ان ما في نفوس العرب من التعلق بأرضهم ، والحنين الى معانيها الروحانية ، يرجع الى اقدم الاصول النفسية وأعرقها فى إنشاء الامة العرية الموحدة ؛ وهو بناء الكعبة ، في القرن العشرين قبل المسيح ، منذ استجاب الله دعوة ابراهيم فى بنيه " فاجعل افندة من الناس تهوي اليهم " .
وقد سارت الامثال بما كان للعرب ، فى الحنين الى مكة ، من معان غريبة حتى خرجوا عن حدود الرشد . فبلغوا من الغلو فى ذلك أسوأ المبالغ التى ادت بهم الى الوثنية .
ذكر ابن الكلبي في كتاب الاصنام ان الذي سلخ بابناء اسماعيل من العرب الى عبادة الاوثان والحجارة انه كان لا يظعن من مكة ظاعن الا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة بمكة . ولذلك فان مشركى قريش لما آذوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاضطروهم الى الهجرة ؛ كانوا يظنون أنهم قد اضطروهم الى اسوا مصير ؛ لما كانوا يعلمون من تفانى أهل مكة فى محبتها والشوق اليها . ولكن ما افاضه الله على قلوبهم من الصبر ، ونورهم به من الهداية ، هو الذي هون عليهم ذلك وحبب اليهم المدينة ، كحبهم مكة او أشد ، كما دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .
وهو معنى البطولة النادرة الذي مدح له كعب بن زههر المهاجرين حين قال :
في فتية من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما اسلموا زولوا
زالوا فما زال انكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل مهازيل
واستمروا في وطنهم الجديد وهو المدينة يوالون مكة ويميلون اليها ، . .
لكن لا باعتبار ما فيها من الماديات ، كما فعلت الجاهلية . بل باعتبار المعانى التوحيدية ،
والآيات البينات ، التى عمرت بها مكة ومناسكها . فتطلع النبى صل الله عله وسلم الى ان تكون الكعبة قبلة الصلاة حتى تحقق له ذلك بقوله تعالى " فلنولينك قبله ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام " فانشرحت صدور المسلمين جمعا الى ما كمل لهم من إبراز التعلق القلبى فى المظهر الشهودى واصبح حنينهم الى مكة منسجما
ومع حبهم للمدينة ومتولدا عنه فكانوا يصبون الى الحج والعمرة ، ويهادنون الاعداء فى سبيل الطواف بالكعبة ، كما وقع في صلح الحديبية وعمرة القضية .
ثم جاء الجلاء الاكبر بنزوح المسلمين عن البلاد العربية - وخاصة عن الحجاز
فى سبيل الفتح وإشادة السلطنة الاسلامية ؛ وتفرقوا فى المشارق والمغارب . فكان حفاظهم على الروح الايمانية التى أشرقت بها قلوبهم يعطف اهواءهم على مواطنهم الاولى بانعطافها على الذكريات العزيزة ، والمعاني السامية التى اتصلت عندهم بتلك المجالي المحببة ، فشاع فى شعر غزاة الفتوح - عندما ما يتغنون باشجان الغربة ان يذكروا الديار ويحنوا اليها ، على نحو الطريقة التي كانت رائجة فى الشعر الجاهلى - وما هو الا شعر الاشواق باعتبار كونه شعر الحل والترحال - وشاعت في شعر الفتوح طريقة تميز بها تميزا منهجبا ادبيا : هى طريقة ايراد اسماء الاماكن من نجد والحجاز ، واستحضار المواقع بخصائصها من الرمال والصخور والنبات والحيوان . فطبع شعر الفتوح بذلك طابعا اقليميا اكتملت فيه عناصر التصوير لما بقى مسيطرا على نفوسهم فى المهاجر من ملامح حياتهم الوطنية ، فكان طابعها اقليميا حفظ للشعر العربى خصوصية من خصوصياته الخالدة ، وذلك الطابع هو الذي اصبح حلية فنية للشعر العربى . بحيث انه لما انفصلت حياة الشعر عن الاختصاص الاقليمى فى القرن الثالث ، وسما الى الكمال الفنى المطلق ،
وجد شعراؤه من تلك الالفاظ والتراكب ما أصغوا الى أصدائه المتجاوبة بالحاسية الفنية فى قرارة النفس العربية ، فصنجوا به فى اشعارهم على ايقاع مثير للعواطف محرك للمشاعر .
واتخذوا من مادته النيرة إطارا للصور العجيبة التى اودعوا فى مناظرها بواعث الاحاسيس ومحركات المشاعر بما استشعروا فى الادب العربى من انسجام استحكم بين المعاني الشعرية وبين تلك الاسماء الساحرة . فكما وجدوا انسجاما بين اسماء النساء وبين المعاني فتعلقوا بليلي وسعاد وضمنوهما معاني الاوصاف علم طريقة الكناية واطلقوهما على كل مشبب بها او متغزل فيها ، فكذلك اتخذوا من وادي العقيق ، وبطن خبت
ورمال عالج ، والحرة ، واللوى ، والابرق ، وزرود ، أعلاما لمرابع الانس ، ومجالي عهود الهوى وجعلوا من ذكر البان ، والسلم ، والضال ، والاثل ، والاذخر ، والعرار والبشام ، مرشحات الاستعارة او مستكملات لعنصر الانسجام الفنى ، على نحو ما فعل
ادباء القرن السابع عشر في فرنسا ، حين اتخذوا من اعلام التاريخ اليوناني والروماني شخصيات لرواياتهم القصصية والتمثيلية شعرا ونثرا ؛ ومن صور الحياة البائدة وتقاليدها
والوانها اطارات للصور الذهنية التى ولدوها ، لمحض الخيال . فكذلك انتهج ابو تمام بالشعر العربى المجدد فى القرن الثالث فبدأ يتغنى بتلك الالفاظ والاعلام ، التى لاتمت الى حياته بصلة ، على منهج رمزى وذوق بديعي فبعث من طنين اسم نجد ما يحرك
به النخوة الطائية اذ يقول :
شهدت لقد أقوت معالمكم بعدي ومحت كما محت وشائح من برد
وانجدتم من بعد اتهام داركم فنا دمع انجدني على ساكني نجد
ولعله قد جعل شحر السمر رمز المكارم العربية التي عاشت فى ظلال حين قال :
لولا احاديث آبقتها أوائلنا من السدى والندى لم يعرف السمر
وسار وراءه فى ذلك ابو العلاء فى قصيدته البدوية
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر
لعل بالجزع اعوانا على السهر
والتى يقول فيها :
الموقدون بنجد نار بادية لا يحضرون ، وفقد العز فى الحضر
ولقد خصت الاعلام الحجازية من يبن هذا القاموس الشعرى الواسع باقترانها العملي بالوان من حياة الادب والفن المترفة فى القرن الاول يوم قامت الى جنب الحياة
الدينية والجدية بين مكة والمدينة حياة من اللهو صورها شعر ابن ابى ربيعة والعرجى وغناء معبد وسريج فكان ذلك وضعا لتلك الالفاظ فى سياق صقلها صقال الروعة الفنية .
فلما نشأ في القرن السابع الشعر الصوفي الرمزي بطريقة ابن الفارض وقصد إلى استخدام ما فى المعالم المباركة بالحجاز من المعاني السامية على الطريقة الكنائية وجد فى لفظ
العقيق والعذيب والزوراء والمحصب وغيرها الفاظا وقعت مواقعها البديعة من شعر ابن الفارض بين الخمر والعود والناى فاكتملت بها معاني التورية التى تركت شراحه
يترددون بها بين ظاهر وباطن . فهو حين يقول :
نعم : بالصبا قلبي صبا لأحبتي فيا حبذا ذاك الشذا حن هبت
سرت فأسرت للفؤاد غدية احاديث جيران العذيب فسرت
لها باعيشاب الحجاز تحرش به لا بخمر دون صحبي سكرتي
ويقول : يا صاحبي هذا العقيق فلذ به متولها ان كنت لست بواله
واسأل غرال كناسة هل عنده علم بقلبي في هواه وحاله
يكون قد جعل من استعمال الالفاظ في هيئتها ستارا حاجبا للمعنى المراد مع كونه قد أحاط بهواه للحجاز من مختلف عناصره ومثاراته .
ومن العجيب ان يتاتى له ان يذكر الحجيج والمناسك والمشاعر فلا يصرف ذلك عن ظواهر المعنى الرمزي الذي يبنيه - بسبب ما نقله عمر ابن ابى ربيعة وامثاله - من تلك الالفاظ حتى اصبح المدلول الشعري متبادرا منها قبل المدلول الديني
وعلى ذلك استطاع البوصيري في طالع البردة ان يدرج على طريقة النسيب وان يسلك الى غرضه مسلك حسن التخلص مع ان ذكرى ذى سليم وكاظمة وإضم كان يكفي توجيها الى غرضه لولا ما اشتهر من العدول بها الى غير المعنى الذى يقصد ، فاصبحت براعة الاستهلال حاصلة فيها بمجرد التورية
وعلى مثل طريقته درج البرعي ايضا فى طوالع قصائده
اما شوقي فقد سلك مسلك الوصير والبرعى ، فى طالع نهج البردة .
ولكنه فى طالع قصيدته التى شيع بها صديقه الدكتور محجوب ثابت ومدح بها الشريف حسينا قد أراد ان يثير جمال الحجاز وجلاله باعتباريهما الدينى والادبى فأتى بالبان والضال والعقيق وحديث قيس والغرالة الى جنب البيت الحرام ، وتشريع الحلال والحرام ، والمسجد النبوي الشريف ، وطب العالمين من الجهالة ، وسرح الحضارة الذي فيأنا الله ظلاله
ولكن مصحح الجزء الثاني من الشوقيات قد عمد الى قوله
وعلى العقيق مشيت تنظر فيه دمعك وانهماله
فصحفها - العتيق وعلق عليها بان المراد " البيت العتيق " وهو الكعبة المشرفة .
وما ذلك الا من احاديث اللظافة ، وآيات السخافة
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم

