي ) الذي كان يوما إله طيبة وأقامت له اكبر معبد في الوجود ؛ اصغيت لصوت الصبي الرفيع المرتعش كانه تغريد طائر ، فأخذ مسمعي من أغنيته كلمة واحدة ، كلمة تسمعها في مصر من كل شقة ناطقة أو شادية ، تسمعها من النوبيين حول نيرانهم بالليل ، ومن الملاحين في قواربهم على النيل ، ومن الصبية وراء الحمير في القرية ، ومن الأعراب بالصحراء ، ومن قارئ اليخت في ماء يطبق ، ومن الدرويش ذي الشعر الجمد المدهون بالزبد : " الله " هي الكلمة التي استقرت بمسمعي من اغنية الصبي وهو ماض بسبيله .

وحلمت حمائم على أبراجها اللطيفة ، وخرجت الخفافيش من مخابئها ، كأنما نعرف كم هو جميل سوادها على ذلك الاثير الليموني والبرتقال والاحمر ، وتبدلت المسلة الصغيرة فيما

يلي الكباش كما يتبدل كل شئ في مصر وقت الغروب ، وعدت كأصبع يد خفية تشير في تحذير الواعظ نحو السماء والتمع النيل وعلى صفحته من حديد وفضة اشتعلت نيران كهرمانية ، واستحالت الجبال الليبية فيما وراء وادي الملوك إلى أطياف ، والبركة البعيدة بجوار النيل يحف بها النخيل اصطبغت بحمرة رمانية ، والقبة الصغيرة الساذجة الرئة القائمة على ضريح قرب الكباش بدت الان كأنما صيغت من معدن نفيس .

ونظرت وراني فرأيت القمر قد طلع وأرسل أشعته الفضية على أطلال الكرنك ، على غابة من عمد في رسم زهرات اللوتس ، على بوابات مستفردة تؤدي اليوم إلي غير قاعات ، على البركة المقدسة يقوم عليها قصب الغاب وينام البط ، على جدر متحدرة تمسكها ركائز ضخمة كأنها ضلوع حيوان هائل من قبل التاريخ ، على غرف صغيرة على كتل من البناء منهارة وقطع من حطام سجف وطنف وعمد ، على أهل قرية الكرنك ، القوم العجب المعتزين بموطنهم المستمسكين بخرائبهم في إخلاص لا تزعزعه توب الزمان وأخذ السنين ، على أبي الهول الصغير المنعزل له وجه امرأة تفض جفون عينيها في إغراء ناعس ، على رمسيس الثاني له وجه طفل وديع لا وجه ملك ، على أبي الهول الذي شكل قرينا له فهو قابع في وحشة أمام جوسق " طهر جاك ملك اثيوبيا ، على الاثنين الواقفين معا كرفيقين حميمين وهيئة كل تتم من خلق نقيض ، فأحدهما يضم ذراعيه إلي صدره يعلن سلاما ، والآخر يشد ذراعيه إلى أسفل في تحفز يبغي حربا ، على عمد من جرانيت بمعبد رمسيس الثاني يذكرني رفيع فنها بتمثال النصر ناقص الرأس في باريس ، فكلاهما عنوان شخصية أخاذة إن تلقها لا تنسها ، على هذه وغيرها من آثار معتصمة بقاعاتها وأبهائها ومغاني عزها الخالي .

نعم طلع القمر ، لكن ما يزال الغرب حافلا بالأضواء

والالوان ، ثم ذوت هذه ولم يبق منها غير خط أحمر كاب ، ثم كانت فترة هي عندي حافلة بالتشوق والخيال ، كان كل شئ في نبض خفي بجيش ( كما ينهج الصدر بالانفاس ، والهواء الساكن كانما رجف يهمس يعلو رويدا رويدا .

في الشرق رأيت آية ، وفي الغرب كان تأويلها . إن نور الشمس إذ يموت هنا يولد هناك من جديد ، وحورس لن يدع " نوم " يعيش برهة ، وسيشهد " خنسو " رب القمر نضالا حلوا في الشاطئ الغربي من بحر السماء حيث سبح زورق الشمس في موج خضيب وغاب وراء الجبال . وما نور الفسق إلا نضال حلو فانتفاض بأس فهزيمة من ظلمة وسكون وخلال ذلك النضال الحلو عاشت الدنيا من حولي بضع دقائق حياة واهمة متوجسة سحرية ، وخلاله استرجعت السماء أضواءها فعادت أثيرية مرتعشة كأنما استرجاعها اختلاس لا يجوز ، ولقد عادت مصفاة رطيبة بلورية ، وما كانت الأطيار السابحة عليها أطيارا ، بل حليا متحركا صاغه مفتن قدير ليبلغ بالسماء من الجمال الذروة ، بل إن كل متحرك في نور الغسق من رجل وامرأة وطفل وجمل وحمار وكلب ومعزي وجاموسة وانية وحصان مارق قد استحال إلي حلية يضيفها مفتن عبقري ليجلي بها بهاء السماء ، وفوق هذا كله يشرف خنسو في هدوء العارف بما سيكون . ثم انهي النضال الحلو فجاءة وعاد كل شئ إلي ما كان . تلك البركة البعيدة بجوار النيل لم تعد جوهرة حمراء في إطار ريشي غريب النسق ، بل هي ماء يتواري عن ناظري في لجميلة من تخيل ، وذاك الذي دوني ليس سوي جمل يروح لداره ، وما هذا إلا صبي بسوقة برنزية اللون جمدة الصوف ، وتلك زريبة مقبرة ، وليست طيف دار يسكنها الجن أو يقيم بها ساحر يصنع المعجزات ، ولم يعد الهواء يرجف بالنغم ، والصدر الذي نهج بأنفاس ربانية همد كصدر جثة .

واستوي خنسو في هدوء على عرش الكرنك . . ( لهذا الفصل بنية)

اشترك في نشرتنا البريدية