الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 341 الرجوع إلى "الثقافة"

سحر مصر، لروبرت هتشنز

Share

- أبيدوس

فى ظهيرة ذهبية ، وأصيل خلت من فرط غناء فى الدف ، والنور أن لن يزول ، جلست وحدى ، أو رحت أتنقل فى هوادة بمعبد سيتى الأول فى العرابة المدفونة . ها أنا ذا مرة اخرى فى مواطن الموتى ، وما ينفك زائر مصر ينشد الموتى فى وضح الشمس ، ويطلب قتام الأقبية فى وادى الذهب . لكنى هنا فى أبيدوس رأيت بياضا لا قتاما ، فالصفة الغالبة على معبد سيتى صفة البياض تحت شمس وهاجة وزرقة سماء تغشى البصر . يقع هذا المعبد فى مكان قفر ، وراء قرية هى تبه من التراب والحيوان والأطفال والذباب تقابله على رابية دور بأطراف القرية صماء الحوائط سمراء وفيما أنا قادم لمحت صبية صغيرة فى جلباب أحمر ، بأذنيها قرط ، وتعصب رأسها بمنديل برتقالى ، ملؤها دخان ونار ، تطل فى تلوى الحية من فوق سطح لتنظر إلى ، وعلى الجانبين حوائط المعبد ، متهدمة ، كأيد مشوهة بيضاء تمتد لتتلقانى . ووقفت برهة ، ونظرت الى الباب الصغير المتناهى فى البساطة ، وإلى العمد الاثنى عشر ، متصدعة ، تتقدم على الجانبين ، بيضاء أو بيضاء رمادية ، عليها رسوم هي الآن حائلة وكانت يوما ذات ألوان .

هنا يرقد القدامى من أموات مصر من شيعة أزيريس ، من عبدوا قاضى الموتى ومالك العالم السفلى يبتغون فى ذاته الخلود - أزيريس زوج إيزيس ، أزيريس قابل الصلوات ، أزيريس الشمس لا يمحو الليل آيتها وإلى الأبد تشرق من جديد ، وكذلك النشور . قيل إن (( ست )) رب الشر ، مزق جثمان أزيريس أربعة عشر جزءا وبعثرها فى البلاد ،

لكن أمة من محبى أزيريس ذهبوا إلى أن مثواه بالقرب من ابيدوس ، وكما فعل من بعدهم مريدو (( حافظ )) وعشاق أغانيه ، تاقوا لان يدفنوا بالقرب من محبوبهم . وكذلك صار هذا المكان منام أموات ، و مثابة صلوات ، ودار توله .

وأسعدىي أن كنت وحيدا ، فقد ذهب رائدى وخلفنى فى سلام ، ونسيته ، وجلست فى ظل عمود على قاعدته البارزة العاتية ، والسماء يذهب بالبصر التماعها ، والنحل تطن فى ذلك السكون يضاعف السكينة طنينها . تلك العمد والسجن والأبواب ، كم هي هائلة عاتية ، ومع ذلك فهنا أيضا ، حيث لا يقرأ الانسان إلا كتاب الموتى ، ولا يفعل إلا أن ينحنى إلى الأرض الساخنة مصغيا ، فلربما سمع الموتى أنفسهم فى أعماق قبورهم يغمغمون فصول ذلك الكتاب ، هنا أيضا استشعرت بهجة لطيفة كالتى بمقبرة (( تي )) .

كنت وسط صلابة بالغة ، وعمد شامخة منبعجة كفاكهة هائلة انتفخت بنائر حيويتها ، وسقف علت فادح تصدع فى كثير من المواضع فصار كالجبين المتقطب ، ومع هذا كنت فى غمرة لطيفة من رقة وظرف ، إذ كنت مرة أخرى بين حوائط محظوظة تنبض بالحياة ، فهذه الصفوف المزدوجة من عمد شاهقة كأشجار غابة وما حولها من حوائط فى جسامة القلاع قد طبع عليها أنفاس الحياة الحلوة رسامون وحفارون ماتوا منذ بعيد . هنا فى ضياء الشمس ، كأنما من أجلى وحدي ، كان شعب بكامله عاكفا على مختلف الشئون ، رجال ماشون أو جاثون او واقفون ، منهم الكاسى والعارى ، وزهرات اللوتس فى أيد تقدسها ترمز لشروق الشمس من جديد ، أو ملبوسة كالتمائم ترمز لهبة الشباب الدائم ، وهذا حورس ذو رأس الصقر ، وهذا كاهن يقرب قربانا لإله بطلت عبادته منذ بعيد ، وهذا ملك يتعبد لبتاح مبدئ الأشياء ، من وضع على الأرض ،

كما تزعم هذه الرسوم ، أسس العدالة الأبدية ، وهذا الملك نفسه يعكف على أمون يحرق البخور عند ركبتيه زلفى إليه . وهنا إيزيس وأزيريس واقفان معا تضحى الضحايا لدي زورقهما القدسى ، وهذا سيتى يتعبد لهما ، وهذه سشتا إلهة العلم تثبت اسم هذا الملك فى كتاب الخلود .

ومضت النحل تطن متذبذبة فى بطء خلال الهواء الذهى حول العمد العاتية ، متنقلة بين هذا السجل لدنيا ذهبت منذ بعيد وكأنما هي قائمة لا تزال . ونظرت من العمد العاتية إلى زهرات اللوتس تحملها الأيدى الصغيرة المضحكة وحملتها مدى القرون الطوال ، فتذكرت الطائر وأبا الهول ، تذكرت الشئ اللعوب الحبيبب والشئ الراسخ المتيد ، الخفة المحببة والفوة المروعة . إن الذاهبين من المصريين أدمجوا هذين فى مركب فائق لاتملك إلا أن تستسلم لسحره المقيم فى غمرة النور تحت زرقة السماء . عرفت هذا مرة اخرى فى أبيدوس ، وأحببت الحوائط المرحة البيضاء تحمل للأجيال ، كما تفعل زهرات اللوتس ، هبة الشباب الدائم ، شباب لامستهتر أبدا ، ورغم ما به من تقوى ودين يخلع على صور الحياة البسيطة روحا طروبا يستدر العطف والإعتزاز .

ومضت النحل فى طنينها الوسنات ، وجلست فى ضباء الشمس فى أتم سكون ، ثم أدرت وجهى كأنما يحافز غريزتى ، ونظرت بعيدا خلال باب المعبد الطويل الضيق ، فرأيت الصبية الصغيرة فى الجلباب الأحمر ، على سقف من جذوع النخل ، فوق الجدار الأسمر ، مستقلية ، تتلوي فى لين الحية ، وترقبنى لا تزال بعينين من دخان ونار .

وكمثل الدخان والنار - دخان السكون والموت والضخامة ونار ما على الحوائط والعمد من حياة بحارة لعوب - ران على سحر مصر .

٥ - النيل :

لم أعد اجد لمصر تلك الغرابة التى بهرتنى يوما ، وكادت فى أول الأمر أن تذهلنى ، ذلك أن مصر - بلد العجائب - لحسها الأصيل ليس العجب ، بل هدهدة وإنامة واستهواء

أنت فى مصر تستشعر الأمان التام ، فرجال الشرطة فى كل مكان يبتسمون لك ، ثيابهم ناصعة البياض ، أخذت نصاعتها من طيبتهم ، واعراب الهرم فى الغاية من اللطف والوداعة ، والفلاحون على طول طريقك أعلى النيل يبتسمون فى حنو كأنما يقولون " الله أقامنا هنا لنؤمن الغريب الذى استأمن إلينا " ولم يقرع أذنى إلحاف فى طلب نقود إلا تلميح لطيف بأنه حتى الفقير يجب أن يعيش وأنى واسع الثراء . والهدهدة الحانية يكاد أن يفوح بها الثرى الخصيب ، ويضئ بها الهواء الذهى ، وتنير الرمال الكهرمانية ، وتغمز بها الدوامات فى ماء النيل فضية وسمراء . إنها لتتخلس ليك ، وتطغى عليك ، وتلفك فى موجات دفيئة عطرة فيغلبك استرخاء ، وتغرق فى سمادة وتشخص وتصغى وتستمتع ولا تهتم للغد .

و الدهبية " - وكان إسمها " المولية " - لها حفيف لطيف يستهوى ويتيم ، وهى تسبح مع التيار بشرع مطوية ، أو تجرى على عكسه فى ريح شمأل ، وعلى الضفاف اليانعة ينحى الرجال السمر ويعتدلون ، ثم ينحنون وهم يفنون ، تبرق فى الشمس جلودهم النحاسية ، والصبى الصغير وراء الثور الوسان يدير الساقية اليوم بطوله ، والساقية تئن وتنوح فى صوت عصى وتغىي للشادوف ، والشادوف يغنى للساقية ، والماء يرتفع ويسقط ويجرى إلى حقول الذرة ممتدة من كل جانب حتي الجبال الوطيئة ، والشمس على الدوام ساطعة ، والجسم بشرب من دفئها ، والروح تشرب من ذهبها ، والأذن ملؤها موسيقى ناعمة رتيبة ، والعين على الدوام ترى الأجسام الداكنة ، على الضفاف الداكنة ، من فوق المياه الداكنة ، ينحنون ثم يستقيمون ،

وينحنون ثم يستقيمون ، فى رتابو واتساق ، و (( اللولية )) سابحة فى هدوء على صفحة الماء السوية ، ولا يملك الإنسان إلا أن يسبح أيضاً فى سعادة واستنامة ناسياً كل هم . بسبح من أبيدوس إلى دندرة ، ومن دندرة إلى الكرنك إلى الأقصر ، إلى العجاب كله على الضفة الغربية ، إلى ادفو وكوم أمبو وأسوان ، إلى النوبة وأبو سنبل ووادى حلفا . إن الحياة على النيل حلم متصل ذهبى حلو . لست أعدل بهذه (( اللولية )) أبداً باخرة صاخبة صارخة تمخض المياه موجا غاضباً ، تعجب أناسا يصرون على أن يفرغوا من مصر سريعاً ليعودوا وما عرفوها .

إن كنت متعجلا لا تجيء مصر ، فلأن تعجل فى مصر أشد خرفا من أن تستسلم للنوم فى شوارع لندن .

اشترك في نشرتنا البريدية