الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 344الرجوع إلى "الثقافة"

سحر مصر، لروبرت هنشز

Share

٦ - دندرة :

من أبيدوس ، مقام أزيربس قاضي الموتى ، قصدت إلي دندرة حيث معبد الإلهة هاتور سيدة العالم السفلي ، أو كما عدت في أكثر الأحيان " افروديت " مصر ، إلهة المتعة والحب والجمال . كانت بكرة صباح عندما خطوت إلي الشاطئ ، والشمس وراء التلال الشرقية ، وحياتي في استحياء صبي صغير ، يتمنطق بحبل من عشب مضفور ، بتحية " نهارك سعيد " .

الشباب أغل هبات الآلهة ، كما اعتقد لابسو تمائم  زهرات اللوتس منذ آلاف السنين ، وإن دندرة لمعهد مصري شاب . إنه في الغالب أصغر المعابد على ضفاف النيل سنا . وشبابه - وقد عاش ألفين من السنين لا غير - خليق بجمال الآلهة التي فيه . وبينما المطية نخب بي إليه في ضبا الصباح الغض ذكرت الإلهة " سافخ " وشجرتها المقدسة كانت الإلهة سافخ إذا خطت اسم ملك على ورقة

من تلك الشجرة عاش إلي الأبد . أثراء كان يعيش إلي الأبد شابا ؟ إن كهولة أبدية لا تهفو إليها النفوس . قلت : " إلا أن يعيش الإنسان في مصر ، ففي مصر لا يستشعر الإنسان مر الزمن ، وكل ساعة ذهبية تسكب في النفس قطرة من إكسير عجيب يذهب الملالة إلي غير مأدب " .

تقف دندرة البيضاء في سهل غريني الثري علي راييه قائمة في وحدة صامتة بعيدا عن المعمور ، تختلف في هذا عن أبيدوس البيضاء وأخذ بصري من بعيد مرأي واجهتها الكبيرة تطلع في عراء محض طلوع أفروديت من الأمواج ، كان في المشهد لمسة حزن تمثلت معها هاتور كائنا داكن الميتين شاحب الجبين فاحم الشعر يداها الوالهتان مبسوطتان تضرعان . كان الصمت مخيما على المكان ، ومات عن أذني كل صوت شأدوف ، ولم تعد الساقية تزن كمزامير صقلية في نانال وأحسست أنفاس الصحراء وإنها القريب ، الصحراء البحتة لها في روع مرتادها  هيئة البحر ، فكلما ارتقى كثبها خال أن سيسمع من بعده اصطفاق الأمواج

وصعدت ، ومشيت حيث مشي الكهان يستقبلون أشعة رع ، وبلغت سطح المعبد وأشرفت على الصحراء ، على رمال تبرق كأن جوانب كثبانها أثواب إستبرق ، وأخري من بعدها اكثر شحوبا عليها ضريح شيخ ذو قبة قشدية اللون ومنظر شرفي أصيل ، وخلتني أسمع ما هنالك من تسبيح وتلاوة في غنة لا تنقطع : " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . . ذلك هو الفوز العظيم " .

أما جلال المعبد الذي أخذني لدي مرآه ، فقد تضاعف عندما دخلته ووقفت فيه . هذه أولى قاعاته رائعة فخمة فيها عمد عاتية تطل من عليها أوجه هاتور تستقبل الجهات الأربع . لكني لم أجدوا أسفاء غير وجه واحد مكتمل

نجا من غضبة المتعصبين ، أنجته إلهة الصدفة ، وجه بيضى الشكل سوي الرسم ، ثم ماذا أري ؟! إن في العينين المستطيلتين والحبين والخدين نقيضاً أكثر من وقار . هذا وجه نفس في عذاب أهذه صورة المتعة عند القوم أيام البطالمة ؟! إن المتعة قد تكون عابثة ، وقد تكون رزينة ، هذا صحيح ، لكن افي الممكن أن تكون شيئا لهذا ؟ هذه الزرقة الحلوة على الجدران كأنها قطع من سماء ليل تري في الظلمة من نوافذ غرقة ، قد تصور المتعة على نحو ما . لكن وجه هاتور عليه سيماء الآسي والإعياء .

ومشبت ، وكلما خطوت انبعثت من ظلمة الحجرات الداخلية صيحات الخفافيش غاضبة صاخبة فيها طيرة ونذر  مع رائحة ثقيلة كالموت . لم يكن إلا في الحجرة الأولى أن أفرغ البناؤون والنقاشون لآلهتهم وسع فيهم تعبدا وزلفي ، على بياض ناصع وزرقة حلوة من فيرووز ، أو هذا ما يبدو الآن على كل حال بعد أن سكت عن هانور غضب المسيحية . اليوم يأتي المسيحون من كل صوب يتفقدون  ما دمره المسيحيون في عهد مضي . إن روحا أكثر استنارة  تسود دنيانا الآن ، لكن هاتور - وا أسفاء - ذهبت ضحية العادين ، ولا غرو أن يقوم معبدها في صمت حزين ويأسي على مجد عفا .

وازداد حزنى مع كل خطوة بين روائح غريبة وخفافيش صاخبة تطير مهتاجة حول عمد عروعة قرب سقف أشأم من غيم قاتم ساعة عاصفة ، وروحي تتعقبها عينا هاتور المحزونتان المحدقتان أبدا على ذلك العمود في القاعة الأولى . أهكذا كانت نظرتهما على الدوام ؟ لقد أشرف هذا الوجه يوما على خلق كانوا عباداً وعزاً ، والخلق ذهبوا والعز ولي ، وكما يجري القدر على أكثر الأحياء دفعت الآلهة ثمن مجدها . لقد تحرك البندول ، وذهب عن إلهة الحب المحبون ، وأناها الشائنون ، وكما يتغير وجه آدمى عندما يذهب السعد والأمن ويأتى الخوف

والحزن ، إخال أن وجه هانور تغير على عمودها استجابة لعذاب قلبها . إن دندرة قصر فخم للآحزان ، وسأذكره على الدوام مظلما مفجماً رائعاً في آن .

لقد اعتقد المصريون يوماً أنه إذا حضر الموت إنسانا فان روحه - وأسموها " با " - تصعد على جناحين صوب الآلهة ، لكنها تعود إلى القبر من آن لآن تحدوها نزعة حلوة من إيثار لتؤنس المسكينة مومياءها في وحدتها ، وتراهم يرسمونها على التابوت طائراً هابطا إليه أو مستقراً عليه . وفيها أنا ماض في الظلمة بين العمد على أحجار أرض المعبد لا أكاد أري رسم الزوارق المقدسة على الحوائط ورسم حورس وتوت الملك بين يدى ازبريس ، وددت لو أنى بدل صخب الخفافيش سمعت الرفرفة اللطيفة لجناحى " با " هاتور جاءت هابطة من الفردوس لتؤنس رسمها في هذا المعبد الصحراوي الموحش . إني إخال هاتور امرأة بائسة تقاسي ما تقاسي في الوحدة النساء .

في متحف القاهرة توجد مومياء السيدة " أما نيت " سادنة الإلهة هاتور تنام هناك على ظهرها وجسمها التحيل بميل قليلا إلي الجانب الأيسر كانما تهم بأن تتقلب ورأسها بميل كلية إلي ذلك الجانب ، فمها فاغر ينحسر عن الاسنان واللسان ، وشعرها الخفيف الداكن يصنع خطا فوق أذنها الصغيرة ويندمج وراء الرأس في غدائر صناعية ، وحول العنق حلي من عقود وتمائم ، والذراع اليمنى ممتدة إلي جوار الجسم ، وسحنة الوجه غاية في الغرابة والإبهام ، فهي تجمع بين الفزع ، وفيه حركة ، وبين نوم عميق في غير متناول الاقلاق . وها أنا بمعبد دندرة أتصور السيدة " أمانيت " تقوم في حزن وخوف على خدمة إلهية مهجورة مستوحشة ، تنتقل وجلة في ظلمة أبدية ، ثم تموت وقد هدها الاعياء بأعياء أثقل مما يحتمله جسمها الرقيق وروحها المرهف ، والآن تنام السيدة " أمانيت" كما يبدو للناظر إلي موميائها ، نوما إن لم يكن هادئا فهو عميق ،

وإلهتها هنا علي عمود في سهاد .

وعندما خلصت إلي نور النهار الضاحي طوقت حول المعبد لأري امرأة أخرى تكاد تكون في الحسن والإغراء أسطورة كأفروديت . وهل أنسب مكانا من معبد هاتور بحفر عليه رسم كليوبترا ؟ هذي هي في حضرة الآلهة وبصحبة ابنها سيزارون ، ليس بوجهها نقيض حزين كوجه الإلهة ، بل فيه قسوة مطمئنة وشهوة ليست من الألوهية في شئ . هذه ليست صورة صادقة لكليوبترا ، لكن وجه هاتور علي أي حال بوحي بمعنى أرفع وأفق أعلى .

وبينما أناراكب في عودتي إلي النهر لقيت الغلام لابس الحزام من العشب المضفور ، وحياتي مرة أخري بنهارك سعيد ، دعوة طيبة من غير شك ، لكن إليهة دندرة كانت تمض بالي . وذكرت أسطورة الحسناء " لا يبس " إذ أدركها الكبر فاستخفت بخمار عن عيون الرجال،

وراحت كلما أمسى المساء تأخذ سمتها إلي تمثال لها كان العبقري " براكستليز " قد أخلد فيه ذلك الجمال الذي لم تستطع المرأة أن تمسكه عليها . وذات مساء وجد المثال  على قاعدة التمثال باقة زهر علقت بها مرآة خطت على وجهها الصقيل هذه الكلمات " يا معبودتي! لا يبس تدع عندك مرآتها . لم تعد تري فيها ما كانت عليه ، وتكره  أن تري ما آلت إليه " .

وهاتور دندرة ذات العينين الحزينتين ، القائمة على العمود في القاعة الأولى ، لو أن لها مرآة لعلقتها ، كما فعلت لا يبس ، على قاعدة تمثال أفروديت مصر ، ولو أن لها خمارا لضربت على ذلك الوجه المستوحش المرتاع الشاكى  ضراوة المسيحية ، ولقالت للأبهاء المظلمة وللصحراء اللاممة  وللنيل : " عبدت في يوم مضي ومالي اليوم من عابد "

اشترك في نشرتنا البريدية