الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 182الرجوع إلى "الثقافة"

سرقة بغير سارق

Share

من الذكريات التي تستأثر بوجدان كامل افندي كامل واحدة كما استدعاها من غياهب الماضي لبث في هالة من نور الوضوح والقوة وايقظت في صدره العواطف والانفعالات التى بعثها فيه وقت حدوثها ، فتتمثل لوعيه ممتلئة حياة ، حتى لتوشك أن تحرك أعضاءه وتدفع بالدم إلى أطرافه دافقا . .

كان ذلك لسنوات خمس خلون . وفي مساء من أماسي يناير والجو قارس البرودة ، والهواء يندفع في شوارع القاهرة مزمراً يبعث القشعريرة في الأطراف المرتعشة والأسنان المصطكة . وكان يأوي من سينما ديانا إلى مأوي دفئ ، ساخن بأنفاس النظارة ، فاطمأن إلى مجلسه من الصفوف الخلفية واضعا معطفه على حجره متتبعا الحوادث التي تعرضها جريدة البرق .

ولم يكن ذاك اليوم خلي البال ولا صافي النفس ، فقد احتدم الشقاق بينه وبين رئيس قسم الرسم بوزارة الحربية . ونفد صبر الرجل فكتب مذكرة يقترح فيها حرمانه من العلاوة التي يستحقها قريبا ، واجمع على رفعها إلى المدير العام ، وذهبت مساعي محبى الخير سدي ، فلم تئن الرجل عما أجمع عليه . وكان يحتقر رئيسه ويخيل إليه شبابه أنه تركه بالية ولي زمانها ؛ على أنه لم يغب عنه معنى المذكرة لو تحقق الاقتراح التي تضمنته ، واستولت عليه الكآبة وتبلبلت أفكاره وظل يومه مغتما . وقد مضي إلى السينما فرارا من فكره ، ولكنها لم تغن عنه كثيرا ؛ فجعل يتابع اخبار جريدة البرق المصورة بانتباه مذبذب ، بين ما تعرضه الشاشة وما تقلق له نفسه ، حتى أضاءت الأنوار مؤذنة بالأستراحة ؛ فنهض واقفا وترك معطفه على مقعده ، ومضي إلي المقصف فاحتسي فنجانا من القهوة ، ووجد الجو في الخارج شديد البرودة فعاد إلي مقعده واتخذ مجلسه واضعا معطفه على حجره كما كان .

وأخذ يتسلي بالنظر فيما حوله في هدوء وعدم اكتراث ، ثم لاحت منه التفاتة إلى معطفه فحال أنه يرى شيئا لم يتبينه يبرز من الجيب ، فأمعن فيه النظر فأدرك انه طرف ورقة من ذات الجنيه ، ولاح في وجهه الانكار ، لأنه ذكر جيدا أنه غادر البيت وجيبا معطفه خاليان وقد قطع الطريق ما بين محطة الترام والسينما واضعا يديه في جيبيه ، وهو إلى ذلك استبدل بآخر جنيه تبقى له من مرتبه نقودا فضية ؟ فمن أين أتي هذا الجنيه ؟ وكيف وضع في جيبه !

وتحير من أمره ، لأن وجود جنيه غريب في جيب إنسان مما يحير حقا . خاصة إذا حدث هذا في مكان عام كالسينما حافل بخلق حاشد من الناس ، وخطر له خاطر عجيب ، والخواطر ترد على الذهن أحيانا كأنما تبعثها قوة خفية فتكشف عن حقائق غاية في القوة والإبداع ، أو توقع في الضلال المبين . وفي كلتا الحالتين يغدو الانسان لعبة بين يديها لا رأي له ولا حيلة . وقد خطر له أن يكون بين الجالسين حوله نشال بارع ، لعله دس يداً إلي جيب واحد من جيرانه وانتشل الورقة النفيسة ، ولكنه لسبب من الأسباب لم يتمكن من إيداعها جيبه ، أو خشي أن تلفت حركته بعض الأنظار ، فدسه في جيب معطفه حتى يعود إليه في أمن من الرقباء ...... وقد حاول أن يجد لظهور الجنيه في جيبه تعليلا فلم يظفر إلا بهذا ، وقوي أثره في نفسه ، فاشتد وضوحه في ذهنه ، وصارت له صفة الحقائق الملموسة ، واستولي عليه القلق ؛ فابتعدت يده عن الجيب ، ورفع عنه ناظريه ، لأنه أيقن أن عينا بغير شك تراقبه عن كثب ، واشتد قلقه ، واستحوذ عليه الخوف ، وأمضته هذه الحقيقة الرهيبة ، وهي أنه يحوز جنيها مسروقاً . . فكيف يطمئن ، وخطر الافتضاح قد يكون أقرب مما يتصور ! . وازدادت مخاوفه ، وتساءل ساخطاً : من عسي أن يكون ذلك الذي أوقعه في الحرج والضيق ؟ . . إنه يذكر حين أشرف على مقعده بعد احتساء القهوة ، أنه رأي

جاره الأيسر مائلا في جلسته إلي ناحيته ، إنه يذكر ذلك جيدا ؛ فهل كان يتوثب لاسترداد صيده ؟ . . إن قلبه يحدثه بأن ذلك الجار هو النشال الخطير . . وأراد أن يختلس منه نظرة ، وقد وجد في تحقيق إرادته مشقة ، فعطف رأسه بعد تردد إليه . وفي تلك اللحظة تحول رأس الرجل نحوه ، فالتقت عيناهما فخفق قلبه بشدة ، وعض طرفه ، وقد أحس نظرته تنفذ إلى صميم قلبه ، وقطع الشك باليقين ؛ فلم يعد يشك في أنه ناشل الجنيه الماكر ، وقوي شعوره بأنه فطن إلي قلقه ومخاوفه ، وأنه - بتلك النظرة الحادة النافذة - قرأ أفكاره وهواجسه ، ولا ريب أنه يرصد حركاته ، ويراقب الورقة الثمينة بطرف خفي ساهر وهو آمن مطمئن . .

وانطفأت الأنوار وبدأ عرض العلم فارتاح للظلمة قليلا ، ولكن جاره مال نحوه وارتفق يد مقعده وأسند ذقنه إلى كفه . وقد تمني صادقا أن يسترد الجنيه ويكفيه شره ، ولكنه في نفس الوقت تحسست يده حافظته في خوف وحذر ، وعلى حين غرة خطر له خاطر جديد أشد عذابا من الأول . ألا يحوز أن الرجل وجد الجنيه بعد استلابه معلما بإمضاء أو نحو ذلك قدسه في جيب معطفه حتى يطمئن إلى غفلة صاحبه ؟ . . إنه فرض محتمل جدا ، وقد يفتقد المسلوب الجنيه فلا يجده ، وهنالك يتهدده خطر الافتضاح والجريمة ، ويعوزه الدليل الذي يدفع به عن نفسه التهمة الخطيرة . وبلغ به القلق حد الذعر والفزع ، فتقصد جبينه عرقاً بارداً ، وخال أن طمأنينته وسعادته وشرفه أمست معلقة بخيط واه ، انقصافه رهن بإشارة بسيطة تصدر عن صاحب الورقة المجهول . وتململ في مجلسه ، وأرهقت أعصابه إرهاقا شديدا فدوي نبض صدفيه في أذنيه وأحس اختناقاً ، وضاق صدره ، وبعث الجزع في صدره استهانة ، فقال لنفسه : إذا لبثت هنا فلن تنتهي الليلة بسلام " . ونهض قائما وأخذ معطفه وغادر المكان إلي البهو الخارجي ، وكان يظن أن

الرجل حتما تابعه على الأثر ، ولكنه لم يأبه لذلك كثيرا ، وتقدم نحو الباب الخارجي ، فلفحه الهواء البارد ، فارتدي المعطف ، ثم انعطف نحو الطريق المؤدي إلي شارع فؤاد الأول ومضي في سبيله . وكان انتباهه موجها إلي ما وراءه ؟ فوصل إلي أذنيه وقع أقدام تتيمه عن بعد قريب ، وخال أنه يري صاحبها رؤية العين ، ولكنه لم تؤاته شجاعته على إطاعة رغبته في التحقق من ذلك ، فحث خطاه وقد عاوده بعض قلقه ، وجعل يقول لنفسه ليهدئ روعها : " من الحماقة أن أخاف لصا أحق بأن يخافني ويخاف الناس جميعا ." ولكنه كان يخشى في الواقع أن يبغت بما ليس في الحسبان ، كما بغت بوجود الجنيه في جيبه ، وعزم على أن يتخلص نهائيا من دواعي القلق ؛ فأدنى يده من الجيب وأمسك الورقة بطرفي إصبعيه وسحبها بلطف وتركها تسقط على الأرض وهو يقول : " فليذهب بها إلي الشيطان ؟ . ومضي وهو يتنفس الصعداء..  ولكنه لم يكد يخطو بضعة أمتار حتى سمع هاتفا يقول : " يا أفندي " فالتفت وراءه منزعجا لغير ما سبب واضح فرأي الرجل الذي كان يتبعه - وقد أدرك أنه يراه لأول مرة في حياته - يقبل نحوه مادا يده بالجنيه وهو يقول : " لقد سقط هذا منك " فأذهلته الدهشة وتناول الورقة بحركة آلية ، وهو يعجب لهذا الجنيه الذي يأبي أن يفارقه ، وألقي نظرة على ما حوله فوجد الطريق كالمغفر ، فداخلته الطمأنينة وبات كل ما يهمه هو ماذا يصنع بهذا الجنيه الذي لا حق له فيه . وسار متفكرا ودس يده في جيبه فإذا بأنامله تلمس رزمة من الأوراق فارتجف كأنما مست نارا ، واستخرج ما في جيبه فوجد في يده ثمانية جنيهات . رباه ..  هل تتوالد الجنيهات في جيبه ؟ . . من أين جاءت هذه الثروة الصغيرة ؟ ! ووقف ينظر في الأوراق بعينين ذاهلتين ، وقد انعقد لسانه من الدهشة والانكار ، ولم يجد للمسألة إلا حلا واحدا ، هو أن النشال اختلس

في الواقع ثمانية جنيهات وخبأها في جيبه ، ولكنه رأي طرف واحد منها فقط . . وتفحص ما حوله بحذر فلم يجد ما يريبه ؛ فاختبر الجنيهات بعناية فلم يعثر بها على أي علامة ! فعجب كيف رضي الرجل أن يودع هذه الثروة جيبه ويرضى من الغنيمة بالاباب . . ولم ير بداً من العودة إلى بيته فقال لنفسه وهو يستأنف السير : " مهما يكن من امر هذه الجنيهات فسوف أجد وسيلة لردها إلى صاحبها . . "

وفي صباح اليوم الثاني ذهب إلى قسم الرسم بوزارة الحربية حيث يعمل رساما ، ولم يكن انتهى من مسألته إلي حل ، فجعل في نيته أن يستعين بمشورة أصحابه . على انه بمجرد ان دخل الحجرة ووقع بصره على رئيسه نسي مسألته إلى حين . وعاودته عواطف الحنق والموجدة , وذكر العلاوة التي قد يحرم منها ، فاسترجع ضيقه وحزنه . وكان يجلس إلى جانبه شاب من زملائه المحبوبين يشاركه عواطفه نحو الرئيس ، فمال نحوه وهمس في أذنه :

- انتقم الله لك منه فأدرك كامل انه يعني الرئيس دون غيره فسأله بلهفة : - كيف ؟

فقال الشاب بنفس الصوت الخفيض : - أضاع أمس ثمانية جنيهات ، وأنت تعلم مقدار حرصه وشحه :

فحدجه كامل بعينين متسعتين ، وقد نفذ كلامه إلى قلبه ، ولكن الآخر لم يفطن إلي بواعث دهشته الحقيقية ، فاستدرك قائلا :

- وقد قال إنها كانت في جيب معطفه ، وإنه أودعها بنفسه هنا فلا محل للقول بأنه فقدها في الطريق ، وجعل بهدر مفيظا محنقا حتى كاد يذرف الدمع ساخنا . ونظر كامل إلي مشجب الحجرة فرأي معطفه معلقا إلي جانب معطف الرئيس ؛ فلم يشك في ان الرجل أودع نقوده في جيبه سهوا وخطأ ، هذا هو الحل المعقول للمسألة

التي أفزعته في السينما ، وسهدت ليلته وولدت في قلبه أوهاما لا أساس لها من الحق . . وهز رأسه وقد علت شفتيه ابتسامة ، ونظر صوب الرئيس المكفهر الوجه بغيظ وكبر عليه أن يسخره القضاء لكشف غمته . . على أنه لم يكن من الأمر بد ؛ فنهض منتافلا ومضي نحو مكتب الرئيس وأبرز الأوراق من جيبه بسكون ووضعها بين يديه وهو يقول : " هاك نقودك ترد إليك بمشيئة الله " ! فحملق الرجل في الجنيهات ثم في وجهه ، وثبت النظارة على عينيه وقد جرت الدهشة فى ناظريه وتألق وجهه بنور فرح لم يستطع كتمانه ؟ . فقص عليه الشاب القصة بحذافيرها . ومنذ ذاك اليوم صفا بينهما الجو ، فلم يعد الرجل في نظره تركه بالية ، ولم يعد هو في نظره غلاما مشاكسا .

اشترك في نشرتنا البريدية