الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 129الرجوع إلى "الثقافة"

سلامة القس

Share
[ كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى عمار شابا تقيا طاهرا عفيفا ، كفلته أمه بعد وفاة أبيه وهو فى الثانية من عمره ، فأسلمته إلى أحد أقاربها ليحفظ القرآن ، وحببت إليه الاعتكاف بالمسجد الحرام ، يروى عن علمائه الحديث حتى تعلمه فى دينه ، وأصبح مضرب الأمثال ، حتى لقبه أهل مكة بالقس . وقد خرج فى الحر أحد الأيام للصلاة فى السجد ، فلقيه أبو الوفاء ودعاه إلى لقائه  بعد الصلاة عند حلقة الدرس ليحدثه فى أمر هام ، حتى إذا انتهت الصلاة ، اجتمع عبد الرحمن بأبى الوفاء وصديقين من أصدقائه ، قص عليه أبو الوفاء نبأ قدوم جميلة ، إحدى الفتيات ، ونزولها بدار آل سهيل ، حيث أحيت ليالى باهرة تغنت فيها بشعر ابن أبى ربيعة ، وهو كما عرف عنه مستهتر ، يثيب بالمحصنات ، وطلب أبو الوفاء آخر الأمر من ابن أبى عمار أن يتوسط لدى الوالى فى إخراج جميلة من مكة ، حتى لا تفسد على الناس أمور دينهم . وفى نفس الوقت كانت سلامة جارية أبى الوفاء تنهض من نومها متثاقلة إطاعة لأمر مولاتها ، وهى تترنم بغناء سمعته من جميلة المغنية ، التى كانت تغنى فى المساء السابق عند آل سهيل ، وما لبثت بعد ذلك أن صلت الصبح ، ثم مضت ترعى شويهاتها ، وفيما هى ترعى وتتغنى بشعر ابن أبى ربيعة ، التقت غلام يرعى غنمه يدعى حكيما ، كان حسن الصوت ، فأسمعها شيئا مما كانت تغنيه ] .

وبرمت سلامة بهذه المطاولة من حكيم فقالت فى شئ من الحدة :

- يا لله ! ما لنا ولهذا ؟ أسمعنى من أصوات جميلة أقول لك .

رأى حكيم برمها فآثر أن يرضيها وقال لها : - سأسمعك لحنا صنعته جميلة فى شعر عبيد الله بن قيس الرقيات ، فهلمى بنا نقعد على ذلك التل ونرسل غنمنا فى أسفله .

وأشار إلى تل صغير إلى يسارهما على أسفله قليل من العشب ، فوافقته سلامة على ما اقترح ، ومشيا يهشان غنمهما وأصعدا فى التل حتى قعدا على منتصف السفح ، وانتشر الغنم يرعى فى أسفله ، واختلط بعضه ببعض .

بدأ حكيم يتمتم بالغناء ، وما زال صوته يرتفع شيئا فشيئا حتى رن صداه فى ذلك الخلاء :

بنفسى من لو مر برد بنانه

                على كبدى كانت شفاء أنامله !

ومن هابنى فى كل شئ وهبته

                        فلا هو معطينى ولا أنا سائله

فطربت سلامة طربا شديدا ، وما منعها أن تقوم فترقص إلا اجتهادها فى محاولة حفظ اللحن ، وقالت :

- أحسنت يا حكيم . . . بربك إلا ما أعدته على . فأعاد عليها اللحن مرة بعد مرة حتى قالت له : - حسبك يا حكيم . . . اسمعنى ، سأعيد اللحن عليك ، فاردد على إن أخطأت .

قال لها : - افعلى ونعيم عين ! فغنت سلامة :

بنفسى من لو مر برد بنانه

                على كبدى كانت شفاء أنامله

ثم وقفت عن الغناء وقالت : - تبا لى ! لم أحسن اللحن . فأعاد حكيم الشطر الثانى وطفق يكرره وهى تكرره معه ، حتى قال لها :

- ها أنت ذى أجدته الآن . فكان جذلها عظميا . نهضا فنزلا من السفح يتفقدان غنمهما ، ويعيدان ما ند منها وابتعد عن تلك البقعة ، ثم عادا يستبقان إلى مكانهما فى السفح ، فارتمت سلامة على مقعدها ، وارتمى حكيم قريبا منها ، وأرسلا تنهدا طويلا من تعب الجرى تخالطه ضحكات بريئة كل البراءة من جانب سلامة - وبسمات من قبل حكيم لا تخلو من معانى الغزل .

وما كاد نفس سلامة يهدأ حتى طفقت تعيد اللحن وقد ارتفعت عنها محاولة التقليد ، وأرسلت نفسها على سجيتها ، ومدت من صوتها ما شاءت أن تمد ، ورجعت فيه ما طاب لها الترجيع . فطرب حكيم طربا شديدا ، ولم يصدق أنه يسمع اللحن الذى لقنها إياه مذ الساعة . ونظر إلى الشياه السائمة فى أسفل التل ، فخيل له لأنها قد كفت عن الرعى ، واشرأبت بأعناقها إلى مصدر ذلك اللحن العلوى البديع . فما لبث أن صاح فى دهش : - ويل لك ! ما هذا ؟

وانتبهت سلامة لاختلاف لحنها عن الأصل فقالت : - تبا لى ، عدت إلى خطأى . قال لها :

- كلا والله ما هذا بخطأ . . . لقد زدت اللحن بهذا عذوبة ليست فى الأصل . . . والله لقد خلقت للغناء يا سلامة ، وليكونن لك فيه شأن - وإنما أنت فى حاجة إلى معلم تأخذين الغناء عنه .

نزلت هذه الكلمات كالطل البارد على قلب سلامة ، لأنها عبرت تعبيرا واضحا عما لديها من الموهبة الغنائية التى كانت تحس بها إحساسا مبهما ؛ فلم يبق لديها شك حينئذ فى أنها ستصير مغنية عظيمة إذا وجدت من يأخذ يدها فى هذا السبيل ؛ ونظرت إلى حكيم نظرة ملؤها الشكر وقالت :

- لكن من لى بذاك العلم يا حكيم ؟ أطرق حكيم لحظة ، ثم قال لها فى شئ من التردد : - قلت لك إننى أعرف شيئا من ألحان جميلة ، وأزيدك أننى أعرف جملة من ألحان غيرها ، فهل لك أن تأخذيها عنى ؟

فلم تتردد سلامة أن قالت : - افعل يا حكيم ، ولك المنة والفضل .

رفع حكيم بصره إليها قائلا : - ما جزائى عندك إن علمتك إياها يا سلامة ؟

فضحكت سلامة وأجابته قائلة : - جزاؤك ..؟ لا أدرى . إنى لا أملك شيئا يا حكيم .

فقال لها : - بل تملكين كل شئ يا سلامة ! وفطنت سلامة لبعض ما يريد ، وقالت متجاهلة : - والله رب هذا البيت لا أملك شيئا .

قال لها : - لا تقول هذا وعندك هذا الفم الأرجوانى ، والثنايا اللؤلؤية !

فاصطبغ خدها بحمرة الخجل ، وقالت فى لهجة العاتب : - تبا لك . . . أتريد . . .

فابتدرها حكيم قائلا : - قبلة يا سلامة . . . قبلة أو قبلتين !

قالت وقد قطبت وجهها : - ويل لك . . . بئس ما ربتك أمك يا حكيم ! فأجابها مبتسما :

- أجل بئس ما ربتنى أمى . . . كانت - يرحمها الله - كثيرا ما تقبلنى !

فأغربت سلامة فى الضحك ، ثم كفت عنه فجأة وقالت :

- دعنا من هذا . . . ألا تعلمنى يا حكيم ؟

قال لها : - وتمنحنى القبلة يا سلامة ؟ فسكتت . . . ثم نظرت إليه ضاحكة وقالت :

- أمنحك إياها . فاقترب منها حكيم قائلا : - هاتى فوالله إن المكان خال .

فارتدت سلامة قليلا إلى الوراء قائلة : - لا . . . ليس الآن . . . حتى تعلمنى . قال حكيم وقد عاد إلى مكانه الأول : - حسنا . . . سأعلمك كل يوم لحنا أو لحنين ، على أن تعطينى قبلة على كل لحن .

فأجابته ضاحكة : - قبلت شرطك يا ماكر . فابتسم حكيم ابتسامة الظافر وقال :

إذا فهاتى القبلة التى استحققتها عندك باللحن الذى علمتك إياه الآن .

ولكن سلامة لم تعدم الرد المقنع ، إذ قالت - إنك علمتنيه قبل أن نبرم بيننا هذا الاتفاق ، فليس لك أن تطالبنى بشئ بعد .

قال لها وقد شعر بأنه المغلوب : - ويل لك ! ما أذكاك ! غدا أستحق لديك قبلا كثيرة !

فابتسمت وأجابته قائلة : - غدا يأتى الله بالفرج

الفصل الخامس

مرت الأيام تترى على حكيم وسلامة وهما يلتقيان كل يوم فى المرعى فتأخذ عنه لحنا من الألحان التى كان

يعرفها حتى استنفدت ما عنده منها ، وظلا بعد ذلك يتطارحان الأغانى السالفة ويعيدانها حتى إذا استقلت الشمس فى كبد السماء رجعت سلامة إلى البيت فقامت بما عليها من شؤونه .

وكانت فى خلال ذلك كثيرا ما تتأخر عن موعد مجيئها إلى البيت فتعاتبها مولاتها ، فتتنصل من تبعتها بعذر من الأعذار تختلقه اختلاقا ، وكانت أم الوفاء تتسامح معها فى ذلك لشدة حبها لها وتعلقها بها .

وزاد ولوع سلامة بالغناء حتى كانت لا تكاد تكف عنه وهى تطبخ الطعام أو تكنس المنزل . وطالما نصحتها أم الوفاء بالكف عن ذلك وشددت عليها فيه فلم تكن لتنتصح . وفاجأها أبو الوفاء غير مرة وهى تغنى فزجرها أشد الزجر وتوعدها بالضرب ، فكانت تكف عن الغناء يوما أو يومين ، ولكنها لا تلبث أن تعود إليه . وكان من جراء ذلك أنه قلما كان يمضى يوم لا يشتد فيه التلاحى بين أبى  الوفاء وأم الوفاء ، إذ كان يتهمها بالهوادة والتسامح مع الجارية ، وأنها لو قست عليها وأخذت بجانب الحزم فى تأديبها لكفت عن هذا الباطل .

والحق أن أم الوفاء كانت تدافع عنها فى أول الأمر وتنتحل لها الأعذار ، وتعد زوجها بأن سلامة ستكف عن باطلها ، حتى ضاقت نفسها آخر الأمر حين رأت أن لا فائدة من نصح سلامة ، فأعلمت زوجها بأنها عجزت عن تأديبها ، وأنها تترك له الحق فى أن يتصرف فى أمرها كما يشاء . فشاورها أبو الوفاء فى أمر بيعها للتخلص منها ، وكان ذلك شديدا على أم الوفاء لحبها سلامة ، ولكنها لم تجد عذرا تعترض به على هذا الرأى فرضيت به على كره . ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية