-٢-
وكان يوسف بن تاشفين قد قرر مصير بني عباد كما قرر مصير من قبلهم من الأمراء المغلوبين ، وقد رأينا كيف بطش المرابطون بأمراء الأندلس فقتلوا بعضهم ، وأسروا البعض الآخر وألقوا بهم إلي غيابة السجن ، وكان بين القتلى المأمون ويزيد الراضي بالله ، ولدا المعتمد بن عباد، قتل الأول مدافعا عن قرطبة ، وأسر الثاني ثم قتل عند سقوط رندة . أما المعتمد نفسه فكان نصيبه الأسر والنفي ، وربما كانت لدي الظافر في الإبقاء على حياته بواعث أخري غير الرأفة به ، فما كان المعتمد بن عباد من أولئك الذين يتهيبون الموت أو يخشونه ، بل لقد كان يطلبه ويسعى إليه كما رأينا ؛ وربما أراد سيد المرابطين بذلك أن يتجرع المعتمد كأس الذلة إلي نهايتها ، وأن يمرغ في التراب ذلك الذي كان قطب الفتنة في الأندلس ، وأن يذيقه من العذاب المعنوي أروع ألوانه . وعلى أى حال ، فقد انتزع المعتمد وآله من " قصر " إشبيليه المنيف ، وحملوا جميعا إلي السفن التي أعدت لنقلهم إلي المنفي ؛ وسارت السفن من إشبيلية في في نهر الوادي الكبير في طريقها إلي المغرب ، في مناظر تذيب القلب حزنا وأسى ؛ وضجت جموع الشعب الغفيرة التي احتشدت على ضفتي النهر لوداع المعتمد بالبكاء والنواح حينما شهدت سيدها وراعيها بالأمس يرسف وجميع آله في الأغلال ، ويغادر موطن عزه إلي مصيره المجهول . وفي ذلك يقول الشاعر المعتمد أبو بكر بن اللبانه ، وقد كان من شهود ذلك اليوم ، من قصيدة طويلة :
نسيت إلا غداة النهر كونهم في المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين و اعتبروا من لؤلؤ طافيات فوق أزباد
حطّ القناع فلم تستر مخدّرة و مزّقت أوجه تمزيق أبراد
حان الوداع فضجّت كلّ صارخة و صارخ من مفدّاة و من فادي
سارت سفائنهم و النّوح يتبعها كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع و كم حملت تلك القطائع من قطعات أكباد (١)
وأنزل المعتمد وأسرته أولا بطنجة ، واعتقلوا فيها أياما ؛ وهنالك زاره الحصري الضرير الشاعر ، وألحف في طلب الصلة ، ورفع إليه أبياتا مدحه فيها ولم يراع في ذلك حرج الموقف ؛ وابت على المعتمد أريحيته الملوكية ان يرده ، فبعث إليه بستة وثلاثين مثقالا ، وقطعة شعر يعتذر فيها عن ضآلة الهبة ؛ فكانت آخر صلاته الملوكية . ثم أخذوا بعد ذلك إلى مكناسة ، وقضوا هنالك أشهرا قبل أن يحملوا إلى مقرهم النهائي (٢)
وأخيرا صدر الأمر بتسييرهم إلي أغمات ، وهي مدينة صغيرة تقع على مقربة من مراكش عاصمة المرابطين؛ وكانت قد اختيرت لتكون منفي للأمراء الاندلسيين ، وإليها سبق عبد الله بن بلكين امير غرناطة وآله من قبل ؛ وحل المعتمد بن عباد وآله في اغمات في اواخر سنة ٤٨٤ أو أوائل سنة ٤٨٥ ه ، وزجوا إلي قلعتها المنيعة ؛ وهنالك قضى المعتمد عدة أعوام يرسف في أغلال الأسر ، ويتجرع غصص المهانة والذلة ، ويلقي عذاب الشهيد المعنى ؛ ولم يكن مقام المعتمد بأغمات معتقلا عاديا ، بل كان سجنا شنيعا بكل معاني الكلمة ، ضيق فيه على المعتمد وآله أشد تضييق ، ولم يكن يطلق إليهم ما يكفيهم من النفقة ، فكان
المعتمد وزوجه اعتماد الرميكية التي كانت تسطع في الأندلس بحمالها وخلالها البارعة ؛ وأبناؤه الأمراء ، وبناته الآقمار يرتدون الثياب والاطمار الخشنة ؛ وكان بنات المعتمد يشتغلن بالغزل ليعلن والدهن واسرتهن . وهنالك ما يدل علي ان المعتمد كان مصفدا بالحديد في قدميه علي الاقل في أواخر أيام أسره، ولم تكن هذه المعاملة الشنيعة لاعظم ملوك الطوائف عفوا ، بل كانت مقصودة بلا ريب ، وكانت قسوة لا مبرر لها من الظافر ، ولم تكن تتفق في شئ مع ما أثر عن يوسف بن تاشفين من الفروسية والخلال الحسنة ؛ وسنري فيما بعد كيف يفسر موقفه وكيف يلتمس له الأعذار .
واشتدت وطأة الأسر على اعتماد زوج المعتمد ، ولم تقو طويلا علي مغالبة المحنة ، فذوت نضارتها بسرعة ، ثم توفيت ، ودفنت بأغمات على مقربة من معتقل زوجها وأولادها ؛ فحزن المعتمد لوفاتها أيما حزن ، واشتد به، الضني والأسى .
وأذكت المحنة شاعرية المعتمد ؛ وكان القريض عندئذ عزاءه وغذاءه الروحى ؛ فصدرت عنه في معتقله طائفة كبيرة من القصائد المؤسية وكلها تلهف على سابق مجده وبكاء ،على ماضيه ، ورثاء لمحنته ، فمن ذلك قوله :
أَنباءُ أَسرك قَد طَبّقن آفاقا
بَل قَد عَمَّمن جِهاتِ الأَرضِ إِقلاقا
سارَت مِن الغَربِ لا تُطوى لَها قَدَمٌ
حَتّى أَتَت شَرقَها تَنعاكَ إِشراقا
فَأَحرَقَ الفَجعُ أَكباداً وَأَفئِدَةً
وَأَغرَقَ الدَمعَ آماقاَ وَأَحداقا
قَد ضاقَ صَدرُ المَعالي إِذ نُعِيَت لَها
وَقيل إِنَّ عَلَيكَ القَيدَ قَد ضاقا
وقوله يوم عيد ، وقد ابكاه منظر أولاده وبناته :
فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسرورا
فَساءَكَ العيدُ في أَغماتَ مَأسورا
تَرى بَناتكَ في الأَطمارِ جائِعَةً
يَغزِلنَ لِلناسِ ما يَملِكنَ قَطميراً
بَرَزنَ نَحوَكَ لِلتَسليمِ خاشِعَةً
أَبصارُهُنَّ حَسيراتٍ مَكاسيرا
يَطأنَ في الطين وَالأَقدامُ حافيَةٌ
كَأَنَّها لَم تَطأ مِسكاً وَكافورا
أَفطَرتَ في العيدِ لا عادَت إِساءَتُهُ
فَكانَ فِطرُكَ لِلأكبادِ تَفطيرا
قَد كانَ دَهرُكَ إِن تأمُرهُ مُمتَثِلاً
فَرَدّكَ الدَهرُ مَنهيّاً وَمأمورا
مَن باتَ بَعدَكَ في مُلكٍ يُسرُّ بِهِ
فَإِنَّما باتَ بِالأَحلامِ مَغرورا
وقوله وقد رأى سربا من القطا يمر بمعتقله:
بَكيتُ إِلى سربِ القَطا إِذ مَرَرنَ بي
سَوارِحَ لا سِجنٌ يَعوقُ وَلا كبلُ
وَلَم تَكُ وَاللَهُ المعيد حسادَةً
وَلَكِن حَنيناً إِنّ شَكلي لَها شَكلُ
فاِسرع فَلا شمل صَديعٌ ولا الحَشى
وَجيعٌ وَلا عَينان يُبكيهِما ثَكلُ
وأذكت مأساة بني عباد في الوقت نفسه دولة الشعر بالأندلس ، ونظم اكابر شعراء العصر في رثاء دولتهم والتوجع على أيامهم طائفة من القصائد المؤثرة ، التي ما زالت تحتفظ إلى اليوم بكل روعتها وحياتها ؛ وكان اغزرهم في ذلك مادة ، أبو بكر بن اللبانة شاعر المعتمد المتقدم ذكره ، فقد بقي على صلاته ووفائه للمعتمد ، وزاره في سجنه بأغمات ، ونظم في دولته وأيامه ، وفي محنته واسره ، عدة من قصائده الرنانة ، يضمها كتاب وضعه في تاريخ بني عباد عنوانه
" كتاب نظم السلوك في مواعظ الملوك ) ١ ( "
واستطال أسر المعتمد وسجنه حتى سنة ٤٨٨ ه بيد أنه استطاع في غمر المحنة والبؤس الطاحن ان يحتفظ بكثير من جلاله السابق ، فكان هذا الجلال يشع في ظلمات سجنه كما يشع ضوء الشمس إذا أحدق بها الغمام وفي أواخر أيامه شدد يوسف في التضييق عليه ، وأمر بتصفيده بسبب ثورة محلية قام بها ولده عبد الجبار في بعض حصون اشبيلية ؛ وكان ممن افلت عند سقوطها . وفي اليوم الحادي عشر من شوال سنة ٤٨٨هـ ) ١٠٩٥ م ( توفي المعتمد في سجنه بأغمات ، بعد اسر دام زهاء اربعة اعوام ، وكان سنه عند وفاته سبعا وخمسين سنة وبضعة أشهر ) وكان مولده سنة ٤٣١ ه ( ودفن بأغمات إلي جانب زوجه اعتماد الرميكية . ومما قاله في رثاء نفسه قبيل وفاته ، وأمر أن يكتب على قبره :
قَبرَ الغَريب سَقاكَ الرائِحُ الغادي
حَقّاً ظَفَرتَ بِأَشلاء ابن عَبّادِ
بِالحِلمِ بالعِلمِ بِالنُعمى إِذِ اِتّصلَت
بِالخَصبِ إِن أَجدَبوا بالري لِلصادي
بالطاعِن الضارِب الرامي إِذا اِقتَتَلوا
بِالمَوتِ أَحمَرَ بالضرغمِ العادي
بالدَهر في نِقَم بِالبَحر في نِعَمٍ
بِالبَدرِ في ظُلمٍ بِالصَدرِ في النادي
نَعَم هُوَ الحَقُّ حَاباني بِهِ قَدَرٌ
مِنَ السَماءِ فَوافاني لِميعادِ
وَلَم أَكُن قَبلَ ذاكَ النَقشِ أَعلَمُهُ
أَنَّ الجِبال تَهادى فَوقَ أَعوادِ
كَفاكَ فارفُق بِما اِستودِعتَ مِن كَرَمٍ
رَوّاكَ كُلُّ قَطوب البَرق رَعّادِ
وهكذا اختتم المعتمد حياته الباهرة في عمر المحنة وظلمات العدم ، وتفرق من بعده ولده وآله في مختلف الأنحاء ولكن ذكراه لبثت طويلا حية في المغرب والأندلس ؛ ولبثت محنته وخاتمته مضرب الأمثال في تقلب الحدود وعبر الدهر وبعد وفاته بقليل وفد على أغمات أبو بحر بن عبد الصمد وهو من شعراء دولته وخاصة المتصلين به وذهب يوم العيد إلي قبره فخر أمامه ، وغمره بقبلاته وبلله دموعه ، وانشد بين الجماهير التي احتشدت من حوله مرثيته الغراء في المعتمد بن عباد ، ومطلعها:
ملك الملوك أسامع فأنادي
أم قد عدتك عن السماع عواد
لما خلت منك القصور ولم تكن
فيها كما قد كنت في الأعياد
أقبلت في هذا الثري لك خاضعا
وتخذت قبرك موضع الإنشاد
قد كنت أحسب أن تبدد ادمعي
نيران حزن أضرمت بفؤادي
فإذا بدمعي كلما أجريته
زادت على حرارة الأكباد
فبكى الناس احر بكاء وهم يطوفون بالقبر طواف الحجيج وكان منظرا يفتت الأكباد ) ١ (
ولما ذهبت دولة المرابطين بعد ذلك بنحو اربعين عاما غدا قبر المعتمد بن عباد وقبر زوجه الرميكية في اغمات مزارا يحج إليه الوافدون من أنحاء المغرب والأندلس ، واستمر كذلك عصورا ؛ وفي سنة ٧٦١ ه ) ١٣٦٠ م ( زاره الكاتب والشاعر الكبير الوزير لسان الدين بن الخطيب ووصفه لنا بقوله : " وهو بمقبرة اغمات في نشز من الأرض ، وقد حفت به سورة وإلى جانبه قبر اعتماد حظيته ، مولاة رميك ، وعليها هيئة التغرب ، ومعاناة الخمول ، من بعد الملك ، فلا تملك العين دمعها عند رؤيتهما . وانشد على
القبر أبياتا يقول فيها :
قدْ زُرْتُ قَبْرَكَ عنْ طَوْعٍ بأغْماتِ
رأيْتُ ذلِكَ منْ أوْلَى المُهِمّاتِ
أنافَ قَبْرُكَ في هَضْبٍ يَميزُهُ
فتَنْتَحيهِ حَفِيّاتُ التّحِيّاتِ
كرُمْتَ حَيّاً ومَيْتاً واشْهرْتَ عُلاً
فأنْتَ سلْطانُ أحياءٍ وأمْواتِ
ما يرِي مِثْلُكَ في ماضٍ ومُعْتَقَدِي
أنْ لا يرى الدّهْرُ في حالٍ ولا آت
وزاره المقري مؤرخ الأندلس في سنة ١٠١٠ ه ) ١٦٠٢ ( ورآه كما ذكره ابن الخطيب فوق رابية في مكان يغمره النسيان ، فوقف أمامه خاشعا متأثرا ) ١
- 2 -
كانت خاتمة المعتمد بن عباد مأساة من أروع المآسي الملوكية ؛ وما زالت محنة هذا الأمير الشاعر تحتفظ إلي يومنا بالرغم من كر العصور بألوانها المشجية . وقد اثارت عطف الرواية الإسلامية وتأثرها البالغ ، ويبدو هذا العطف بنوع خاص في روايات مؤرخي الأندلس والمشرق ، وفي كثير منها يصور المعتمد شهيد القسوة والعسف ؛ ومنها ما يشدد الحملة على يوسف بن تاشفين ويصمه بأقسى الصفات ، فيقول لنا ابن الأثير مثلا في التعليق على أسر بني عباد واعتقالهم : " وفعل امير المسلمين بهم فعالا لم يسلكها أحد ممن قبله ، ولا يفعلها احد ممن يأتي بعده إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة . . وأبان أمير المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفسه ولؤم قدره
وقد أسبغت قسوة يوسف نحو أمراء الأندلس ، ونحو المعتمد بنوع خاص ، على سيرته وعلى خلاله سحبا لم تمحها جميع الأعذار التي انتحلت لتبرير عمله وتتلخص هذه الأعذار في أن المعتمد كان بسياسته وتصرفه نحو
شئون الأندلس ، وتحالفه مع النصارى علي إخوته في الدين ، وتعريضه بمستقبل الإسلام في الأندلس إلي الخطر تحقيقا لمطامعه الشخصية ، يستحق أعظم اللوم ، وانه عوقب بما تقضيه فداحة ذنبه . على أنه إذا كان حقا أن المعتمد يحمل بسياسته الأندلسية أمام التاريخ تبعات ثقيلة ، فإنه من الحق أيضا أنه حينما استفحل الخطب وظهر شبح الخطر على الإسلام ، كان أول الداعين إلي الوحدة وإلي طلب الغوث من المرابطين ، وأنه لم يبخل في ذلك السبيل بتضحية حصونه التي طلبها يوسف قبل عبوره إلي الأندلس ، وأنه أبلي في موقعة الزلاقة أعظم البلاء ، وعاون في نيل النصر أعظم معاونة . كذلك لا ريب أن البواعث التي دفعت يوسف إلي افتتاح الأندلس وامتلاكها لم تكن دينية فقط ، بل كانت دنيوية أيضا ، وأن الأندلس كانت تجذب المرابطين بخصبها وغناها ونعمائها . وإنه ليحق لنا أن نتساءل أي ضرورة ، أو أي حكمة اقتضت أن يبطش المرابطون بأمراء الأندلس ، وأن يمعنوا فيهم قتلا وتعذيبا على النحو الذي اتبعوه بعد أن استولوا على أملاكهم وأراضيهم ؟ وأي ضرورة اقتضت أن يعامل سيد المرابطين المعتمد بن عباد وآله بهذه القسوة المروعة ، بعد أن غدوا في يده أسرى لا حول لهم ولا قوة ؟ وكيف سمح أمير المسلمين القوي القادر لنفسه أن تمتد هذه القسوة إلي الولد الضعاف والنساء والبنات ؟ لقد كان المعتمد مثقلا بتبعات عمله كأمير وملك من ملوك الطوائف ، أفلم يكن يكفيه فقد ملكه وسلطانه للتكفير عما أثم بسابق تصرفه ؟ وماذا كان يضير الظافر لو عامله بشيء مما يقتضيه سابق مكانته من الرفق والرعاية ؟ !
هذه تأملات تثيرها في النفس محنة المعتمد بن عباد ، ولا ريب أن هذه الخاتمة المؤسية ، قد أسبغت على المعتمد ثوب شهيد ، يستحق عطف التاريخ ، وصفح الأجيال .

