الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 139 الرجوع إلى "الثقافة"

سعد الخطيب

Share

لعل من الصعب على أى كاتب مهما أوتى من مقدرة ومهما كان ما منحه الله من مواهب ، أن يحصى الصفات

التى أهلت الزعيم الأكبر المغفور له سعد زغلول باشا لزعامة الأمة ، وملكته زمام رأيها ، وجعلتها تسير وراءه فى سعيه لنيل حريتها واستقلالها . وقد كان - رحمه الله - يجد فى دنياه خصوما ينكرون عليه هذه الزعامة ، أو بالأحرى ينكرون على الأمة أنها أولته قيادة سفينتها ؛ وكان فيهم من يجرؤ على أن ينكر ما حياه الله به من صفات الزعامة والقيادة . ولكن واحدا منهم لم يجرؤ على إنكار الميزة العظمى التى منحه الله إياها ، وهى قدرته الباهرة فى خلب ألباب الجماهير بجميل خطابه ، وحسن بيانه ، وعذوبة ألفاظه ، وجليل إلقائه ؛ فكل أنصاره وكل خصومه بجمعون على أنه الخطيب الذى يسحر الألباب ويسبى العقول ، ويلعب بالأفئدة ويستهوى النفوس . بل أنا لا أغلو إذا قلت إنهم جميعا آمنوا بأنه - أسكنه الله الجنة - كان أخطب خطباء العالم جميعا ؛ وكيف لا وقد كان يبدأ خطبته وهو على جانب كبير من التعب أو اعتلال الصحة ، فلا يلبث حتى يملك أعنة القول ، بوجهه أنى شاء وكيف شاء ، وحتى يملك زمام صوته رفعا وخفضا ، فيذكى فى قلوب سامعيه شعلة الوطنية ، ويلهب فى نفوسهم الحماسة للوطن ولحقوقه . كل هذا ، ولا يزيده طول الكلام إلا قوة ، تزيل عنه المرض ، وترفع عنه التعب ،

فاذا هو السليم المعافى ، الممتلئ صحة ونشاطا .

وكان - رحمه الله - أحسن ما يكون إذا ارتجل ، فإذا اضطرته الظروف لإعداد خطبته ، غلب عليه الارتجال . فترك الورق جانبا واندفع كالسيل ، يصب الكلام صبا ويرسل العبارات إرسالا ، والسامعون مأخوذة قلوبهم بما يسمعون ، لاهية عقولهم عن كل شئ ، إلا عن الخطيب البارع الذى ملك زمامهم ، وجعلهم أسرى إبداعه وبراعته كانت أول كلمة ألقاها فى الحركة الوطنية هى التى ألقاها فى الاجتماع الذي عقد فى دار المغفور له حمد الباسل باشا فى ١٣ ينابر سنة ١٩١٩ ، وقد هيأ بها النفوس للحادث الجلل الذى سجل فى تاريخ مصر الحديث ، وهو ثورتها فى سبيل حريتها واستقلالها . وكانت الكلمة الثانية هى التى ألقاها فى دار جمعية الاقتصاد السياسى والاحصاء والتشريع فى يوم ٧ فبراير ، بعد سماع محاضرة مستر برسيفال ، فوقف بين جمع كبير من خيرة المثقفين المصريين والأجانب وزأر زأرته المشهورة ، وهى أن الحماية باطلة .

وتلا ذلك أن نفى - رحمه الله - إلى مالطة ، ثم أفرج عنه وذهب للذود عن بلاده فى مؤتمر السلام بباريس . فلما عاد إلي مصر ووصل إليها فى ٤ أبربل سنة ١٩٢١ كادت حياته تكون سلسلة من الخطب يلقيها على الجموع التى تحتشد لسماعه ، فيلقى فى اليوم الخطبة والخطبتين والثلاث ، لا يكل ولا يمل ، ولا يكل السامعون ولا يملون ، بل كان يرتجل الخطبة فيمضى فى ارتجالها ساعتين وثلاث ساعات ، لا يكرر لفظا ، ولا يتلعثم له لسان ، ولا يلحن فى قول .

وكنا معه فى رحلة الصعيد المشهورة بالباخرة نوبيا ، وقد عاد منها رحمه الله متعبا ، فى حاجة إلى الراحة التامة ، فأشار عليه المغفور لهما الدكتور حسن كامل بك والدكتور على رامز بك بالتزام الدور العلوى من بيت الأمة ، وعدم استقبال أحد ، حفظا على صحته ، فلما حل موعد الاحتفال بذكرى عيد الجهاد القومى فى ١٣ نوفمبر سنة ١٩٢١ ألح فى أن يحضر الاحتفال ، فسمح له الطبيبان ، ولكن على

أن لا يخطب فيه . فقبل ذلك ، وعهد إلى بعض إخوانه ان يرووا للحاضرين شيئا مما حدث فى هذه الرحلة من عسف الحكومة إذ ذاك ، فقام أحد محامى أسيوط إذ ذاك ليشرح ما حدث فى هذه المدينة ، ولكن كلامه لم يرق سعدا ، فاندفع إلى المنبر وارتجل خطبة تاريخية استغرق فى إلقائها أ كثر من ثلاث ساعات ، حتى لقد خيل إلى وأنا أسمعه أنه الشاب ابن العشرين لا الشيخ المتعب الريفى ابن الستين .

وقد أقيم هذا الاحتفال فى مدرسة وادى النيل فى حى المنيرة ، وكان منبر الخطابة قد وضع فى نهاية الفناء الذى أقيم فيه الاحتفال ، وكنا قد تلقينا نبأ بأن خصوم سعد يتربصون للفتك به ، وأنهم استأجروا أرمنيا ليغدر به وهو يلقى خطابه ، وكان وضع المنبر يساعد المجرم على ان يأخذه على غرة . فلما صعد رحمه الله أسرعت أنا والمغفور لهما

فتح الله باشا بركات وعاطف بركات باشا والأستاذ محمد نجيب الغرابلى "باشا" ، وأحطنا به حتى إذا نفذ المتآمرون تدبيرهم تلقى أحدنا الرصاصة بدلا منه . وأقسم والله لقد مضى هذا الوقت الطويل يرتجل خطابه ، فما تعب وما ضعف صوته وما استراح ، فى حين أننا ونحن فى السن كأولاده تعبنا وضعفت أقدامنا عن حملنا . فكان لا يلهينا عن تعبنا إلا أننا كنا مأخوذين بسحر بيانه .

وقد اشتهرت عنه رحمه الله عبارات كثيرة ذهبت أمثالا جميلة يحتذيها الكتاب ، كقوله : " أخجلتم تواضعى " ، وكقوله فى وصف بعض خصوم الوفد : " النكرات الشائعة والامعات الطائعة " وما إلى إلك .

هذا هو سعد الخطيب ، وما أحسبنى وفيته بعض حقه من الوصف والتقدير

اشترك في نشرتنا البريدية