كان مما قررته الحكومة البريطانية أخيرا أن توسع " مصلحة الدعاية " وان تخصص لأعمالها اعتمادا قدره مائة ألف جنيه ، هذا عدا مائة وخمسين ألفا أخرى تخصص لنشر الثقافة البريطانية وتدعيم نفوذها في الخارج ؛ وأن تنشئ وزارة جديدة تسمى " وزارة الاستعلامات " ، على أن تكون وقت السلم هيئة " رمزية " فقط ، ولكنها تغدو وقت الحرب هيئة هامة عاملة ، ومشروع هذه الوزارة الآن قيد البحث والدرس ، وسيكون من أهم وظائفها وقت الحرب أن تمد الصحافة بكل ما تحتاج إليه من الأنباء والمعلومات ، وأن تقوم بالرقابة اللازمة على الصحف والشرائط المصورة ( الأفلام ) والراديو ، وسيكون بين موظفيها رجال من جميع الأحزاب .
وإقدام الحكومة البريطانية على اتخاذ هذه القرارات يثير مسألة تحتل اليوم بين الشئون الدولية مقاما ذا شأن ، هي مسألة الدعاية ، وما يترتب عليها من آثار سياسية واجتماعية خطيرة . ويلاحظ أن " مصلحة الدعاية "
البريطانية لم تنشأ إلا منذ أشهر قلائل ، وأن مسألة الدعاية كلها لم تثر اهتمام الحكومة البريطانية إلا في العهد الأخير الذي اشتدت فيه وطأة الدعايات الأجنبية ضد انكلترا ؛ ذلك أن الرأي العام الانكليزي ينفر بطبيعته من الدعايات المنظمة ، ويرتاب في قيمتها وأغراضها ؛ ولكن انكلترا شعرت في العهد الأخير أن الحملات القوية المثيرة التي تنظم ضدها في ألمانيا وإيطاليا ، سواء عن طريق الصحافة أو الخطابة أو الإذاعة اللاسلكية ، تكاد تحدث آثارها السيئة في قسم كبير من الرأي العالمي ، وتكاد تصيب هيبة الامبراطورية البريطانية برشاشها ، ومن ثم فقد رأت أن تتخذ بعض الخطوات التي يمكن أن تعاون في مقاومة آثار الدعاية الأجنبية ، فبدأت بإنشاء المجلس البريطاني BritshCouncil برياسة اللورد جورج لويد ، ليعني بالمسائل الثقافية المتعلقة بالأمبراطورية ، فيعمل على إنشاء المدارس والمعاهد البريطانية في الخارج ، وعلى نشر الثقافة الانكليزية ولا سيما في الشرق الأدنى ، ويقوم
بدعوة الطلاب والصحفيين والكتاب والفنانين ، لزيارة انكلترا والكتابة عنها، ثم أنشأت الاذاعة اللاسلكية الاخبارية لتذيع الانباء الدولية ، وأنباء الامبراطورية باللغات الألمانية والعربية ، ثم بالإيطالية والأسبانية ، وذلك ردا على ما تذيعه المحطات الألمانية والإيطالية من أنباء مغرضة ؛ وقد لاقت هذه الاذاعة نجاحا لاريب فيه ، غير أنها مازالت تلتزم الاعتدال والتحفظ ، وتجانب الهجوم أو الدعاية ضد دولة بعينها .
ولكن الدعاية الأجنبية ضد الأمبراطورية البريطانية اشتدت في الأشهر الأخيرة ، وألقت في بعض متاعب السياسة البريطانية مادة غزيرة لحملاتها ، واقترنت هذه الحملات في أحيان كثيرة بأنواع خطرة من الأكاذيب والتعليقات المهينة ، وضج الرأي العام البريطاني من سكوت حكومته ، وارتفعت الضجة في البرلمان وفي الصحافة بوجوب إنشاء وزارة للدعاية ، ترد عن بريطانيا العظمي عادية الدعايات المغرضة ؛ وأخيرا اضطر المستر تشمبرلن أن ينزل عند الرغبة العامة ، وأن يوافق على إنشاء مصلحة جديدة بوزارة الخارجية تسمى " مصلحة الدعاية الخارجية Foreign Publicity Department " أسندت رآستها إلى اللورد برث سفير انكلترا السابق في رومة ؛ يبد أن الرأي العام لم يرض كل الرضى عن هذه الخطوة الجزئية ، ولا عن اختيار اللورد برث نظرا لماضيه المعروف في تحبيذ السياسة الفاشستية والحض على الثقة بإيطاليا ، وإرضاء الدول الدكتاتورية ، وهي سياسة ظهر خطؤها وقصر نظرها .
وهذه المصلحة الجديدة هي التي قررت الحكومة البريطانية أخيرا توسيع أعمالها ، وتزويدها بالمال الوفير ، ثم رأت أن تقرن ذلك بإنشاء وزارة "رمزية " للدعاية أو الاستعلامات حسبما قدمنا .
- ٢ - والواقع أن الدعاية قد أصبحت اليوم سلاحا له خطره في توجيه الشعوب وتكوين الآراء العامة . وقد أدركت
إيطاليا الفاشستية ومن بعدها ألمانيا الهتلرية ، أهمية هذا السلاح النفسي ، فأنشأت كل منهما أداة قوية للدعاية تسيطر علي الرأي العام ، ويخضع لصوتها كل وسائل التثقيف والإعراب عن الرأي والأخبار ، مثل الصحافة والنشر بسائر أنواعه ، والإذاعة اللاسلكية ، والسينما والتمثيل ، وغيرها ، فلا يسمح للفرد ان يقرأ غير ما يقدم إليه ، أو يقف على غير ما يزود به من المعلومات ، أو يفكر بغير الطريق المرسوم له ، ولا يسمح للرأي العام أن يستنير او يناقش أو ينقد ، وعليه فقط أن يستمع لما يلقي إليه ، وان يؤمن بما يطلب إليه ان يعتقد . وتتولى وزارة الدعاية رسم الخطط والأساليب ، وصوغ الآراء ، ثم نبثها إلي الشعب بجميع الوسائل المتقدمة ؛ ولا يسمح للشعب أن يطلع على شيء من المطبوعات أو الصحف الأجنبية التي قد تحتوي من المعلومات أو التعليقات ما لا يرغب في إذاعته .
وقد أستغلت ألمانيا الهتلرية سلاح الدعاية أعظم استغلال ، وجعلت من الشعب الألماني كتلة توجهها وزارة الدعاية حيثما شاءت ، وحظرت على تفكيره وعقله وروحه أن يتأثر بغير ما تلقيه إليه على يد صحافتها وإذاعتها اللاسلكية ، حتى إنه ليس من المبالغة أن نقول إن الشعب الآلماني يعيش اليوم في عالم وحدة ، ولا يكاد يقف على شيء مما يدور خارج ألمانيا علي حقيقته ، إلا ما يتسرب إليه من الأنباء بواسطة الصحف أو الاذاعات اللاسلكية الأجنبية ، وهذه تطارد أشد المطاردة ، وينكل بمن يقرأها أو يستمع إليها أشد نكال .
ويجب لكي نقدر أهمية سلاح الدعاية في يد ألمانيا النازية أن نستمع إلى ما قاله هتلر نفسه عن الدعاية ووسائلها ومؤثراتها ، فقد عقد في كتابه " كفاحي " فصلا خاصا في هذا الموضوع ، ينوه فيه بما كان للدعاية من أثر حاسم في انتصار الحلفاء في الحرب الكبرى ، ويفصل مبادئ الدعاية فيما يأتي :
" يجب أن يكون التحدث إلى الدهماء لا إلى المتعلمين ،
فهؤلاء هم عنصر خطر ، يجب أن تستعمل في إسكاتهم وسائل الأوغام ؛ ويجب أن لا ندعي في مخاطبة الجماهير أننا نعلمها ، وإنما يجب فقط ان نحاول إقناعها بصحة واقعة معينة ، والايمان بضرورة لا مفر منها ، ويجب أن تتوجه إلي العاطفة ، وألا نتوجه إلى العقل والمنطق إلا بمنتهي التحفظ .
" والدعوة يجب أن تلقي إلي أحط طبقات المجتمع مستوى في التفكير ، فإذا كانت كتلة الجمهور المخاطب عظيمة جدا ، كأن يتعلق الأمر مثلا بتوجيه شعب بأسره إلي وجهة معينة ، فيجب التحوط في مخاطبته ، وتجنب كل ما يمكن أن تتطلبه كغاية مفكرة من أى نوع .
" والدعوة أشد ما تكون أثرا إذا وجهت إلي القلب ( الشعور ) دون العقل . ذلك أن مقدرة التطبع لدى الجمهور ضئيلة جدا ، وهو ضعيف الادراك ، ولكن رغبته في النسيان لاحد لها ، ولذا فإنه يجب ان نلتزم في مخاطبته نقطا قليلة وأن نكررها دائما .
" ثم إنه يجب ألا توزع المسئوليات ، فينصف البعض وينتقص البعض . ذلك أن الجمهور كالمرأة ، فهو يحب أو يبغض أو يوافق أو يعارض ؛ وهو يصوب أو يخطئ ، ولا يتوسط أبدا ، وهو يستسلم إلي ذلك الذي يؤكد له أمرا من الأمور بلا تحفظ " .
هذا هو إنجيل الدعاية كما وضعه هتلر نفسه ، وهو يطبق اليوم في ألمانيا بمنتهي الصرامة والدقة ، ويقترن تطبيقه ببعض الحالات النفسية التي تعمل ألمانيا لخلقها بالدعاية ثم تتخذها مهادا صالحة لتنفيذ خططها.
مثال ذلك أن حالة ألمانيا تقتضي أن تعيش في جو من المطالبة الدائمة . وهذه المطالب تسند إلي حقوق الشعب الألماني ؛ والتمسك بها يعاون في تدعيم وحدة الأمة ، يحملها على الاعتقاد بأنها يجب أن تقف دائما صفا واحدا للدفاع عن حقوقها التى يغتصبها الغير ، ثم إنه يجب إلى جانب ذلك أن يحمل الخصوم على الاعتقاد دائما بأن السلم مصون
غير مهدد ، وأن تعلن عليه حرب الأعصاب مع ذلك حتي يفقد عزائمه بين الخوف من الحرب والتعلق بالسلام .
كذلك يجب أن يكون في الخطابات أو التصريحات الرسمية الخطيرة جوانب من الغموض ، والوعد والوعيد ، أسمح بتأويلها ، تارة بما يقض المضاجع ، وتارة مما يهدئ الأعصاب .
ولا بأس من أن تتوج النظريات المختلفة التي تلقي بها أبواق الدعاية إلى الشعب ، بفتاوي المشترعين ، وأسانيد المؤرخين ؛ وللحزب النازي في الواقع جمهرة من الكتاب والمشترعين من هذا الطراز ،
وقد نشطت الدعاية الفاشستية والنازية إلى العمل في الخارج بعد أن وطدت سيادتها في إيطاليا وألمانيا ؛ ويوجد اليوم في مختلف أنحاء العالم جيش ضخم من هؤلاء الدعاة ، وهم يعملون بالأخص حيث يمكن النيل من المصالح البريطانية أو الفرنسية ، أو حيث يمكن حشد الرأي العام إلى جانب الكتلة الدكتاتورية . وتدعم نشاطهم من جهة أخرى إذاعات لاسلكية قوية منظمة ، ترسل من المحطات الألمانية والايطالية بلغات عديدة إلى مختلف أنحاء العالم .
وهذا النشاط الخطر هو الذي يحمل الحكومة البريطانية اليوم على الاهتمام بأمر الدعاية على النحو الذي أسلفنا . والمعروف أن الحكومة الفرنسية من جانبها قد عنيت أيضا بهذه المسألة وانشأت مصلحة جديدة في وزارة الخارجية لمكافحة الدعاية الأجنبية بوسائل من نوعها .
وهكذا نري أن حرب الدعاية يتسع مداها يوما عن يوم ، وهي اليوم تغمر أنحاء العالم ؛ يبد أنه مما لا ريب فيه أن هذا السلاح النفسي علي مضائه وخطره أشد ما يكون عرضة لعناصر الضعف ، فهو مسبوق دائما بالريب وسوء الظن ، خصوصا في المجتمعات التى ما زالت تتمتع بنعمة الحرية في التفكير والتقدير ، وهو لذلك معرض للفشل المحقق متى بدت فيه أقل الثغرات .
