الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 325الرجوع إلى "الثقافة"

سر الخل، في شعر أبى العلا ) ١ (

Share

مضي علي الناس زهاء ألف عام وهم يتناقلون شعر ابى العلاء ويتدارسونه ، ويحرصون على اقتنائه . وهم في ذلك فريقان : فريق يرفعه إلي اسمى مراتب التعظيم والتكريم ، مؤمن بما يدعو إليه ، مكبر لكل ما بقي عليه وفريق آخر يعتقد ان هذا الشعر خليط من حق وباطل وشك ويقين ، وان الكثير منه يدعو إلي الانحراف عن الصراط السوي ، صراط الله العزيز الحميد . وكلا الفريقين مجمع على أن هذا الشعر وليد العبقرية الفذة ونتاج العقلية الجبارة ، وكلاهما حريص على اقتنائه واستظهاره ، وجعله موضوعا للنقاش والاستنشها في مجالس المسامرة والمذاكرة ، وفي المساجلات والمطارحات فما هو السر ياترى في كل هذه العناية والرعاية مع تباين الانظار فيه وتضارب الأفكار حوله ؟ .

يمكن الجواب على هذا السؤال بكلمة واحدة ، فيقال ؛ إن السر في ذلك " جودته " تمشيا مع قانون بقاء الاصلاح . والله اخو خزاعة حيث يقول :

يموت رديء الشعر من قبل أهله

وجهده يبقى وإن مات قائله

ولكن هذا الجواب لا يقنع السائل وله ان يسأل ما سر الجودة في الشعر ؟ أفي ألفاظه ؟ أم في معانيه ؟ ام في أغراضه ؟ أم في أوزانه وقوافيه ؟ .

والجواب على هذا أن شعر أبى العلاء يتحلى بكل هذه المزايا ، فهو جيد في ألفاظه ، جيد في معانيه ، جيد في أغراضه . فإن سعة اطلاع أبى العلاء علي أسرار العربية مكنته من ترصيع شعره بالبارع من الالفاظ الناصع منها . وانا زعيم بأنه لو جمع جامع ماجاء في شعر ابى العلاء من فرائد الانفاظ وتوابغ الكلم لاجتمع له معجم طريف في

بابه بقي الناظر فيه من الكثير من معاجم اللغة . أما الماني التي طرقها أبو العلاء فهي غاية في الدقة والظرافة والإبداع والاختراع مع الكثرة في التنوع والتفرع والتوليد والتجديد . وأما الأغراض فقد به نهج فيها منهجا اختطه لنفسه وابتدعه ابتداعا خالف فيه من قبله ولم يلحقه فيه من بعده وهنا يمكن ان نقسم شعر شاعرنا، إلى قسمين : القسم الأول شعره في الشطر الأول من حياته ، والثاني شعره في الشطر الثاني منها

أما القسم الأول فهو فيه متبع اكثر منه مبتدعا ، فقد رمى فيه إلي الأغراض التي كان يرمي إليها شعراء زمانه ومن سبقهم . على انه تنكب بعض الاغراض التي تصم الشعر ، وتخط من كرامة الشاعر ، مثل المجون والهجاء وغزل الذكر ، والأغابيث التي كان يتعاطاها الحلماء من الشعراء على ان الناقد البصير ليجد في شعره الاول نفحة ثم عن اتجاهه الفلسفي . فإنا نجده عندما يطلق لنفسه السير على سحبتها تندفع في مسالك عميقة من الفلسفة قل أن سمعنا مثلها من شعراء زمانه خذ مثلا على ذلك ما جاء في صدر مريئته لابيه وصدر مريئتة لصديقة الفقيه وهما من أوالي شعره ، ففي الأولى يقول :

جهلنا فلم نعلم على الحرص ما الذي

يراد بنا والعلم لله ذي المرن

إذا غيب المرء استمر حديثه                                                                                    ولم تخير الافكار عنه بما يغني

طير بقيدا من جهينة عنهم

وان يخبر بني بإجهين سوي الظن                                                                            فان تمهدين لا أزال مسئلا

فإني لم أعط الصحيح فأستغني                                                                                  وان لم يكن للفضل ثم مزينة

على النقص فالويل الطويل من الغين

وفي الثانية يقول :

صاح هذي قبورنا تملأ الرح

فأين القبور من عهد عاد

خفف الوطء ما أظن أديم ال

أرض إلا من هذه الأجساد

أمة بحسبونهم للنفاد

خلق الناس للبقاء فضلت

ل إلي دار شقوة أو رشاد

إنما ينقلون من دار أعما

ضجمة الموت رقدة يستريح ال

جسم فيها والعيش مثل السهاد

وهذا يترجم عن نفس أفلقها الشك في أمور واطمأنت إلي اليقين في أمور . فهي في الحالة الأولى تلح في القتال وفي الحالة الثانية تطمئن إلي برد اليقين

أما القسم الثاني من شعر شاعرنا فقد سلك فيه مسلكا خاصا ، ابتدعه لنفسه ابتداعا تنكب فيه جميع الأغراض التي كان ينظم فيها المتقدمون من الشعراء والمتأخرون ، واتجه إلى درس امور لا عهد للشعراء بدراساتها ، واتخذ في ذلك من عقله إماما مرشدا ومنارا هاديا ، يعرض عليه جميع ما يعن له من شؤون الملكوت في السماوات والأرض ، فيقر ما يقره وينفي ما ينفيه ، ويقف موقف الشك فيما يعجز العقل عن البت فيه :

يرتجي الناس أن يقوم إمام

ناطق في الكتبية الخرساء

كذب الظن لا إمام سوي العة                                                                              بل مشيرا في صبحه والمساء

فإذا ما أطعته جلب الرح      مه عند المسير والارساء

نهاني عقلي عن أمور كثيرة     وطبعي اليها بالغريزة جاذب

والعقل يسعى لنفس في مصالحها

فما تطبع إلي الآفات جذاب

تركت مصباح عقل ما اهتدين به

والله أعطاك من نور الحجا فيما

فشاور العقل واترك غيره هدرا

فالعقل خير مشير ضمه النادي

وصرف جل جهوده في دراسة أحوال الإنسان فخللى غرائمه وطباعه ، كما حللى اخلاقه وعاداته ، وانعم النظر

طويلا في ادبانه ومعتقدات ، كما انعم النظر في حياته ومماه وأوليسة امرئ وآخرته . واذا كان لابد لنا من ضرب الأمثلة في هذا الباب فهاك طرقا منها :

انهت به دراساته للغرائز البشرية إلى أن هذا المخلوق المسمى بالإنسان مطبوع على الشر مجبول علي العدوان ، وإذا صدر منه الخير فانما يكون ذلك املة :

شر أشجار علمت بها      شجرات أثمرت ناسا

حملت بيضا وأغربة   وأتت بالقوم انجاسا

كلهم ضمت جوانحه   ماردا في الصدر خناسا

أنعيتم السامج في لجة                                                                                                ورعتم في الجو ذات الجناح

هذا وانتم غرض للردي

فكيف لو خلدتم يا قباح

وما أنتم بالنبات الحميد      ولا بالنخيل ولا بالعشر

ولكن قتاد عديم الجناة          كثير الأذاة أبي غير شر

ما فيهم بر ولا ناسك       إلا إلى نفع له يجذب                                                                                           أفضل من أفضلهم صخرة   لا تظلم الناس ولا تكذب

أما المعتقدات فقد طاف بها طواف خبير بصير ، فانتهي المطاف إلي الاعتقاد ووجود خالق حكيم متصف بجميع صفات الكمال منزه عن جميع صفات النقص :

أثبت لي خالقا حكما  ولست من معشر نفسة

عجبى للطبيب يلحد في الخا

لقي من بعد درسه التشريحا

إذا كنت من فرط السفاء معطلا

فيا جاحد اشهد أنني غير جاحد

أخاف من الله العقوبة آجلا                                                                            وأزعم أم الامر في يد واحد

الله حق وابن آدم جاهل

من شأنه التفريط والتكذيب

واللب حاول أن يهذب أهله                                                                                    فاذا العربة ما لها تهذيب

) له بغية

اشترك في نشرتنا البريدية