من الذكريات التي تستأثر بوجدان كامل افندي كامل واحدة كما استدعاها من غياهب الماضي لبث في هالة من نور الوضوح والقوة وايقظت في صدره العواطف والانفعالات التى بعثها فيه وقت حدوثها ، فتتمثل لوعيه ممتلئة حياة ، حتى لتوشك أن تحرك أعضاءه وتدفع بالدم إلى أطرافه دافقا . .
كان ذلك لسنوات خمس خلون . وفي مساء من أماسي يناير والجو قارس البرودة ، والهواء يندفع في شوارع القاهرة مزمراً يبعث القشعريرة في الأطراف المرتعشة والأسنان المصطكة . وكان يأوي من سينما ديانا إلى مأوي دفئ ، ساخن بأنفاس النظارة ، فاطمأن إلى مجلسه من الصفوف الخلفية واضعا معطفه على حجره متتبعا الحوادث التي تعرضها جريدة البرق .
ولم يكن ذاك اليوم خلي البال ولا صافي النفس ، فقد احتدم الشقاق بينه وبين رئيس قسم الرسم بوزارة الحربية . ونفد صبر الرجل فكتب مذكرة يقترح فيها حرمانه من العلاوة التي يستحقها قريبا ، واجمع على رفعها إلى المدير العام ، وذهبت مساعي محبى الخير سدي ، فلم تئن الرجل عما أجمع عليه . وكان يحتقر رئيسه ويخيل إليه شبابه أنه تركه بالية ولي زمانها ؛ على أنه لم يغب عنه معنى المذكرة لو تحقق الاقتراح التي تضمنته ، واستولت عليه الكآبة وتبلبلت أفكاره وظل يومه مغتما . وقد مضي إلى السينما فرارا من فكره ، ولكنها لم تغن عنه كثيرا ؛ فجعل يتابع اخبار جريدة البرق المصورة بانتباه مذبذب ، بين ما تعرضه الشاشة وما تقلق له نفسه ، حتى أضاءت الأنوار مؤذنة بالأستراحة ؛ فنهض واقفا وترك معطفه على مقعده ، ومضي إلي المقصف فاحتسي فنجانا من القهوة ، ووجد الجو في الخارج شديد البرودة فعاد إلي مقعده واتخذ مجلسه واضعا معطفه على حجره كما كان .
وأخذ يتسلي بالنظر فيما حوله في هدوء وعدم اكتراث ، ثم لاحت منه التفاتة إلى معطفه فحال أنه يرى شيئا لم يتبينه يبرز من الجيب ، فأمعن فيه النظر فأدرك انه طرف ورقة من ذات الجنيه ، ولاح في وجهه الانكار ، لأنه ذكر جيدا أنه غادر البيت وجيبا معطفه خاليان وقد قطع الطريق ما بين محطة الترام والسينما واضعا يديه في جيبيه ، وهو إلى ذلك استبدل بآخر جنيه تبقى له من مرتبه نقودا فضية ؟ فمن أين أتي هذا الجنيه ؟ وكيف وضع في جيبه !
وتحير من أمره ، لأن وجود جنيه غريب في جيب إنسان مما يحير حقا . خاصة إذا حدث هذا في مكان عام كالسينما حافل بخلق حاشد من الناس ، وخطر له خاطر عجيب ، والخواطر ترد على الذهن أحيانا كأنما تبعثها قوة خفية فتكشف عن حقائق غاية في القوة والإبداع ، أو توقع في الضلال المبين . وفي كلتا الحالتين يغدو الانسان لعبة بين يديها لا رأي له ولا حيلة . وقد خطر له أن يكون بين الجالسين حوله نشال بارع ، لعله دس يداً إلي جيب واحد من جيرانه وانتشل الورقة النفيسة ، ولكنه لسبب من الأسباب لم يتمكن من إيداعها جيبه ، أو خشي أن تلفت حركته بعض الأنظار ، فدسه في جيب معطفه حتى يعود إليه في أمن من الرقباء ...... وقد حاول أن يجد لظهور الجنيه في جيبه تعليلا فلم يظفر إلا بهذا ، وقوي أثره في نفسه ، فاشتد وضوحه في ذهنه ، وصارت له صفة الحقائق الملموسة ، واستولي عليه القلق ؛ فابتعدت يده عن الجيب ، ورفع عنه ناظريه ، لأنه أيقن أن عينا بغير شك تراقبه عن كثب ، واشتد قلقه ، واستحوذ عليه الخوف ، وأمضته هذه الحقيقة الرهيبة ، وهي أنه يحوز جنيها مسروقاً . . فكيف يطمئن ، وخطر الافتضاح قد يكون أقرب مما يتصور ! . وازدادت مخاوفه ، وتساءل ساخطاً : من عسي أن يكون ذلك الذي أوقعه في الحرج والضيق ؟ . . إنه يذكر حين أشرف على مقعده بعد احتساء القهوة ، أنه رأي
جاره الأيسر مائلا في جلسته إلي ناحيته ، إنه يذكر ذلك جيدا ؛ فهل كان يتوثب لاسترداد صيده ؟ . . إن قلبه يحدثه بأن ذلك الجار هو النشال الخطير . . وأراد أن يختلس منه نظرة ، وقد وجد في تحقيق إرادته مشقة ، فعطف رأسه بعد تردد إليه . وفي تلك اللحظة تحول رأس الرجل نحوه ، فالتقت عيناهما فخفق قلبه بشدة ، وعض طرفه ، وقد أحس نظرته تنفذ إلى صميم قلبه ، وقطع الشك باليقين ؛ فلم يعد يشك في أنه ناشل الجنيه الماكر ، وقوي شعوره بأنه فطن إلي قلقه ومخاوفه ، وأنه - بتلك النظرة الحادة النافذة - قرأ أفكاره وهواجسه ، ولا ريب أنه يرصد حركاته ، ويراقب الورقة الثمينة بطرف خفي ساهر وهو آمن مطمئن . .
وانطفأت الأنوار وبدأ عرض العلم فارتاح للظلمة قليلا ، ولكن جاره مال نحوه وارتفق يد مقعده وأسند ذقنه إلى كفه . وقد تمني صادقا أن يسترد الجنيه ويكفيه شره ، ولكنه في نفس الوقت تحسست يده حافظته في خوف وحذر ، وعلى حين غرة خطر له خاطر جديد أشد عذابا من الأول . ألا يحوز أن الرجل وجد الجنيه بعد استلابه معلما بإمضاء أو نحو ذلك قدسه في جيب معطفه حتى يطمئن إلى غفلة صاحبه ؟ . . إنه فرض محتمل جدا ، وقد يفتقد المسلوب الجنيه فلا يجده ، وهنالك يتهدده خطر الافتضاح والجريمة ، ويعوزه الدليل الذي يدفع به عن نفسه التهمة الخطيرة . وبلغ به القلق حد الذعر والفزع ، فتقصد جبينه عرقاً بارداً ، وخال أن طمأنينته وسعادته وشرفه أمست معلقة بخيط واه ، انقصافه رهن بإشارة بسيطة تصدر عن صاحب الورقة المجهول . وتململ في مجلسه ، وأرهقت أعصابه إرهاقا شديدا فدوي نبض صدفيه في أذنيه وأحس اختناقاً ، وضاق صدره ، وبعث الجزع في صدره استهانة ، فقال لنفسه : إذا لبثت هنا فلن تنتهي الليلة بسلام " . ونهض قائما وأخذ معطفه وغادر المكان إلي البهو الخارجي ، وكان يظن أن
الرجل حتما تابعه على الأثر ، ولكنه لم يأبه لذلك كثيرا ، وتقدم نحو الباب الخارجي ، فلفحه الهواء البارد ، فارتدي المعطف ، ثم انعطف نحو الطريق المؤدي إلي شارع فؤاد الأول ومضي في سبيله . وكان انتباهه موجها إلي ما وراءه ؟ فوصل إلي أذنيه وقع أقدام تتيمه عن بعد قريب ، وخال أنه يري صاحبها رؤية العين ، ولكنه لم تؤاته شجاعته على إطاعة رغبته في التحقق من ذلك ، فحث خطاه وقد عاوده بعض قلقه ، وجعل يقول لنفسه ليهدئ روعها : " من الحماقة أن أخاف لصا أحق بأن يخافني ويخاف الناس جميعا ." ولكنه كان يخشى في الواقع أن يبغت بما ليس في الحسبان ، كما بغت بوجود الجنيه في جيبه ، وعزم على أن يتخلص نهائيا من دواعي القلق ؛ فأدنى يده من الجيب وأمسك الورقة بطرفي إصبعيه وسحبها بلطف وتركها تسقط على الأرض وهو يقول : " فليذهب بها إلي الشيطان ؟ . ومضي وهو يتنفس الصعداء.. ولكنه لم يكد يخطو بضعة أمتار حتى سمع هاتفا يقول : " يا أفندي " فالتفت وراءه منزعجا لغير ما سبب واضح فرأي الرجل الذي كان يتبعه - وقد أدرك أنه يراه لأول مرة في حياته - يقبل نحوه مادا يده بالجنيه وهو يقول : " لقد سقط هذا منك " فأذهلته الدهشة وتناول الورقة بحركة آلية ، وهو يعجب لهذا الجنيه الذي يأبي أن يفارقه ، وألقي نظرة على ما حوله فوجد الطريق كالمغفر ، فداخلته الطمأنينة وبات كل ما يهمه هو ماذا يصنع بهذا الجنيه الذي لا حق له فيه . وسار متفكرا ودس يده في جيبه فإذا بأنامله تلمس رزمة من الأوراق فارتجف كأنما مست نارا ، واستخرج ما في جيبه فوجد في يده ثمانية جنيهات . رباه .. هل تتوالد الجنيهات في جيبه ؟ . . من أين جاءت هذه الثروة الصغيرة ؟ ! ووقف ينظر في الأوراق بعينين ذاهلتين ، وقد انعقد لسانه من الدهشة والانكار ، ولم يجد للمسألة إلا حلا واحدا ، هو أن النشال اختلس
في الواقع ثمانية جنيهات وخبأها في جيبه ، ولكنه رأي طرف واحد منها فقط . . وتفحص ما حوله بحذر فلم يجد ما يريبه ؛ فاختبر الجنيهات بعناية فلم يعثر بها على أي علامة ! فعجب كيف رضي الرجل أن يودع هذه الثروة جيبه ويرضى من الغنيمة بالاباب . . ولم ير بداً من العودة إلى بيته فقال لنفسه وهو يستأنف السير : " مهما يكن من امر هذه الجنيهات فسوف أجد وسيلة لردها إلى صاحبها . . "
وفي صباح اليوم الثاني ذهب إلى قسم الرسم بوزارة الحربية حيث يعمل رساما ، ولم يكن انتهى من مسألته إلي حل ، فجعل في نيته أن يستعين بمشورة أصحابه . على انه بمجرد ان دخل الحجرة ووقع بصره على رئيسه نسي مسألته إلى حين . وعاودته عواطف الحنق والموجدة , وذكر العلاوة التي قد يحرم منها ، فاسترجع ضيقه وحزنه . وكان يجلس إلى جانبه شاب من زملائه المحبوبين يشاركه عواطفه نحو الرئيس ، فمال نحوه وهمس في أذنه :
- انتقم الله لك منه فأدرك كامل انه يعني الرئيس دون غيره فسأله بلهفة : - كيف ؟
فقال الشاب بنفس الصوت الخفيض : - أضاع أمس ثمانية جنيهات ، وأنت تعلم مقدار حرصه وشحه :
فحدجه كامل بعينين متسعتين ، وقد نفذ كلامه إلى قلبه ، ولكن الآخر لم يفطن إلي بواعث دهشته الحقيقية ، فاستدرك قائلا :
- وقد قال إنها كانت في جيب معطفه ، وإنه أودعها بنفسه هنا فلا محل للقول بأنه فقدها في الطريق ، وجعل بهدر مفيظا محنقا حتى كاد يذرف الدمع ساخنا . ونظر كامل إلي مشجب الحجرة فرأي معطفه معلقا إلي جانب معطف الرئيس ؛ فلم يشك في ان الرجل أودع نقوده في جيبه سهوا وخطأ ، هذا هو الحل المعقول للمسألة
التي أفزعته في السينما ، وسهدت ليلته وولدت في قلبه أوهاما لا أساس لها من الحق . . وهز رأسه وقد علت شفتيه ابتسامة ، ونظر صوب الرئيس المكفهر الوجه بغيظ وكبر عليه أن يسخره القضاء لكشف غمته . . على أنه لم يكن من الأمر بد ؛ فنهض منتافلا ومضي نحو مكتب الرئيس وأبرز الأوراق من جيبه بسكون ووضعها بين يديه وهو يقول : " هاك نقودك ترد إليك بمشيئة الله " ! فحملق الرجل في الجنيهات ثم في وجهه ، وثبت النظارة على عينيه وقد جرت الدهشة فى ناظريه وتألق وجهه بنور فرح لم يستطع كتمانه ؟ . فقص عليه الشاب القصة بحذافيرها . ومنذ ذاك اليوم صفا بينهما الجو ، فلم يعد الرجل في نظره تركه بالية ، ولم يعد هو في نظره غلاما مشاكسا .

