الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 36 الرجوع إلى "الثقافة"

سر المقدرة العقلية

Share

هل يستطيع الجراحون الذين يشتغلون بتشريح المخ ان يدلونا على السر في نبوغ بعض الناس وتفوقهم العقلي ، وغباء آخرين أو انحطاط قواهم العقلية إلي حد البلاهة ، بارجاع ذلك إلي بعض الخصائص في نسيج المخ ؟

كانت أول دراسة لأمخاخ النوابغ وأمخاخ غيرهم من ذوي المواهب العادية سنة ١٨٦٠ ، وقام بها الدكتور رودلف واجنر . فقد تناول بالدراسة المقارنة الدقيقة بين مخ " جاوس " احد كبار الرياضيين العالمين ، ومخ " كريس " وهو عامل يومي عادي . وبعد فحص دقيق مجهد لم يجد فرقا بذكر بين المخين ، لا من حيث نسيج كليهما ، ولا من حيث عدد تلافيفهما وعمقها ، ولا من حيث وزنهما . بل لقد وجد في حالات كثيرة أن أمخاخ بعض البله تزن أكثر من أمخاخ بعض الموهوبين

وبعد ذلك بقليل بدا الجراحون والمشرحون يدرسون جوانب خاصة من المخ ، لعلهم يجدون في جزء منها سر المقدرة العقلية ، وغلب على الاذهان ان الجزء الأمامي من المخ هو مركز الملكات العقلية الراقية ، ولكن دراسة الأجزاء الأمامية لمخي ج . ستانلي هول عالم النفس النابه ، والسير ويليام أوزلر العالم الطبيعي العالمي ، ومقارنتها بالأجزاء الامامية لا مخاخ اناس عاديين ذوي مواهب عقلية عادية ، كشفت عن عدم وجود فروق اساسية بين الفريقين في تلك الناحية . وفوق هذا دات تجارب جراحي المخ على أنه قد يزال جزء كبير من القسم الأمامي للمخ من بعض الناس لضرورات طبية ،

ولا يحس بأثر كبير لذلك في القوي العقلية لمن أزيل عنهم . وقد ظل مشرحو المخ زمنا طويلا بعد ذلك قانطين من أن يجدوا اساسا ماديا للذكاء ، حتى تنبهوا إلي ان الانسان لا يستطيع أن يعلم كثيرا عن كفاية آلة من لالات وهي واقفة عاطلة عن العمل ، وان الآلة لا نقاس كفايتها بعظم حجمها وقوة بنائها ، والآلة الدائرة المتحركة أقدر على أن تنبي عن نفسها . ثم أخذوا يتسالون : ما مصدر القوة ، وكيف تحول الطاقة الموضعية إلي طاقة حية ؟

ما هي القوة الدافعة في المخ ؟ ما الوقود الذي يشعل التفكير ؟ هو بلا شك مجري الدم الذي يمد المخ ، فهذا الإمداد الدموى الذي يجييء للمخ أكفل بأن يقص علينا قصة المقدرة العقلية من الدراسات المجهدة للمادة البيضاء السنجابية الميتة التي يتكون منها المخ . يقول الدكتور هنري دو نالسون ، أحد ممتازي الجراحين المشتغلين بتشريح المخ :

" إن خير أنواع الأفخاخ يظهر بأضعف المظاهر في حالة الإغماء "

وفي الأنحماء والموت ينضب الدم وتذهب معه القوة . أكبر اخطاء مشرحي المخ الأولين في دراستهم المخ انهم كانوا ينزعونه عن اغطيته ويقطعون صلته بها ، وفيها الأوردة والشرايين التي نغذيه ؛ ودراسة حجم تلك الشرايين وتركيبها المعقد ادل على حقيقة القدرة المخية من حجم المخ ووزنه وتعقد نسجه

وكان أول استكشاف حقيقي لسر القوة العقلية

الممتازة ما قام به الدكتور هندزي سنة ١٩٢٦ ، فقد وجد أن وارد الدم في أغطية أمخاخ هؤلاء الممتازي المواهب كان أوفر وأكثر تعقدا . فبالدراسة الدقيقة للدم الوارد على مخ فرد من الأفراد يمكن تعيين ما إذا كان هذا الفرد من الموهوبين او المسلوبين ، فأغطية المخ في حالة النوابغ لها أوعية دموية أفخم وأغنى إمدادا ، وذوو المواهب الضعيفة أفقر دما وأضعف أوعية .

ولتركيب الدم أيضا شأن هام في توليد الذكاء ، ففي كثير من حالات الجنون التي ترجع لأسباب عضوية يكون نصيب الدم من الجير ضئيلا ، وكمية السكر فيه أكثر من المعتاد . وكلما زاد سكر الدم زاد توتر الأعصاب وكأنما حلاوة المخ الزائدة أمارة جنونه .

ويظن الدكتور ويليام هيلي أن الهرمونات ( وهي الأنتجة الكيميائية لبعض الغدد ) قد تحيل المخ العادي مخا ممتاز الذكاء ، فيقول : " إن المقدرة الخارقة لكبريتات البنزدرين على بعث الطاقة ، تبدو دليلا على أن الطاقة الموضعية لخلايا المخ لا ينتفع بها الانتفاع الممكن في ظروف التغذية العادية ، ولا بما يقدمه مجري الدم وحده . وأكبر الظن أننا نستطيع أن نتوقع الكثير من المخ إذا غذي نسيجه بمواد هرمونية وغيرها من المواد الباعثة على النشاط كالتي أشرنا إلي عظم تأثيرها " .

وعلى هذا الأساس أجري الدكتوران ويليام سارجانت و جــ . م بلا كدن بضع تجارب في مستشفى مودسلي بلندن ، فوجدا أنهما باستعمال البنزدرين قد استطاعا أن يزيدا سرعة الاستجابة العقلية في ٦٧ من مرضي المستشفى ؛ ومع أنه يبدو غير محتمل أن أي عقار من العقاقير قد يكون له تأثير في إيجاد الذكاء الذاتي للفرد ، إلا أنه قد اتضح في حالة البنزدرين أن له نتائج باهرة فيمن كان لديهم من الأساس هذا الذكاء . فقد أعطيت مجموعتان مقياس ذكاء واحد ،

ووجد أن المجموعة التي أعطيت البنزدرين كانت أعلى من المجموعة الأخري بقدر ٨,٧ في المائة .

وقد أمكن حديثا أثناء محاولة دراسة شئ عن المخ وهو يعمل ، إيجاد وسيلة كهربائية لقياس النشاط المخي ، وحسن هذا الابتكار إلي درجة كبيرة من الإتقان . لقد وصل العلم من عهد بعيد إلي إدراك ان كل شئ حي قادر على احداث تيار كهربائي صغير . وكان أول من اهتدى إلى أن المخ أيضا يولد كهربائية العالم الألماني الدكتور فليشل فون ماركسو الذي استطاع سنة ١٨٩٠ بآلة بدائية صنعها بنفسه أن يكشف نبضات كهربائية ضعيفة في رؤوس حيوانات مختلفة . ولم يهذب مبتكره ويصل إلي حالة الإتقان إلا بعد أربعين سنة ؛ ولاشك أن ما وصلت إليه الأنابيب المفرغة من الإتقان ، كان له في ذلك شأن كبير ، فليس كمثلها شئ يستطيع أن يكشف أضعف طاقة كهربائية ، و يريكها رأي العين ويمكنك من دراستها .

وقد وصل ألماني آخر ، وهو الدكتور هانز برجر من جامعة جينا ، حيث انقطع الدكتور فون ماركسو وبدأ يكشف الطاقة الكهربائية للمخ في ظروف كثيرة ، في حالات مرضي مرتفعي درجة الحرارة أو منخفضيها ، نائمين او مستيقظين ، هائجين أو خائرين ، وذهب إلي غرف العمليات التي يشتغل فيها زملاؤه ، ووضع الالكترودات الكهربائية مباشرة على المخ خلال فتحات صغيرة في الجمجمة ، وحصل على آثار التموجات العقلية للنوابغ وضعاف العقول ، بل لقد أفلح مرة في أن يحيئ . بصورة كهربائية لمخ فقد وعيه .

وقياس الفاعلية الكهربائية للمخ أمر هين : يوضع الشخص الذي يراد قياس مخه بعد أن تحك إحدي ذراعيه حكا جيدا بالماء والصابون ، ثم تغسل بالكحول ليزال كل دهن عن الجلد ، ثم تلف بقماش مشبع بمحلول الملح ،

لتبقى الالكترودات مضغوطة على الجلد عند الزند وعلى الساعد ، ثم يعمم الرأس بعمامة بيضاء فيها الرأس الفضى للألكترود ، ويلف جيدا لتبقى تلك الألكترودات ملتصقة بعظم الجمجمة ، وتصل الأسلاك هذه الالكترودات بآلة تقيس وتكبر التيار الكهربائي الذي يحدثه المخ وتسجل أمواجه على قطعة من الورق .

وتبين للدكتور برجر خلال مباحثه أن الأمواج المخية تقع في مجموعتين عامتين " مجموعة ألفا " ، ومتوسط تذبذباتها عشر في الثانية ، و " مجموعة بيتا " وتذبذباتها في الثانية عشرون أو أزيد من ذلك .

وفي الأحوال العادية تبقى هذه الأمواج تقريبا على حالها يوما بعد يوم ، ولكين إذا حدث للمخ حادث دلت الأمواج على ذلك . فمثلا في حالة التشنج تتجمع طاقة كهربائية كبيرة في المخ ، ويزيد سيل الكهربائية أكثر من ٣٠٠٠ في المائة عن الأحوال المعتادة ، وعلى عكس ذلك في حالة فقد الوعي تبطئ أمواج المخ إلي أن تصل إلي ٥ أو ٣ في الثانية ، ولكن الفلتاج يرتفع ضعف المعتاد .

وكلما زاد اشتغال المخ زاد ما يخرجه من طاقة كهربائية ، فالأشتغال بالرياضة او حفظ قطعة من الشعر يقتضي إظهار طاقة كهربائية أكثر من المعتاد .

وقد استطاع الدكتور دونالد ب . لندسلي في شيكاغو باستخدام " الألكترو - انسفالوجراف " وهو ما نسمى هذه الآلة ، ان يستدل على أن الأطفال يبدءون التفكير وهم في نهاية الشهر الثالث من عمرهم ، فتبدأ موجات ألفا عند هذا العمر . وقبله تدل السجلات إما على انعدام الطاقة الكهربائية كلية ، أو على بعض موجات غير منتظمة من موجات بيتا ، تتراوح بين ٢٥ و ٤٠ في الثانية

ووجد الدكتور لندسي أن موجات الفا بعد ذلك

تتحسن من حيث السرعة والطول والتوافق حتي يصل الطفل إلي سن ٨ أو ١٠ ، ولأمر ما تزداد السرعة بين ١٠ و ١٢ ؛ ويرجع الدكتور لندسلي ذلك إلي بعض التغيرات الفسيولوجية التي تحدث للطفل في هذه السن .

ومما وصل إليه القياس بهذه الآلة أن المرأة أسرع تفكيرا من الرجل ، وأن هذه الموجات خاصة بكل فرد كبصمات أصابعه ، حتى لقد فكر بعضهم في استخدامها للاستدلال على هويات الأشخاص .

وقد أمكن فهم كثير من الأمور عن المخ بما كشفه في حالة التشنج ، فمثلا قبل نوبة التشنج وخلالها تأتى الموجات المخية حوالى كل ثلاث ثوان ، في صورة أمواج مستديرة كبيرة تتخللها موجة مدبية ، وفي الحالات الشديدة توجد أمواج سريعة وبطيئة أكبر بكثير من الفولتاج العادي . وإذا وصل العلم إلي تفسير معنى هذه الأمواج بدلالة النشاط العصبى ، أمكن معرفة حقيقة التشنج ومتى يبدأ ، وكذلك عرفت حقيقة فقد الوعي ، فهو ليس إلا دلالة على نقص الكهربائية السالبة في المخ .

وهكذا تفتح سر العمل المخي بعض التفتح بفضل هذه المباحث.

اشترك في نشرتنا البريدية