بعد أن اضطر سعد الله الجابري إلى مغادرة وطنه سوريا ناجيا بنفسه مع بعض اقطاب الحركة الوطنية من كيد السلطة الأجنبية ، بقي في العراق زمنا ، ثم قصد إلى الرياض قاعدة تجدد ، حيث اجتمع بجلالة الملك عبد العزيز آل سعود ، وعالج معه قضايا قومية على غاية الخطورة ، تتصل بمستقبل الشام وبعض الأقطار العربية الأخرى ، وقد صحبه في جانب من هذه الرحلة الأستاذ كاظم الصلح رئيس حزب ( النداء القوي ) في لبنان والذي قد اقام هو الآخر ردحا من الزمن في بغداد
ثم آب الجابري إلي مدينة السلام ، ومكث وقتا غير قصير ، كان في خلاله يطلع ويلاحظ ، وقد اختلط برجال الحكم والسياسة ، ووقف على الاتجاهات والمطامح الوطنية ، واستمع إلي جلسات في البرلمان . وصدف ان كان هذا الطرف في شتاء ١٩٤١ عصبيا في بلاد الرافدين ، والصراع على اشده بين نزعتين عنيفتين في سياسة البلد : فريق يرى الوقوف بجانب الخليفة بلا قيد ولا شرط ، وتقديم جميع المساعدات التي تريدها لكسب النصر ، وعدم اثارة آية قضية في وجهها وهى في غمرة الحرب من المطالب الوطنية العراقية أو الأماني العربية العامة ، وفي مقدمتها قضية فلسطين ، ووجوب حلها بما يريد العرب ، وهو من حقهم المشروع ، وفريق
يجتهد في تجنيب العراق ويلات الحرب ، ويصر على مطالبة الخليفة بريطانيا بحقوق العراق والعرب ، وانتهاز الفرصة للحصول على ضمانات منها للظفر بالأماني القومية بعد الحرب مباشرة وعلى وجه طبيعي ، وان كل خطوة يخطوها العراق في صف المعسكر البريطاني - ولم تكن روسية السوفيتية ولا أمريكا قد دخلت الحرب - يجب أن يقبض ثمنهما معجلا أو مؤجلا ، وكانت الجماعة المسيطرة على الجيش العراقي تؤثر في الحركات السياسية المحلية ، بعد ان استعان بها اقطاب السياسة في منافساتهم وتنازعهم البقاء بعضهم مع بعض في عدة انقلابات عسكرية (coup d'Etat) مع الفريق الثاني .
في هذا الجو المكهرب وجد سعد الله في العراق ، وكان بحكم اتصاله الشخصي بالسياسيين والوزراء يقف على كل شئ ، ولا تخفي عليه بادرة من بوادر سياسة البيوت كما سماها نائب في المجلس . وأذكر أنني قضيت معه ساعة وتزيد في مقره في( ارثيل سميراميس ) كنا نتبادل الكلام الصريح في التيارين المتعارضين الملمع إليهما آنفا ، وكنا جالسين على عدوة وجلة من مستشرف الأوثيل ، والنهر يهدر في طغيانه ، فقال في ابتسام : ليست امواء نهركم أشد اصطخابا من فورات سياستكم
وانتقل بنا الحديث أو ذهبت بنا شجونه إلى العامل في هذا المضطرب ، وإلى الحاجة الملحة الصارخة في وجوه القوم ، تتطلب اليد التي تعلو علي الأيدي ، أو الزعيم الذي تعنو له الشخصيات ، والتقتنا إلى امس القريب ، والملك المؤسس فيصل الأول ، والأقطاب الذاهبين - وبخاصة الزعم ياسين باشا الهاشمي ، فقال بتنهد : ما استطعت بعد ان اقمت أياما في بلدكم وانكشفت لي بعض الخفايا السياسية أن أقيس أيهما الأعظم ؟ خسارتكم بالملك فيصل الأول ، ام خسارة القضية العربية عامة ! لعمر الحق لو كان فيصل حيا لما انهتم إلى هذه النتيجة . فأجبته : نتيجة هي بداية النهاية .
ثم صار يحلل جوانب العظمة في شخصية فيصل الزعيم فضلا عن تاج الملك ، والتفت في كلامه إلي ياسين الهاشمي وكيف استطاع أن يضطلع بزعامة الحركة الوطنية ويدير دفة المعارضة ، واتفق معي على ان زعامة ياسين ما كتب لها النجاح في مراحلها - قبل الأخيرة - لولا ذهن الملك فيصل الكبير ، وإدراكه المسبق للمؤثرات في بنيان الملك بحيث سجل علي نفسه وعلى البلاد في خطبته التاريخية الشهيرة بعد الظفر بالاستقلال الرسمي ، ودخول العراق عصبة الامم " ان عمل المعارضة لم يكن اقل من عمل الحكومة ، بل إن فضل المعارضة في النضال السياسي اشد تفوقا في تاريخ الوطن " . وختم الجابري كلامه بأن مستقبلنا مظلم مع هذه الأنانيات الجامحة ، في مهمه فقدان الزعامة المطلوبة
ولدي النظر في الفراغ الواسع الذي أحدثه الرزء بالملك فيصل الأول تطرفنا إلى مشروع توحيد عرشى سورية والعراق الذي اخذ دورا مهما في سياسة الشرق الأوسط قبيل وفاة الملك فيصل ، فأبان بكثير من الحسرة ان ذلك مشروع دفن مع فيصل وأكد ان الوطنيين السوريين يجهدون لتحقيق الفكرة اعتمادا على الملك الراحل ، فنقلت له ما سمعته من السكرتير الشرقي لوزارة الخارجية الفرنسية في مأدبة المعرض العام في خريف سنة ١٩٣٧ ونحن نبحث في هذا الموضوع من ان الفرنسيين كانوا يؤيدون المشروع اعتمادا على فيصل .
ومن الاحاديث المأثورة للتقيد عند اجتماعي ، المرة الأخيرة في " اوتيل شبرد " بالقاهرة وكنت ألف عليه في السؤال عن قضية اليوم " سورية الكبرى " فاحتد وقال بكثير من الألم :
" هل هناك ما يسعي خلافا في موضوع سورية الكبرى بل المملكة العربية العظمي المتحدة ؟ ولكن الطرف الحالي - والعرب في هذا الحرج - غير مناسب
لفتح الباب . فمصر تكافح لإجلاء القوات البريطانية عن أراضيها ، وفلسطين معذبة بمحنة الاستعمار والصهيونية ، والعراق مقيد بالمكايد الاستعمارية والخطر يحوطه من كل جانب .
نحن السوريين لا يطاولنا مطاول فيما يخص التضامن العربي ، فقد سبقنا في أثناء المشاورات في الإسكندرية لتأسيس الجامعة العربية فاقترحنا أن يقدم المشروع على أساس ( الوحدة العربية الكبرى ) وأكدنا استعدادنا للتضحية بشخصية سورية الحالية والتنازل من استقلالنا كوحدة إقليمية في سبيل الوحدة العربية ، فهب في وجهنا العراق يعارض اقتراح الوحدة كما عارضه شرق الاردن ورفضه لبنان .
إن العروش والأسر المالكة قد تقوم حائلا دون تحقيق التفاهم التام أو الاتحاد او الذوبان في كيان سياسي واحد . أما النظام الجمهوري فهو النظام المهيأ في كل ساعة للتفاهم والسلام والاتحاد مع الغير في سبيل مصلحة الشعب
هذا ما صرح به ، الرجل في حوار خاص . وبدعمه وبدل على صدق لهجته أنه وهو رئيس حكومة قد سجل في الجلسة الخامسة من اجتماع الجامعة العربية المعقود يوم ٢٦ نوفمبر ١٩٤٦ اقوالا تعد فصل الخطاب في هذا الصدد ، يقتضي التاريخ أن أنشرها من على السكتمان . فما قاله
لا تقل سورية عن غيرها في التضحية والتفاني والاستعداد لبذل كل ما يمكن بذله في سبيل تضامن البلاد العربية ونجاح قضيتها ، فلو أوجب الامر ان تتنازل سورية عن استقلالها فهي علي استعداد لذلك خدمة للقضية العربية الكبرى .
" لقد أعربنا عن خططنا السياسية لما كانت بلادنا محتلة من الدول الأجنبية وجيوشها ، فقلنا بأننا لا نتعاقد مع أية دولة كانت إلا مع العرب والبلاد العربية ، فسياستنا إذا كانت واضحة لا لبس فيها ، إن المقصود من هذه المسألة
ليس أمتار أرض ولا دونمات ولا فدادين ، إن الهدف هو أن تكون من هذه البلاد العربية - التي أصبحت الآن حقيقة راهنة في اجتماعيا بعد أن كانت خيالا - كتلة متراصة موحدة تعمل على حل المشاكل التى يكون لها أثر في الدفاع عن كيانها لمجموعها وعن افرادها ايضا امام الدول الأخرى التي يحتمل أن تكون سدا في بلاء هذه البلاد . بهذا التضامن أثبتت وجودها الآن في عدة مؤتمرات دولية
" نحن حددنا سياستنا قبل كل بلد ، فقد كنا أيام الاحتلال نطالب بأجزاء كثيرة في لبنان كطرابلس وغيرها ، ولكنا كنا نرجو من وراء ذلك نتيجة واحدة هي الاتحاد والوقوف في وجه الأجنبي منعا لاستغلال هذه البلاد . أما وقد استقل لبنان ولم يبق فيه اجنبي واحد فقد أصبحنا لا نسأل عن الأراضي ولا وسعها أو ضيقها ، بل علي العكس تنازلنا عن كل هذا ، وذهبنا أنا وزميلي جميل بك مردم سنة ١٩٤٣ واعترفنا للبنان رسميا محدوده الحاضرة واستغلاله استقلالا اما ، وزال الاختلاف بيننا تماما ، وأصبحت اليوم مصالحنا وثيقة لدرجة أن ليست بيننا حدود ولا جوازات ولا تأشيرات ، وهناك كثير من الموظفين السوريين يعملون في لبنان والعكس بالعكس ، فأتمني أن يكون مثل هذا أول ما ينظره مجلس الجامعة ، وسورية مستعدة لان تلغي كل هذه الحواجز من الآن أمام الدول العربية ، وأن تفتح لها الأبواب .
في سنة ١٩٢٠ كانت شرق الأردن جزءا من سورية محافظة من محافظاتها . ثم جاء الأجانب وفصلوها من الشام فصلا نهائيا كما فصلت فلسطين ولبنان واري قبل التحدث في هذا الموضوع وإثارته أن هناك مشاكل نحتاج لحلها ، وحلولها معلقة بأيدي الآجانب أكثر مما هي في أيدينا ، فإذا استطعنا أن نمكن هذه البلاد بتعاوننا وتضامننا من إقصاء كل أثر للأجانب فيها أمكننا أن نصل من ذلك إلى روابط وثيقة لا يكون للاجنبي دخل فيها ، وبهذا نكون قد
قدمنا خدمة جليلة لهذا الشعب العربي في كل قطر
عرف سعد الله الجابري بالصراحة والجرأة في إعلان رأيه ، وحدث أن صديقا حميما له من عهد الطفولة هو الأستاذ عمر بهاء الأميري كتب إليه في ٢٨ نيسان ١٩٤٦ يصارحه بأن واجبه بعد الجلاء أن يتخلى عن المسئولية ومناصب الحكم ليفرغ من نقد الناس بالحق والباطل لإدارة الأمة وإنعام المهمة الشعبية إلي أن يقبض الله للبلاد في الجيل الجديد من ينهض بأعباء هذه المهمة المقدسة الشاقة ، وأنه بعد اطلاعه على تأليفه الوزارة وأسماء أعضائها أخذته خيبة أمل وعاطفة إشفاق على البلاد وعليه ، لذلك كتب إليه يرجو منه أن يستقبل ويقدم إلى حلب بلده ويقوم بتشكيلات شعبية لتربية الأمة ورفع مستوي الشعب ، فأجابه بكتاب بخط يده جاء فيه : إن الاتفاق سائد بيننا بأن البقاء في كرسي الحكم ضرر وخسارة ولكن تختلف في ناحية أخري : هل المجازفة في سبيل الواجب بكل ما يملكه الإنسان حق مترتب علينا ؟ أم البعد والاحتفاظ بالسمعة العاطرة والنداء العابق والتخلي عن واجب ولو لأمد مؤقت أو طويل ؟ إنني بأصد في جبات على أمرين : الاستسلام لما هو مقدر بعد تأدية كل ما لدي ، والإقدام إذا اضطررت ، فأنا في هذا الموقف لم أستطع له دفعا . وليس لهواي أي دخل في تأليف الوزارة ، فلننظر العمل إذا تلدا الثقة وعندئذ تحكم " .
بهذا الإيمان كان المجاهد العربي يعمل سواء في الميدان الشعبي أم في كرسي الحكم ! وها قد أتم شوطه وودع الحياة المادية في موطنه حلب يوم ٢٠ يونيو ( حزيران ) ١٩٤٧ من ٥٣ عاما ذهب منظمها في الكفاح والسجون والبعد عن البلاد . أما حياته الحقة في سمو نفسه وصفاء أخلاقه وجهاد الوطنى فحبة لا تموت ما بقيت سورية ، بل ما عاشت الامة العربية واعية تعرف مكانها بين الامم وتسجل لرجالها الأعمال المذكورة على الدهر .

