الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 591 الرجوع إلى "الثقافة"

سرتسى خاما

Share

طالعت قصة الشاب الزنجى سرتسى خاما كما روتها الصحف المصرية فلم أعرها انتباها كثيرا ؛ ثم طالعت صحف انجلترة ، فإذا هذه القصة قد ارتجت لها المحافل ، وامتلأت بانيائها وملابساتها أعمدة الجرائد ؛ وثارت عاصفة من الجدل الحار فى البرلمان البريطانى نفسه ، هوجمت فيها الحكومة مهاجمة لا رفق فيها ولا هوادة . وترددت فى الخطب الرنانة التى ألقيت هناك عبارة " الشرف ؟ ، وهى كلمة عزيزة نادرة فلما تسمعها جدران تلك الدار الموقرة وقلما يرددها خطباؤها المصاقع . .

لقد مضى على الإنجليز سبعون عاما يعدون بالجلاء عن وادى النيل ، ويخلفون وعدهم للمرة بعد المرة دون أن تثار مسألة الشرف فى البرلمان البريطانى . وحشد الانجليز الصهيونين فى أرض فلسطين وهم يقسمون بالله جهد ايمانهم أنهم سيحافظون على حقوق العرب ، ويحمونهم من عدوان اليهود ، ثم تركوا العرب عزلا من السلاح ورأوا اليهود يفتكون بهم فى ديارهم ، فلم يحركوا ساكنا ، ولم تخطر عبارة الشرف ببال عضو واحد من اعضاء ذلك البرلمان .

ومع ذلك اثيرت مسألة الشرف بعنف فى قضية سرتسى خاما ؛ لم يثيرها عضو متحمس لا يزن كلامه بميزان دقيق ، بل آثارها شيخ وقور وسياسى محنك وهو مستر ونستن تشرشل نفسه ، الذي لا يعرف عنه أنه قال يوما كلمة طيبة فى حق المصريين أو عرب فلسطين .

فلا بد أن يكون لقصة هذا الشاب شأن أجل وأعظم

مما كنا نعرف . فيجدر بنا أن نتأملها عن كثب ، بعد أن أثارت كل هذه الضجة فى عواصم الإمبراطورية البريطانية . لهذه القصة أبطال ثلاثة يحتلون المكان الرئيسى من

المسرح ، غير أن هذا المسرح نفسه مسرح مزدوج : نصفه فى إفريقية الجنوبية ، وعلى الأخص فى بلاد بنشوانا ، التى تشملها الحماية البريطانية ، والنصف الآخر فى بلاد الإنجليز ، على ضفاف نهر التيمس ؟ وبين المسرحين مسافة تقدر بآلاف الأميال ، لأن أحدهما فى جنوب نصف الكرة الجنوبى ، والثانى فى شمال نصف الكرة الشمالى .

أما البطل الأول فهو سرتسى خاما نفسه ، وهو حفيد خاما العظيم زعيم قبيلة بامنجوانو، ووريثه فى زعامة هذه القبيلة ، وهى من اعظم وأشهر قبائل بنشوانا لند . وقد أراد أولو الأمر أن يعدوا سرتسى إعدادا حسنا لاحتمال أعباء الحكىم ، فاختاروا له أحسن المؤديين وأرفى المعاهد العلمية فى بلاد الانجليز ، حتى التحق بجامعة أكسفورد ، ونزل فيها بكلية بالبول ، حيث عاشر أبناء النبلاء والأمراء والعظماء . وجميع الشواهد تدل على أنه كان طالبا نجيبا محببا إلى نفوس زملائه . فقد أرسل مائة وستة وثلاثون منهم خطابا إلى جريدة التيمس يحتجون فيها على المعاملة السيئة التى عومل بها زميلهم .

أما البطل الثانى فى هذه المسرحية فهو عمه تشيكيدى ، الوصى على زعامة القبيلة أثناء غياب ابن أخيه فى طلب العلم ببلاد الانجليز . وقد طالت غيبة ولى العهد فى تلك الديار

فاتاحت هذه الغيبة الطويلة للعم فرصه لاكتساب الأعوان والأنصار ، ولتوطيد مركزه فى القبيلة .

وكلا هذين البطلين كما ترى من صميم إفريقية الجنوبية ، أما البطل الثالث فمن بلاد الإنجليز ، وهو عبارة عن فتاة مليحة صبية أحبها سرتسى خاما وأحبته ، وختم الحب بينهما بخاتم الزواج ، وباركت الكنيسة هذا الزواج ، لأن كلا الزوجين نصرانى يدين بالمذهب البروتستنتى

تم هذا الزواج فى شهر سبتمبر سنة ١٩٤٨ ، فلم يكد العم يحيط به علما حتى أخذ يستميل الأعوان والأنصار لكى يعلنوا أن سرتسى خاما بزواجه هذا قد ضحى بحقه فى ولاية شئون القبيلة وزعامتها . ولكن سرتسى كان له أيضا أنصاره وأعوانه . ولذلك بادر بالسفر إلى وطنه وقبيلته . مصطحبا معه زوجته الإنجليزية . وأخذ يطالب بحقه الشرعى . وعقد شيوخ القبيلة ورؤساؤها ثلاثة مؤتمرات متعاقبة . لكى يفصلوا فى الخلاف الناشب بين ولى العهد وعمه . وفى كل مؤتمر تزداد كفة الشاب رجحانا ، وتزداد كفة عمه خسرانا . ومع ذلك زعم الإنجليز أن المؤتمرات لم تصل إلى نتيجة حاسمة . وأن لابد من ارسال قاض انجليزى محايد لكى يحقق صحة القرارات التى اتخذت فى هذه المؤتمرات . وكان من سوء حظ وزارة المستعمرات البريطانية ، أن كان هذا القاضى رجلا نزيها لا تأخذه فى الحق لومة لائم . فقام بالتحقيق على الوجه الا كمل ، وتبين له أن المؤتمر الثالث والأخير كان بلاشك راضيا كل الرضى عن زعامة سرتسى خاما وعن زوجته الإنجليزية ، وعن نسلهما وأحفادهما . . وكتب القاضى تقريره ورفعه إلى وزارة المستعمرات .

وتسلم الوزير المختص هذا التقرير ، وأودعه ركنا خفيا من أركان وزارته ، وأبى أن ينشره أو يذيع شيئا عنه . وطلب من ولى العهد وعمه أن حضرا إلى لندن " للحديث والشاورة " . فحضر سرتسى خاما بسلامة نية ، تاركا زوجه فى وطنه فى رعاية أهله وانصاره . واثقا انه سعود إليها بد أيام أو أسابيع ، غير أنه لم يكد يصل إلى لدن حتى طالبته وزارة المستعمرات بأن يعلن تنازله عن زعامة القبيلة . فأبى سرتسى النزول عن حق تؤيده فيه قبيلته كل التأييد . وعند ذلك أمر الوزير يوقفه عن تولى زعامة القبيلة خمس سنوات ، ويمنعه من أن يعود إلى بلاده فى أثناء هذه المدة . ثم صدر الأمر إلى المفتش الإنجليزي فى بتشوانالند بأن يدير أمور القبيلة ويتولى حكمها " مؤقتا " .

وهذا الفصل الاخير من الرواية هو الذى اثار مسالة الشرف وعدم الشرف ، لأن وزارة المستعمرات استدرجت الزعيم الشاب إلى العاصمة البريطانية ، للبحث والمشاورة ، وهى تبيت له النفى والتشريد من بلاده . . ومن الإنصاف للحكومة البريطانية أن تذكر أن هذا الأسلوب ليس بالجديد عليها ، فقد اتبع مثله أثناء ثورة العراق ، حين استدرج زعيم عراق لتناول الشاى مع المندوب السامى وزوجه ، ثم قبض عليه وهو عائد إلى منزله . ولكن مستر تشرشل تناسى هذه التقاليد ، ولذلك رفع صوته بالاحتجاج على حكومة العمال ، متهما إباها بأنها نكبت من طريق الشرف .

ومما زاد المشكلة تعقيدا أن الزعيم سرتسى ترك زوجه الإنجليزية ، وهى تنتظر حادثا سعيدا . ومن القسوة التى لا يطيق الإنجليز تصورها أن يفرق بين المرء وزوجه وهى فى مثل هذا الحال . ولذلك اضطر وزير المستعمرات أن يعد بالسماح للزعيم المنفى أن يعود إلى جوار زوجته ، على أن يبادر بمغادرة البلاد بعد ذلك . وليس من السهل على سرتسى أن يعود إلى بلاده . لأنها تقع جغرافيا وسط اتحاد جنوب افريقية . ولهذا الاتحاد حكومته المستقلة تمام الاستقلال وإن كانت جزءا من الإمبراطورية البريطانية . وهى الدولة الوحيدة فى العالم التى تحرم الزواج بين البيض وغيرهم من الأجناس . ولذلك لم تكد تسمع بزواج سرتسى حتى أصدرت أمرا تحرم عليه دخول أرضها فى أى وقت من الأوقات ، ولابد من مجهود خاص تبذله حكومة لندن حتى تيسر للزوج أن يعود إلى زوجته وأن يظل بجانبها بضعة أيام .

وفوق ذلك اجتمع ألف من أنصار الزعيم الشاب فيى العاصمة البريطانية وألقوا الخطب الرنانة ، ورفعوا التماسا إلى القصر البريطانى لكى يتدخل فى الأمر ويرد إلى الزعيم كرامته . وأرسل مشايخ القبيلة احتجاجا إلى الحكومة البريطانية يتهمونها بأنها تتبع الأساليب المازية . وأعلنوا أنهم سيقاطعون الحكومة التى فرضت عليهم ، وأنهم سيمتنعون عن دفع الضرائب . وحاول المندوب السامى فى إفريقية الجنوبية أن يجمعهم للمشاورة ، فلم يحضر أحد منهم معلنين أنه لن يكون من بينهم كويسلنج واحد

وقد سمحت الحكومة البريطانية أخيرا للزعيم المنفى أن يطير إلى جوار زوجته بضعة أيام ، ثم يعود على الفور إلى منفاه ، على شرط أن لا يعقد اجتماعات أو يلقى خطبا ، وان

يمتنع عن كل نشاط فى قبيلته . ولا شك أنه قد أطاع هذه الأوامر حرصا على رؤية زوجته .

وبعد ، فإن لهذا الحادث ناحيته الإنسانية وهى واضحة ، وله أيضا ناحية عالمية ، فإن المداد الذى كتبت به وثيقة حقوق الإنسان ، التى طبل لها العالم وزمر ، لم يكد يجف ، وإعلان حقوق الإنسان قد تضمن فيما تضمن حق كل إنسان فى الزواج بمن يشاء ، فى أى وقت شاء ، دون أن يضار فى شأن من شئون حياته بسبب هذا الزواج .

وكانت الحكومة البريطانية جديرة أن تغض النظر عن زواج الأمير الزنجى من فتاته الإنجليزية ، لولا أنها

تخشى حكومة اتحاد إفريقية ، التى ما برحت طامعة فى الاستيلاء على بتشوانالند ، وضمها إلى أملائها . والحكومة البريطانية اعتادت أن تضعف وتستخذى أمام رغبات إفريقية الجنوبية ، وقد طالما هددت هذه البلاد بالانفصال عن الإمبراطورية البريطانية . ولذلك لا بد لحكومة لندن أن نجتنب كل ما من شأنه أن يغضب البيض الذين يحكمون إفريقية الجنوبية ، حتى لو اضطرت إلى تضييع حقوق الإنسان وارتكاب ما يخل بالشرف ، والشرف على كل حال ليس من الأشياء التى حرصت بريطانيا العظمى دائما على رعايته والتمسك بأهدابه .

اشترك في نشرتنا البريدية