ذكرت الصحف في شهر مايو من هذا العام أن المهاتما غاندي أعلن أنه سيصوم حتى الموت إذا وقع نزاع طائفي بين المسلمين والهندوس؛ وأنه ابتهل في أول صلاة له عقب عودته من نيودلهي أن يتم السلام الطائفي الذي وقع ميثاقه مع السيد على جنه؛ وأنه إذا لم يلق ابتهاله استجابة فإنه يري نفسه مضطراً لأن يبدأ (صيامه)
وتضرع الناس جميعاً إلي الله أن يخيم السلام الطائفي على ربوع تلك الديار - من أجل الهند، ومن أجل غاندي؛- ولكن عاد البرق في أوائل الشهر الحالي يحمل إلينا أنباء الصادمات العنيفة التي وقعت بين الطائفتين، ويعلن للعالم أن غاندي بدأ الصيام الذي هدد به، وأنه سيظل صائماً حتى تعود الحالة إلى مجراها الطبيعي في البلاد.
ولهذا (الصيام) الذي يعلنه غاندى من حين إلى حين قصة يجب أن يعرفها كل إنسان لعله يستفيد من عبرتها. ونحن نرجو أن نوفق لتلخيص هذه القصة في السطور التالية.
دأب الناس منذ هابيل وقابيل على أن يختلفوا ويتنازعوا، وعلى أن يقضوا منازعاتهم بالقوة والعنف، وأن يفتك قويهم بضعيفهم ما استطاع إلي ذلك سبيلا. وتصدعت معهم رؤوس الفلاسفة وهم ينصحونهم بالهدوء،
وبح صوت الرسل وهم يدعونهم إلى السلام، ولكنهم في سكرة الحياة ينسون انهم فوق معبر قصير لا يحتمل كل هذا الضجيح والمجيج، ويظلون في عراك وشقاق حتى يتخطفهم الموت، فيورثون أبناءهم أحقادهم. وهكذا تدور المعركة على الأرض جيلاً بعد جيل ..
هذه المشكلة صدمت "غاندي" منذ صباه. ولكنه منذ صباه ايضا تهيأت نفسه للاقتناع بأن "العنف" لن يكون وسيلة لنشر السلام فوق الأرض، وأنه ليس من وسيلة لنيل هذه الغاية إلا "الحب" ولقد كان من بين المنظومات التى يحفظها إذ ذاك انشودة جميلة كانت هي إنجيل سلوكه قبل أن يتفقه في شؤون دينه، وقبل أن يقرأ "الإنجيل".
كانت تلك الأنشودة تقول ما معناه: " إذا كنت تجازي علي جرعة الماء بجرعة ماء مثلها، فإنك تكون قد قصرت في الجزاء". "الجمال الحق أن تقدم الخير لمن يقدم لك الشر!". "من اكرمك بقدح من الماء، فاكرمه بوليمة عامرة !". " ومن حياك بإيماءة عابرة، فانحن له في احترام!".
" إذا اقترضت الفضة فسدد دينك بالذهب!". "ومن أنقذ حياتك، فلا تبخل عليه بالحياة!".
وتعمق غاندي بعد ذلك في دراسة دينه، وعرف أن "أهما" - الحب والتسامح - هو شعار هذا الدين. وإذا كان الإسلام يقول: "الدين المعاملة" فإن الهندوكية تقول: "الحب هو الدين الأسمى"، وتقول المسيحية: " ليس العنف هبة الله " (١)
وقد شغف غاندي بقراءة الكتب السماوية. وراقته من الإنجيل "موعظة الجبل"، إذ يقول السيد المسيح لتلاميذه، قبل أن ينتشروا في الأرض ليؤدوا رسالته: "أحبوا أعداءكم، وصلوا للذين يعذبونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات!".
ولقد اعتاد غاندي أن يصوم كلما أقبل على خوض معركة سياسية أو اجتماعية . وهو يقول في ذلك إنه يقلد سيدنا محمداً (ص) إذ كان يصوم عادة قبل كل غزوة من غزواته. ويري غاندي أن القوة لا تنبعث من العضل المفتول، والمناكب العريضة، ولكنها تنبعث من النفس التي صهرها العذاب، فعرفت كيف يكون الصبر، ومجالدة الألم؛ ولذلك فإنه يقول:
" يجب أن نربي أنفسنا لنتحمل العذاب ونستسيغه ونهيئ له في سبيل الفكرة. على أن العذاب هو سمة القبيلة البشرية ... إن الأم لتتمزق كي تضع وليدها؛ والحياة تنبعث من الموت؛ والقمح النامي دليل على أن البذرة التي أودعت في الأرض قد انشقت وتحللت. ونحن إنما نحظي من النجاح بقسط يتكافأ مع ما عانينا في سبيله من العذاب ، وكلما كان العذاب مُطَهَّراً كان النجاح (١) مادة هذا المقال من كتاب الأديب الفاضل الأستاذ فتحي رضوان المحامي عن غاندي.
عظيما إن سياسة "عدم العنف" ليس لها معنى إلا القدرة على احتمال العذاب".
ويتبادر إلى ذهن من يقرأ هذا الكلام ان غاندي حين أحس بالعجز عن مقابلة القوة يمثلها رأي أن الخير في احتمال الذل، والإقامة على الضيم، والتمني يقول من قال: "ما غلب الأيام إلا من رضى" ولكن غاندي يبادر فيقول:
إن " عدم العنف" أسمى من "العنف". والعفو أشد دلالة على الرجولة من العقاب، فإن "العنف" مظهر من مظاهر شجاعة البدن ، أما "عدم العنف" فهو مظهر من مظاهر شجاعة النفس.
وليست سياسة "عدم العنف" عنده أن تقف قوى الشر في وجه الإنسان فيخنع لها، ثم يخلي لها الميدان بعد أن يضع ذنبه بين ساقيه، ولكن "عدم العنف" أن يضع الإنسان كل نفسه ضد إرادة الظالم: بتشبث بحقه، ويتمسك برأيه، ثم يدع القوة الغاشمة تفعل به ما تشاء. أما من ينزل به الضيم فيحتمله ذليلا راضياً صاغراً فهذا هو الجبان. وهنا يقول غاندي:
"إذا كان لا بد أن أختار بين "الجبن" أو "العنف" فإني لا أتردد في اختيار العنف. إني لأفضل العنف ألف مرة على أن يتخنث الهنود!".
ويتضح مما تقدم ان "عدم العنف" ليس خلقاً سلبياً معناه الاستسلام والهدوء، ولكنه خلق إيجابي يحتاج إلى رياضة نفسية عالية دونها رياضة الأبدان. والمجاهد في معركة، "عدم العنف" لا يصل إلى هذه المرتبة عن جدارة إلا بعد أن يروض نفسه على احتمال الآلام، ويصهرها في بوتقة الحرمان حتى نبرأ من شهواتها، وتفئ في سبيل الفكرة التى تعتنقها، فلا يبقى على ظهر هذه الدنيا ما يغريها بنعيم الراحة ومتعة الملذات. ومتى وصل الإنسان بنفسه إلى هذه المنزلة، فلن تنال منه القوة الغاشمة قلامة ظفر.
ولن تستطيع أن تثبت في وجه إرادته كل قوى الشر ولو كان بعضها لبعض ظهيرا.
لقد درس غاندي علومه الابتدائية في الهند، ثم سافر إلي إنجلترا لإتمام تعليمه العالي. وهناك عاش ثلاث سنوات درس فيها القانون، وأصبح محاميا، ثم عاد إلي الهند، فالتمس فيها عملا ولكنه لم يوفق. وبينما هو في حيرته إذ ورد لأخيه خطاب من صاحب متجر كبير من متاجر الهنود المسلمين في جنوب إفريقيا يقول له فيه
" لدينا عمل في جنوب إفريقيا، ومتجرنا فيها متجر كبير. ولنا قضية هامة أمام المحاكم، فنحن نطالب بأربعين ألفاً من الجنيهات، والدعوي مطروحة امام القضاء منذ زمن طويل. ولقد أقمنا فيها خيرة المحامين والوكاء. فإذا أرسلت أخاك غاندي إلينا فأنه سيفيدنا ويستفيد منا، وسيكون قادراً علي نقل معلوماتنا إلى وكيلنا خيراً منا. وستتاح له فرصة الوقوف على جزء من الدنيا جديد، وإنشاء علاقات به جديدة."
وفي الحق لقد فتحت هذه الرسالة عالماً جديداً أمام غاندي، ولذلك فإنه بادر إلى تلبية الدعوة على الرغم من بساطة مرتبه، وعلى الرغم من علمه بأنه إذ يقبل هذا العمل سيعيش غريباً بعيداً عن زوجته وعن ابنه الوحيد ومنذ وطئت اقدام غاندي أرض هذه المستعمرة الهولندية القديمة بدأت تلك المعركة التي استغرقت من هذا الزعيم باقي أيام حياته ......
كانت مراكز الدولة كلها في يد الأوربيين في جنوب إفريقيا، وكان الهنود على اختلاف طبقاتهم يعيشون في هذه المستعمرة كما يعيش المنبوذون في الهند نفسها، فقد كانت سمرة اللون جريمة لا تغتفر في نظر أولئك الأوربيين. ويكفى في تصوير الدرك الذي كان الهنود يرتطمون في أوحاله أن تعلم أنه كان يحظر عليهم السير على الأفاريز في تلك البلاد، وأنهم كانوا يلزمون بالسير في عرض الطريق،
لأن هذا هو المكان المخصص للمجماوات أما الأفاريز فإنها كانت للآدميين. وقد حدث مرة أن مر غاندي أمام قصر الحاكم ثم وهو يسير فوق الأفريز، فلم يتلطف معه الجندي المكلف بالحراسة أمام باب القصر فيلفته إلى مخالفته للنظام، بل قصد إليه رأساً وامسك بجسمه الناحل والقاه في عرض الطريق. وذلك لأن غادي كان اسمر اللون، ولأن التفاهم بالقول مع مثله عار!
ولكن هذا تعجل منا للحوادث ...
فلنبدأ من الساعة التي دخل فيها غاندي على المحكمة وعلى رأسه عمامته الهندية الضخمة وبصحبته موكله الذي استقدمه من الهند ليترافع له في دعواه. فإن القاضي لم يكد يقع بصره على تلك العمامة المشيدة حتى أمر عادي بخلعها. فلم يفهم عنه غادي ما يقصد، إذ لم يكن يدور بخلده - وهو الذي أقام ثلاث سنوات في إنجلترا لم يتدخل في خلالها أحد في شأن من شؤونه الخاصة - لم يدر بخلده أن يرى عمامته موضع اعتراض من رجل يجلس مجلس القضاء، وهو بحكم منصبه أولى الناس بالإنصاف وسلامة التقدير!! ولكن القاضي أصر على وجوب أن يخلع غاندي تلك العمامة ذات البروج. فما كان من الرجل إلا أن ترك للقاضي محكمته وانصرف - وقد لمح في خلال هذا الحادث البسيط ما ينتظره من صراع شاق طويل ....
عرض لغاندي بعد ذلك ما يدعوه إلى السفر من "دربان" إلى "بربتوريا". فركب في عربية من عربات لدرجة الأولى، وسافر به القطار فعلا مرحلة قصيرة . ثم ما لبث أن دخل عليه في إحدي المحطات مسافر من الأوربيين، فأبدي دهشته لوجود غاندي في تلك المركبة، واستعان ببعض على إقناعه بالذهاب إلى عربات الدرجة الثالثة. فتمسك غاندي بأنه مادام قد اشترى تذكرة من تذا كر الدرجة الاولى فقد اصبح له حق السفر
في عربة من عربات هذه الدرجة. ولكن أحدا لم يستمع لمنطقه، وافهموه بأن مثله لا يجوز له ان يسافر إلا في الدرجة الثالثة، وهددوه بالطرد إذا هو لم يفهم ما يقال له. وعند ذلك أصر غاندي على البقاء قائلا:
" لكم أن تفعلوا ما تشاءون، أما أنا فأني أتمسك بحقي، ولا أبرح هذا المكان أبداً من تلقاء نفسي"
فتقدم منه أحد رجال البوليس ودفع به إلي خارج العربية دفعاً، ثم ألقى إليه بحقائبه على الأفريز. ومضي القطار في طريقه ... وبقى غاندي وحده بين امتعته. ولم بدر الرجل ماذا يصنع . فقصد إلى غرفة الانتظار. وأقبل عمال المحطة فوجدوا معطفه ومتاعه ملقى على الأفريز. فأودعوه "غرفة الأمانات" ... وحل الظلام، واشتد البرد؛ وجعل غاندي بنتفض بجسمه الضئيل النحيل من شدة البرد وهو لا يجرؤ على المطالبة بمعطفه خشية أن يصيبه من الهوان مثل ما أصابه وهو في القطار. ونترك الكلام لغاندي نفسه كيما يصف مشاعره في تلك اللحظة الدقيقة، قال:
- "بدأت أفكر في واجبي. أيجب أن أحارب في سبيل حقوقي، أم أعود إلي الهند، أم استمر في طريقي إلى يربتوريا دون ان أحفل بهذه الإعاقات، حتى إذا فرغت من عملي الذي ندبت له أقفل راجعا إلي بلادي؟! إنني أكون جباناً إذا عدت إلي الهند قبل أن أفي بإلتزامي، مع أن الصعاب التي ألقاها ليست إلا صعاباً سطحية، وما هي إلا أعراض مرض متأصل في نفوس القوم هنا - هو مرض كراهية الشعوب الملونة (السمراء). إني أحس بأنه من الواجب على أن أعمل على نزع هذا الداء من صدورهم، وأن أعاني من الصعاب ما يصادفني في سبيل تحقيق هذه الغاية" *** وهكذا رسم غاندي خططته. فنذر نفسه لإنقاذ أمته
والدفاع عنها على طريقته الخاصة التي اعتنقها إذ ذاك وبدأ يطبق عقائده في ميدان الحياة للمرة الأولى، إذ حاول أن يعالج "الحقد" بـ "الحب" وان يضع كل نفسه وما أودعها الله من قوة في وجه الظم الذي يعترض طريقة ... واستأنف غاندي رحلته إلي يربتوريا. وكان عليه أن بقطع مرحلة من مراحل الطريق في عربة من عربات السفر التي كانت تستعمل في ذلك الزمان. وكان نظام هذه العربات أن يجلس الركاب في داخلها. ولكن غاندي - الأسمر - لم يكن كبقية الركاب، فكان عليه أن يبقى خارجها، وأن يجلس مثلاً إلى جانب السائق في المكان الذي يجلس فيه "الكمساري" عادة بعد أن بفرغ من عمله في داخل العربة. وكان شديداً على نفس غاندي أن يقبل هذه المنزلة، ولكنه رأي أن الإصرار على الركوب في داخل العربة قد ينتهي به إلي ضياع يوم آخر بقضيته مشرداً في الطريق. ولم يستحسن أنه بجعل مسلكه جذباً متواصلاً على طول الخط. فتسلق إلى حيث يجلس بجوار السائق، وهو يمني نفسه بأن هذه الحالة سوف لا تدوم ... وقد صحت فراسته .... ولم تدم هذه الحالة فعلا ؟ إذ لم تنقض عليه في جلسته هذه إلا لحظات حتى أحس (الكمساري) أنه في حاجة إلي مكانه المعتاد. فهيأ لغاندي مكانا على سلم العربة، ثم دعاه في خشونة إلى النزول ليجلس فيه. ولم تطق نفس غاندي هضم هذه الإهانة الجديدة، فقال للرجل: إنك أنت الذي أجلستي هنا، وإن كان من حقي أن أجلس داخل العربة. ولقد احتملت الإهانة الأولى على مضض، والآن تريدني أن أجلس تحت قدميك لأنك تريد أن تدخن!! إني أرفض إجابة طلبك إلا أن تهييء لي مكانا بداخل العربة أسوة ببقية الركاب! ".
وكان (الكمساري) رجلا فاره القوام ، آتاه الله بسطة في جسمه، يبدو نادي تجاهها أضأل مما هو عليه.
فتعجب لغاندي كيف سولت له نفسه أن يثور عليه كل هذه الثورة، وما هو إلا هندي اسمر اللون لا ينبغي أن يكون له إلا أن يؤمر فيطيع. ولذلك اقبل عليه، وتناول إحدى أذنيه العريضتين فجذبه منها بعنف، ثم قبض على ذراعه وجعل يسحبه من مكانه سحباً. ولكن غاندي تشبث بقضبان العربة، واستمات في مكانه والتصق بمقعده لا يريد أن يجلو عنه ولو تمزقت اوصاله. وشهد الركاب هذا الصراع في مرح ظاهر أول الأمر. ولكنهم ما لبثوا أن أدركتهم لغاندي رقه إذ رأوه فريسة سهلة في قبضة هذا (الكمساري) الجبار الذي أوجعه عركا وضربا، وأوسعه شتماً وسباً. وتحرك ضمير واحد منهم فتدخل لحمايته ودفع أذى (الكمساري) عنه
وبذلك انتهت هذه المعركة . وكان من أعجب ظواهرها
أن النصر عقد فيها لمن تلقي كل ضرباتها! ورضيت نفس غاندي لهذه النتيجة كل الرضا. فإنه لم يكن يبغي إلا ان يجرب حظه في موقعة يجند فيها كل قوة روحه ليواجه بها من اتخذ لنفسه جنوداً من شحمه ولحمه! وكان على نجاح هذه التجربة يتوقف مستقبل غاندي كزعيم لأنه أودعها كل سره!
وسنرى في الكلمة التالية كيف تطورت جهود غاندي في صقل هذا السلاح الجديد - سلاح المقاومة السلبية وعدم العنف - وكيف كان مدى نجاحه في مقاومة العنف بالصبر والأحتمال، ومقابلة البطش بالصفح والتسامح ، ومغالبة الشر ببذل الود والمحبة.

