الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 276الرجوع إلى "الثقافة"

سقوط مملكة إشبيلية، ومحنة بني عباد

Share

لما انهارت دعائم الخلافة الأموية بالأندلس في أوائل القرن الخامس الهجري ، وقامت على انقاضها دول الطوائف كانت دولة بني عباد في إشبلية أقوى الدول الجديدة وأعظمها شأنا ؛ وكان أمراء الطوائف في شقاق مستمر ، يقائلون بعضهم بعضا ، وينتزع القوي منهم أملاك الضعيف ، ويحالفون النصاري بعضهم على بعض ؛ وكان الأمراء النصاري يرحبون بهذه الفرص للتفريق بين الأمراء المسلمين وإضعاف شوكتهم ، ثم إخضاعهم وانتراع أراضهم تباعا . ولم يشد بنو عباد عن هذه السياسة الخطرة ، فمذ قام عميدهم ومؤسس دولتهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد في إشبيلية ، اتجهت أطماعهم إلي محاربة جيرانهم المسلمين وانتراع ما في أيديهم ، واشتبك أبو القاسم ، ومن بعده ولده أبو عمر عمار الملقب بالمعتصم بالله ، في سلسلة من الحروب الطاحنة مع أمراء غرناطة ومالقة وقرطبة انهت باستيلاء بني عباد على قرطبة وفرمونه واستجة وما حولها من الاراضي ، واتسعت بذلك مملكة إشبيلية وغدت أعظم قوة في جنوبي الأنداس .

وخلف المعتضد بالله ولده أبو القاسم محمد (سنة ٤٦١ ه ) ؛ وتلقب بالمعتمد على الله والظافر بحول الله وكان المعتمد من أعظم ملوك الطوائف إن لم يمكن أعظمهم جميعا ، وقد اشهر بخلاله الباهرة من النباهة والشجاعة والفروسية والجود والمدح ، كما اشتهر برفيع أدبه ورائع نظمه ، وكما اشتهر بمحنته وخاتمته المؤسية ، وفي عهده ، سطعت مملكله إشبيلية وكارت تعيد ببهائها وفخامة بلاطها محمد قرطبة الذاهب ولكن هذا البهاء الخلب كان يغشاء كدر الشقاق المستمرين الإمارات الإسلامية ، وكان المعتمد بالرغم من ذكائه وفطنته يري نفسه مضطرا إلى سلوك نفس المنحدر الخطر الذي

انساق إليه أبوه وجده من قبل في سبيل السيادة والملك ؛ ولم ير بأسا في سبيل تحقيق أطماعه أن يماليء ملك  قشتالة على إخوانه المسلمين ، وأن يتعهد له بدفع الجزية ؛ وكان ملك قشتاله يومئذ أميرا واقر العزم والدهاء هو الفونسو السادس ، وكان يعمل بكل ما وسع للضرب والتفريق بين الأمراء المسلمين ، ويؤلب بعضهم على بعض ولا يضن على حلفائه منهم بعونه وتأييده ؛ وكان المعتمد بن عباد يري في جبرانه بني ذي النون أمراء طليطلة أشد خصومه خطرا عليه ، ويسمى جهده إلى إسقاطهم وسحق دولتهم ؛ وقد نشبت بينه وبين يحيى بن ذي النون الملقب بالمأمون عدة وقائع دموية ، فقد المعتمد خلالها قرطبة وقتل بها ولده سراج الدولة ؛ ثم عاد فاستردها ، وهو يضطرم وجدا وحنقا ، ويزمع الانتقام من بني ذي النون بأي الوسائل . ولما توفي المأمون ، وخلفه ولده الضعيف القادر ، انتهز المعتمد هذه الفرصة فغزا أراضي طليطلة واستولي على كثير من أنحائها على أنه لم يقنع بهذا النصر الجزئي ؛ وكان جل همه أن نسحق مملكة بني ذي النون حتى يخلو له الجو في جنوبي الأندلس وفي شرقيه ، ولم يكن يحول دون غايته سوى تحالف بني ذي النون مع ملك قشتاله . وكان الفونسو السادس بالرغم من صداقته الظاهرة لبني ذي النون ، الذين عاونوه وأكرموا وقادته أيام محنته ، حينما هزمه أخوه سانشو ، واستولي على مملكته قبل ذلك بأعوام ، يضمر لهم في الواقع أخبث النيات ، ويتطلع إلي انتزراع مملكتهم المتداعية ، ولم يكن يخشى فى ذلك سوي مناوة ابن عباد وخصومته وعلى ذلك فقد سر العتمد إلي التفاهم مع ملك قشتاله ، وأوفد إليه وزيره الشهير ابن عمار ، وقد كان يومئذ أبرع ساسة الأندلس ، لمفاوضته ، وعقدت بين المنكين محالفة سرية ، تعهد فيها الفونسو بمعاونة المعتمد على محاربة خصومه من الأمراء المسلمين أو النصاري ، وتعهد المعتمد من جانبه بأن يترك الفونسو حرا في محاربة طليطلة والاستيلاء عليها ، وأن يؤدي له جزية الخضوع

وتضيف الرواية النصرانية إلى ذلك ان المعتمد قيل ايضا أن يقدم إحدى بناته زوجة تلك قشتاله ، وأنها حظيت لديه فيما بعد ، وتنصرت باسم اليزابيث ، وانجب منها ولدا هو سانشو الذي قتل حديثا في موقعة "   إفليش " وهي رواية تحمل في نظرنا سيما الإغراق والبطلان ( ١)

وتم لملك قشتاله ما أراد ، ولم يمض سوي قليل حتي استولي على طليطلة بعد حصار قصير(٤٧٨ ه - ١٠٨٥ م ) وانتهت بذلك مملكة بني ذي النون ، وسقط منع معاقل الأندلس في يد أسبانيا النصرانية ؟ وشهدت الأندلس جامدة مروعة تلك الكارثة التي تنذرها بشر المصير ، وسرعان ما أدرك المعتمد بن عباد سوء تصرفه وفداحة الخطأ الذي ارتكبه . ذلك أن حليفه الفونسو ، ما كاد يفتتح طليطلة حتى انقلب عليه يطالبه بالجزية ويطالبه بتسليم بعض الأراضي والحصون التي كانت تحت حكمه بحجة أنها تابعة لطيلطلة ؛ وثار الخلاف بين الحليفين ، وتوعد الفونسو المعتمد بشر العواقب . وشعر المعتمد بالخطر الذي يهدده من حليفه القديم ، وشعر أمراء الأندلس جميعا بأن ملك قشتاله سوف يحتاج قواعدهم وأراضهم كلها إذا لم يبادروا إلي الاتحاد والتضافر على قمع الخطر المشترك ؛ واجتمعت كلمتهم علي توحيد القوي والخطط ؛ بيد أنهم رأوا أن قواهم المضعضعة لم تعد تكفى وحدها لدره الخطر . وانتهوا بعد البحث والتشاور إلي وجوب الالتجاء إلي إخوانهم المسلمين في الضفة الأخرى من البحر ، ودعوتهم إلي إتجادهم وغونهم . وهكذا استغاث ملوك الطوائف بعاهل إفريقية أمير المرابطين يوسف بن ناشفين اللمتوني ، وكان المرابطون يومئذ في أوج سلطانهم وقوتهم ؛ واستجاب أمير المسلمين يوسف إلي نداء أمراء الأندلس ، وعبر إليهم في جيش ضخم ، وسارت قوي الإسلام المتحدة إلى قتال الفونسو السادس ؛ والتقي

الفريقان في " الزلاقة " فهزم النصاري هزيمة فادحة ، وكانت من أيام الإسلام المشهودة ( ٤٧٩ ه - ١٠٨٦ م ) ، وفيها استعد الإسلام حياة جديدة .

-2-

وعاد يوسف إلي إفريقية بعد أن شهد احوال الأندلس وأحوال امرائها ، وأدرك هذا الأمير النابه الذي كان يؤثر العيش الخشن على ملاذ الملك ونعمائه ، أن الحياة الناعمة التي انغمس  فيها أهل الأندلس هي التي فوضت متعتهم ، وفتت في رجولتهم وعزائمهم ، وأن الشقاق الذي استحكم بينهم ، والذي لم ينقطع من بعد عوده ، سوف يقضي عليهم جميعا بلا ريب إذا تركت الأمور في مجراها ، وسوف يمهد لاستيلاء النصاري على جميع أنحاء الجزيرة في أقرب وقت ؛ ومن ثم فقد اعتزم أمره نحو الأندلس ونحو أمرائها العابتين المتنابذين ، المترامين على أعتاب العدو في سبيل قتال بعضهم بعضا .

وفي سنة ٤٨٣ ه عبر يوسف إلى الأنداس المرة الثالثة برسم الجهاد ، وكان قد عبر إليها من بعد الزلاقة مرة أخرى ولكنه لم يقم يومئذ بغزوات ذات شأن ؟ وازداد سخطا على أمراء الأندلس لما بدا من تقصيرهم في نصرته ولما عبر للمرة الثالثة كانت تحدوه نحوهم نبات خطرة ؛ وسار توا إلى غرناطة فاستولى عليها ، وبعث بأميرها عبد الله بن بلكين سجينا إلي أغمات ؛ ثم القي أوامره بافتتاح قواعد الأندلس الأخرى ولا سيما إشبيلية إلي قائده سير بن أبي بكر ، وارتد إلي العدوة يجهز الجيوش والإمداد . وزحقت الجيوش المرابطية على معظم قواعد الأندلس وافتتحها تباعا ، وقتل جميع امرائها او اسروا ، وكان بين القتلى الأمير العالم الشاعر ابن الأفطس عمر المتوكل صاحب بطلميوس وولديه ؛ وسار سير بن أبي بكر بنفسه إلي إشبيلية ؛ وأدرك المعتمد بن عباد أنه سوف يخوض مع المرابطين معركة الحياة والموت ، فتأهب للدفاع عن ملكه وحاضرته بكل ما وسع ؛ واستغاث بحليفة الفونسو السادس

فأمده بجيش كبير ، ولكن المرابطين هزموه على مقربة من قرطبة ؛ واشتبك المعتمد في قوائه بالمرابطين في عدة مواقع ؟ ثم ارتد إلي إشبيلية وامتنع بها لما شهد من تفوق المرابطين عليه في الكثرة والأعبة ؛ وشدد المرابطون الحصار على إشبلية ؛ وسقطت في تلك الاثناء قرطبة في بد المرابطين ، وقتل فيها المأمون ولد المعتمد مدافعا عنها . ثم سقطت رندة ، وأسر فيها ولده يزيد الراضى بالله ، وقتل بالرغم من العهود التي قطعت بتأمينه ؛ وشعر المعتمد بالأمل بغيض في نفسه شيئا فشيئا ، ولكنه استمر على مقاومته حتى اقتحم المرابطون إشيلية عنوة ، وانقضوا عليها كالسيل الجارف ، يمعون فيها سفكا وتخريبا ؛ واستقبلهم المعتمد في خاصته على باب قصره بدافع عن نفسه وملكه حتى اللحظة الأخيرة ؛ ولكن هذه البسالة النادرة لم تقن شيئا ، فاستولى المرابطون على المدينة ، وأسروا المعتمد وآله ، واحتووا على قصره وماله ومتاعه ) ٢١ رجب سنة ٤٨٤ ه - سبتمبر سنة ١٠٩١ م ).

وهكذا سقطت مملكة بني عباد كلمح البصر ، وخبا نجمها الذي سطع حبنا في سماء الأندلس ، ولكنها سقطت أبية كريمة ، في مناظر من الفروسة الرائعة تخلق بالألي شادوها ، ولم تسقط قيل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على يد عميدها الباسل . ومن الخطأ التاريخي ما تزعمه بعض الروايات من أن المعتمد سلم عاصمته إلي الرابطين بالأمان مختارا ( ١). والحقيقة التي تجمع عليها معظم الروايات الإسلامية ، والأندلسية بنوع خاص ، هو ان المرابطين اقتحموا إشبيلية وأخذوها عنوة في مناظر رائعة من التخريب والسفك ، وان المعتمد بن عباد لم يدخر وسيلة في الدفاع عن نفسه وعاصمته ، وانه ظل بدافع حتى اللحظة

الأخيرة ، حتى اقتحم الأعداء قصره ، وأسروه . وقد انهت إلينا في ذلك رواية شاهد عيان هو ابو بكر محمد بن عيسي الداني المعروف بابن اللبانة شاعري المعتمد وصديقه ، فهو يصف لنا في كتابه " نظم السلوك في مواعظ الملوك في أخبار الدولة العبادية " مناظر سقوط إشبلية التي شهدها بنفسه في قوله :

" إلي أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب ، فمعظم الخطب في الأمر الواقع ، واتسع الخرق فيه على الرافع ، ودخل البلد من جهة واديه ، وأصيب حاضره بمادية بادبه ، بعد ان ظهر من دفاع المعتمد وبأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لا مزيد عليه ، ولا انتهي خلق إليه ، فشنت الغارة في البلد ، ولم يبق فيها على سيد لأحد ولا ليد ؛ وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأناملهم ، وكشفت وجوه المخدرات العذاري ، ورأيت الناس سكاري وما هم يسكاري (1)

ووصف لنا الفتح بن خاقان مؤرخ الطوائف ومعاصرهم تقريبا منظر الصراع الأخير بين المعتمد ومهاجميه في تلك المبارات القوية المؤثرة : " ولما انتشر الداخلون في البلد وأوهنوا القوي والجلد ، خرج  ( أي المعتمد)، والموت يتسمر في ألحاظه ، ويتصور من ألفاظه وحسامه بعد بمضائه ، ويتوقد عند انتضائه ، فلقيهم في رحبة القصر وقد ضاق به فضاؤها ، وتضعضعت من رحبتهم اعضاؤها ، فحمل فيهم حملة صيرتهم فرقا ، وملأتهم فرقا ، وما زال يوإلى عليهم السكر المعاد ، حتى أوردهم النهر ، وما بهم من جواد ، واودعهم حشاء كانهم له فؤاد ، ثم انصرف وقد أيقن بإنتهاء حاله ، وذهاب ملكه وارتحاله ، وعاد إلى قصره ، واستمسك به يومه وليلته ، مانما لخوذته ، دافعا للذل عن عزته . . " ( ٣ ).

وهذا ما يؤيده شعر المعتمد نفسه في وصف ذلك اليوم

الشهود إذ يقول

إن يسلب القوم العدا.....ملكي وتسلمني الجموع

فالقلب بين ضلوعه.......لم تسلم القلب الضلوع

قد رمت يوم نزالهم .......ألا تحصني الدروع

وبرزت ليس سوى القميص عن الحشائي ، دفوع

وبذلت نفسي كي نسيل إذا يسيل بها النجيع

أحلى تأخر لم يكن......بهوا ي ذلي والخضوع

ما سرت قط إلي القتال.....وكان من أملي الرجوع

شيم الألي أنا منهم.......والأصل تتبعه الفروع

ثم يقول لنا الفتح إن المعتمد لما التجأ إلى قصره بعد سقوط حاضرته وتفرق جيشه ، وفقد كل أمل في النجاة ، فكر في ان يقضي على نفسه بيبده ، ولكن منعه من ذلك إيمانه وتقاه ، فاستسلم إلى هوان الاسر ، وقبض عليه المرابطون وعلى جميع ولده ونسائه وآله

( للكلام بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية