الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 181 الرجوع إلى "الثقافة"

سعد زغلول من أقضيته

Share

كلمة تمهيدية :

إن الله سبحانه وتعالي عظيم . ولكن شتان بين عظمته كما يراها الانسان المجرد وبين عظمته كما يراها نيوتون او اينشتين . فان الرجل الفطري ليهوله بُعد ما بين القاهرة والاسكندرية ، أو بعد ما بين مصر كلها وبين غيرها من أقطار الأرض . فيصيح : وافواناه : ما أعظم قدرة الله !

ولكن العالم الفلكي ينظر إلي النجوم فيقيس بعد ما بينها وبين الأرض . فيري ان بعضها يحتاج إلى آلاف السنين ليصل إلينا ضوؤه . وأن هذا الضوء ليسري في الفضاء بسرعة 180,000 ميل في الثانية الواحدة ، فيدرك من عظمة الله ما لا يستطيع أن يدركه الرجل العادي . وكذلك يصنع العالم الرياضي أو الكيمياوي ، فأنه يدرس " المادة " ثم يتعقب عناصرها فيرجعها إلي " الذرة ثم يتعقب " الذرة فيردها إلي " إلكترونات " و " بروتونات " ، ويكشف عن خواص كل ذلك فيري من عظمة الله صورة أخري أروع وأغلي وأوقع من كل ما يستطيع أن يدركه الانسان العادي .

هذه كلمة تمهيدية رأيت ان اجعل معناها بين يدي القارئ منذ البداية لان هذا المعنى هو المحور الذي يدور عليه كلامنا في هذا المقال .

فلقد كان سعد - رحمه الله - عظيما . ولكن شتان بين عظمة سعد كما راها المصري المجرد وبين عظمته كما يراها الاستاذ عبده حسن الزيات . ولقد كتب كثيرون

عن عظمة سعد . ولكن الصورة التي وفق الأستاذ لرؤيتها من عظمة سعد صورة فترة لم يلتفت إليها احد بكل هذه العناية . وإن له لفضل إبرازها لنا على هذا الوجه . وإنا المدينون له بالمتعة التي نحسها إذ تجليها معه وتدرك على يديه القديرتين أسرار محاسنها

كان سعد زعيما حرا . وكان وزيرا نابها . وكان نائبا جريئا ولكنه كان قبل كل ذلك قاضيا نزيها حي الضمير . ولم يكن ليقبل وهو يقيم ميزان العدل إلا ان يرضي هذا الضمير اليقظ الحساس ، وفي سبيل ذلك كان يطأ بقدمه كل الاعتبارات الآخرى . إن القانون نفسه لم يكن يستطيع ان يقف بنصوصه في وجهه إذا ما ايقن سعد أن هذه النصوص ذاتها لا تحقق مثله العليا في مناسبة بعينها . إنه هو الذي قال : " في أي شرع يمنع القاضي من إبداء رأيه بحسب ذمته ؟ أمن أجل ان توافق - في الظاهر - المبادئ القانونية تخالف مكارم الأخلاق ؟ ! "

إنه لم يرض لنفسه أن يكون " عبد " القانون كما هو شأن كثيرين ممن يشتغلون بالقانون وأصر - كدأبه - على أن يكون هو " السيد " دائما . السيد ولو على القانون نفسه )

ولقد عرفنا جميعا سعدا الثائر في وجه العالم . وإن الأمثال على هذه الناحية من شخصيته لتتخم أذهاننا فان السنين الأخيرة من حياته لم تكن إلا سلسلة واحدة طويلة من هذه الأمثال الرائعة . فلتنظر اليوم إلي صورة آخري جديدة يقدمها لنا الأستاذ الزيات فيما يقدمه من عشرات الصور التي استنبطها من الاطلاع على ما بقي من أقضيته في دور المحفوظات تلك هي صورة سعد الثائر

في وجه .القانون - أو بعبارة أدق في وجه الاجراآت القانونية التي لا ترضيه . وإنه ليثور هذه الثورة وهو القاضي الذي كان يتعين عليه بحكم منصبه ان يكون راعي هذه الشئون وحاميها

وإنما اخترت هذه الصورة بالذات لأعرضها على القارئ من بين عشرات الصور الآخري التي عرضها الأستاذ عبده الزيات في كتابه لدقة الحكم على تصرف سعد في هذه القضية التي وقع عليها الاختيار . وليعلم القارئ بطرف من تلك الطريقة التي اتبعها المؤلف في رواية اقضية سعد وفي التعليق عليها .

في هذه القضية تقدم إلي سعد ستة من المتهمين كانت تهمتهم أنهم اشتركوا في جريمة سرقة استعملوا فيها وسائل الاكراه. فقضت عليهم جميعا محكمة أسيوط بالأشغال الشاقة . فاستأنف المتهمون هذا الحكم . وقدمت القضية إلي دائرة الجنايات الكبرى التي كان يرأسها سعد . فلما اطلع على القضية سري الريب في نفسه ، فأعاد التحقيق وانتهي منه إلي ان التهمة ثابتة على الأربعة الأولين من المتهمين . فأصبح من المتبعين تأييد الحكم المستأنف بالقياس إليهم . أما المتهمان الباقيان فإن ما هو ثابت في اوراق الدعوي لم يكن يقطع بأدانتهما . فأصبح من المتبعين إلغاء الحكم المستأنف بالقياس إليهما ، والحكم ببراءتهما مما أسند إليهما . .

وحل يوم الخميس الذي كانت تنعقد فيه جلسات تلك المحكمة ، وجلس سعد علي رأس الهيأة . وتأهب للنطق بالحكم فالقى على لسانه سهوا انه (البراءة) للمتهمين الأربعة الأول وأنه " التأبيد " للمتهمين الخامس والسادس وبذلك انعكس الوضع بين الفريقين يقول المؤلف :

" ومضي الخطأ غير ملحوظ حتى حل يوم الأثنين التالي وهو اليوم الذي اعتاد سعد فيه ان يملي اسباب قضاياه على كاتبه . فاذا بها اسباب براءة لهذين المتهمين الآخرين وإذا حوار بين القاضي وكاتبه ، يراجع القاضي فيه قراره فاذا " التأبيد " بخطه - ولكنه لن يتقهقر

سعد - استمر في الأسباب ! الكاتب - ولكن - لا لكن ! - لقد نفذت فعلا حكم المحكمة وقيد المتهمان في

حديدهما إلي الليمان - سيفك إذا الحديد ويترك الليمان . - والحكم - لا بد من تصحيحه ! - لا سبيل إلي التصحيح لأنه لا سبيل إلي إدخال

القضية في الجلسة من جديد . - بل لا بد أن تدخل : - إن قلم الجدول لن يسمح بإدخالها . لأن القضايا تحمل ارقاما في جدول النيابة وأرقاما في جدول المحكمة . وتقدم إلى الجلسات على هذا الاساس . والنيابة لم يعد عندها قضية لهذين المتهمين .

أدخلها الجلسة القادمة ولا شأن لك بالجدول .

وأقحمت القضية في جلسة الخميس التالي إقحاما ونودي المتهمان فلم يحضرا . إنهما لم يسملنا . إنهما في غير هذا المكان ، وإنهما لمطلقا السراح منذ ذلك اليوم - يوم الاثنين - الذي تبين القاضي فيه خطأه . فأنه ما رضي ان ينم ببيته في ذلك اليوم حتى يزور كوربيت - النائب العام- ويستصدر أمره بالإفراج عن المدنيين البريئين

وتهم النيابة في جلسة الخميس بالوقوف للاعتراض على انه لا توجد قضية لهذين المتهمين ، فلا تكاد تبدا الحرف الأول من اعتراضها حتي تكون هذه البراءة قد استكملت لضمير القاضي أسباب راحته ! " انتهي كلام المؤلف .

ويري المؤلف أن هذا الحادث يستحق التعقيب ، فانظر إليه كيف يعقب عليه . إنه يقول : " لست أعرف في عشرات الأحكام التي تشرف هذا الكتاب ما يستحق الإعجاب والتنوية استحقاق هذا الموقف . بل إني لأري الكلام فيه جرحا لعزته ونيلا من جلاله . إن كان ( الجهاد الأكبر )جهاد النفس فهذا إذا هو العدل الأكبر " . العدل علي النفس بل العدل على القانون نفسه . وعلي الأشكال التي تعترض الحق ، وتهم بمصادرة ضمير يريد أن يتخفف من وزر خطئه .

لقد أصاب سعد . وكثر حديثنا في صواب أحكامه . ولكن صوابه كله . وصحوه كله . ودقته في أوجها . ومصريته جميعها . وفقهه الشرعي وغير الشرعي متألقا رائعا ليس شئ منها ليبلغ من احترامنا وإعجابنا وإشادتنا ما يستحق هذا السهو وهذا الخطأ .

ومثلي هذا التقدير السليم من المؤلف هو الذي يجعلنا نكبر فيه هذه السماحة التي سرت إليه بعض روحها ولا شك من كثرة عكوفة على أقضية سعد وامتصاصه لمعانيها والتخلق بأخلاقها . فليس من السهل علي النفس العادية ان تقول إن الخطأ في اوضح صوره يكون باعثا علي الاحترام أو علي الإعجاب .

وهذا هو الذي جعلنا نقول منذ البداية إن العظمة في نفس العظيم سر لا يستطيع كل ذي عينين ان يبصره .

إن الانسان العادي لتعرض عليه صورة من صور الفن الخالدة - صورة الجوكوندا " مثلا - فلا يري فيها إلا ما يشتمل عليه كل وجه آخر من عينين وانف وشفتين ، وما إلي هذه القسمات والملامح . ولن يري الانسان العادي فيها أكثر من ذلك مهما حدق وامعن وتفرس . . ولكن الفنان يقف أمامها مشدودا مأخوذا لأنه يري الوجه غارقا في ابتسامة فياضة مشرقة . ثم يبحث عن هذه الابتسامة في الفم فلا يجدها هناك . ويعود فيبحث عنها في الوجنتين فلا يجد لها عليهما اي اثر ظاهر ، ويظل يتعقب هذه الابتسامة في مظانها فلا يستطيع ان (يضبطها) في جارحة بعينها من جوارح الوجه . ولكنها مع ذلك هناك تكاد تضئ أو قل تك تكاد تدغدغ من ينظر إليها فتحمله هو الآخر على الابتسام !

والناس في حاجة إلي مثل هذا الفنان ليفتح أعينهم على نواحي الجمال في أعمال غيره من الفنانين . والاستاذ الزيات تطوع فحمل عن قراء كتابه مثل هذا العبء بالقياس إلي ما تنطوي عليه أقضية سعد من الصور الرائعة . جزاه الله عما فتح عليه أعيننا من نواحي عظمة سعد أحسن الجزاء

اشترك في نشرتنا البريدية